الديمقراطية في تونس

عبد اللطيف بن سالم
2020 / 2 / 2

من أهم الأسباب في تدهور الأوضاع اليوم في تونس هو الاستعمال الخاطئ للديمقراطية . يُقال في الأمثال الأنقليزية " إن القميص الذي يُصنع ليلبسه كل الناس لا يلبسه أحد" وربما يستحيل وجوده في الواقع وبالتالي فان الديمقراطية مثلها مثل هذا القميص لا تكون صالحة لأي مجتمع حتى يقوم بمراجعتها و تهذيبها و تفصيلها على قياسه علما و أن كل مجتمع له خصوصياته و تاريخه و ثقافته و عقليته السائدة التي بها يتفاعل مع هذا البرنامج الجديد المسمى "ديمقراطية" بطريقة مختلفة عن المجتمعات الأخرى ما يدعو إلى ضرورة البحث و الإمعان في شكل الديمقراطية التي تناسبه و لهذا فان في العالم اليوم ديمقراطيات و ليست ديمقراطية واحدة مع الاحتفاظ على الأساس المشترك بينهم وهو المعرف لدى الجميع بأنه "حكم الشعب لنفسه بنفسه" و لكن الطريقة لابد أن تكون مختلفة باختلاف أنواع الشعوب فشعب جاهل مثلا لا يستطيع أن يُمارس الديمقراطية بنفس الطريقة التي تُمارس بها في شعب مثقف و بالتالي فان النتيجة تكون أيضا مختلفة بينهما و لا ينجح أولاء كما ينجح فيها هؤلاء. فلو نظرنا مليا في طبيعة و نوعية الناخبين في كل من الانتخابات التشريعية عندنا و الرئاسية لوجدنا أن اغلبهم من الجهلة و الغوغائيين و البلطجية و الأمّيّات من النساء الذين لا يفقهون شيئا من الديمقراطية و لا يعُون ما يفعلون بل إنهم فقط مُقلّدون و قطيعيون أو هم بالأموال مشترون. فهل من الصواب أن نمنح لمثل هؤلاء الثقة في اختيار نوابنا و رئيسنا ليديروا شؤوننا و يحلوا مشاكلنا و ينهضوا بنا وبدولتنا ؟
لكن هذا ما وقع بالفعل في بلادنا في السنوات السابقة و كان سببا في خرابها و دمارها و تردي أوضاعها, و ما دمنا نفكر اليوم في ضرورة مقاومة الفساد فليكن البدءُ بدرء هذا الفساد الأكبر، بتدارك هذا الخطأ الفظيع في طريقة ممارسة الديمقراطية عندنا و لا بد أن نشترط لاحقا في كل ناخب أن يكون على مستو معين من الوعي و الثقافة الذي يمكّنه من الاختيار الصائب في الانتخابات القادمة حتى لا نقع من جديد في نفس المأزق الذي وقعنا فيه في السابق ولا نمنح بطاقة ناخب مثلا إلا لمن كان له مستوى تعليمي يفوق التاسعة أساسي مثلا امرأة كان أو رجلا أو أي مستو آخر تتفق عليه الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بعد التشاور مع الخبراء والمسئولين في الغرض .هكذا يمكن أن نشرع في ممارسة حياة ديمقراطية ناجحة و في أرقى مستوى و لا باس من أن لا يحدث ذلك في مجتمعات ديمقراطية أخرى إذا لم يكن لهم داع إليه أو كانت لهم مثل هذه الدواعي ولم ينتبهوا لها أو كانوا يعرفونها ولكن لم يُبالوا بها.
ولم لا تكون لنا في تونس هذه المبادرة الخاصة بنا نظرا لاختلاف الوضع عندنا و ربما في المستقبل ستكون هذه المبادرة عملا متميزا خاصا بتونس و يمكن أن نكون به قدوة لغيرنا ؟
وللملاحظة في الأخير أن الغالبية من المثقفين والخبراء والنخب الواعية بقيت خارج العملية الانتخابية في المرات السابقة لعدم ثقتها في طريقة تسييرها وامتعاضها مسبقا من نتائجها التي كانوا يتوقعونها ومتأكدين من فشلها وخطرها لاحقا على مجتمعنا ، لذا فإن أردنا خيرا وازدهارا لهذا البلد الكريم عوّلنا بالدرجة الأولى في الانتخابات القادمة على شيوخها ومثقفيها ونُخبها الكثيرة في المجالات المختلفة لتسييرها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لأن الغالبية من شبابنا ونسائنا قد همّشتهم العولمة ولم يعود وا يدرون ما لهم وما عليهم تُجاه وطنهم الذي إليه ينتمون وعنه هم مسئولون .