بمناسبة 100 عام على الحركة الشيوعية في البلاد

خليل اندراوس
2020 / 2 / 1


يعاني عصرنا الحالي من تراجع للفكر التقدمي الانساني، أمام هجمة الاعلام الغربي الرأسمالي، الذي حول قيمة الربح والاستهلاك الى قيمة إنسانية عليا، مشوهة ومعمقة بذلك الفوارق بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وبين الأغنياء والفقراء، وحولت العالم بشكل أعمق وأشرس الى غابة، يقتل القوي فيها الضعيف، مفككة العلاقات الاجتماعية، ومحولة الأنا الى قيمة عليا، بديلة للقيم الإنسانية من عدالة اجتماعية واخاء وتضامن وتعاضد وبناء، من أجل الحفاظ على الكرة الأرضية ومنع الدمار الشامل.
ولذلك وجب علينا نحن الشيوعيين، تعميق وعينا وإدراكنا لقيمنا ومفاهيمنا التقدمية وإعادة الاهتمام بالفكر العلمي الثوري الماركسي الذي يتعرض الى عملية تشويه وتهميش وإزاحة من الوعي الجماعي الإنساني.

ولذلك فالحزب الشيوعي هو الطليعة الواعية الثورية للبروليتاريا، ومنظمها وقيادة هذا الحزب شرط لا غنى عنه لكي تؤدي الطبقة العاملة رسالتها التاريخية العالمية فوجود الحزب ضرورة موضوعية لذلك لا يمكن تحييد الحزب الشيوعي فبدون الحزب يستحيل نجاح اي نضال اجتماعي سياسي أو طبقي يستحيل بناء مجتمع جديد، بناء مجتمع مملكة الحرية على الأرض كما قال ماركس.



فالمهمة الأساسية في الظرف الراهن، بالنسبة لجميع الشيوعيين قبل كل شيء، وفوق كل شيء وعلى جميع شرائح المجتمع المختلفة، أن يضعوا في مركز عملهم وجهدهم ونشاطهم، النضال الكفاحي المثابر ضد الاحتلال والاستيطان، والتمييز العنصري، وتوسيع قاعدة النضال الطبقي اليهودي العربي داخل إسرائيل، لا بالقول بل بالفعل.
وهذا النشاط يجب أن يرتكز على الجماعية من خلال تفعيل وتنشيط هيئات الحزب الشيوعي والجبهة، كشرط ضروري موضوعي من أجل تحقيق أهداف النضال. وكل تشويه لعمل الهيئات وجماعية القيادة سيفضي إلى مماطلات، وفقدان المسؤولية وسيحول هيئات الحزب، ليست فقط المحلية، وحتى المركزية إلى "ندوات للثرثرة"، كما قال لينين. (لينين المؤلفات الكامله المجلد-9). وهذا الشكل من العمل على مستوى الهيئات الحزبية المحلية أو القيادية يشكل شرا جسيما يجب وضع حد له مهما كلف الأمر وبأسرع وقت ممكن. وعلى الهيئات المركزية القيادية أن تمتاز بالروح العمليه ومنع "الخطب " الطويلة وفي بعض الحالات الفارغة وأحيانا الخارجة عن الموضوع، والعمل على تبادل الآراء بروح حضارية من خلال الحوار البنّاء، الخالي من العصبية الذاتية، والحلقية، والخروج بإقتراحات عملية، واضحة ودقيقة وقابلة للتحقيق.
فلا يعقل عقد إجتماعات فضفاضة بدون وضع نقاط وقضايا أساسية، وعند عقد الاجتماع يجب أن يقتصر النقاش والبحث حول هذه القضايا والمهام الأساسية وحدها، من خلال نقاش موضوعي محدد، واضح وبنّاء، وعلى الهيئة التي يوكل إليها تنفيذ هذا القرار أو ذاك أن تمارس عملها بصلابة وعزم وجرأة وأهلية، من خلال علاقات تمتاز بالثقة المتبادلة . ففي النهاية لا تكفي الجماعية، بل يجب أن يرافقها الشعور بالمسؤولية الجماعية والفردية وتنفيذ المهام بدقة.
فإنعدام المسؤولية بحجة الجماعية يشكل أخطر شر تتعرض له أي هيئة حزبية، ويؤدي إلى إفشال العمل على المستوى الشعبي الجماهيري، وإلى زرع عدم الثقة بين الرفاق أنفسهم ومع الجمهور. وكل هذا يجب أن يجري من خلال عمل مثابر تجنيدي للجمهور الواسع ومن خلال نشاط فكري إيديولوجي، من أجل تعميق ونشر المفاهيم الماركسية بين الرفاق وأيضا غير الحزبيين والجمهور الواسع. فمثلاً من المضحك المبكي أن يكون بين صفوفنا عضو حزب عادي، أو عضو في هيئة حزبية أو مسؤول شبيبة أو عضو شبيبة ولا يقرأ صحيفة الإتحاد، ولا يقرأ ويطالع مراجع ومصادر الفلسفة الماركسية أو لا يتابع القضايا السياسية والطبقية يوميا.
من المسؤوليات الأساسية للحزب الشيوعي التواصل مع الطبقة العاملة، وكل محبذي ومؤيدي نهج وسياسة الحزب من أجل إجتذابهم للعمل السياسي الجماهيري، ولاحقا العمل على انتسابهم لصفوف الحزب من أجل توسيع القاعدة الشعبية للحزب وتحويله الى حزب أكثر جماهيرية، قائد ليس فقط للطبقة العاملة، مع أن الحزب الشيوعي هو حزب الطبقة العاملة، بل أيضا قائد لفئات وشرائح إجتماعية واسعة.
خلال عمل الحزب النضالي الطويل، كان هناك دائما من انتقد بحق ولم يُسمع، وعلى هذا في العديد من الحالات علينا مراجعة الذات، وممارسة الإنتقاد الذاتي على مستوى الرفيق والهيئات. وهناك من يحاول تشويه تاريخ الحزب، وعلينا أن نتعامل مع هذه الظواهر بحكمة، وحنكة ومسؤولية، ولكن بحزم وحسم، ومع الإلتزام بدستور الحزب.
في الفتره الأخيرة كان هناك من أراد أن يقرأ تاريخ الحزب بشكل منقوص، وخاطئ وبدون رؤية الظروف الموضوعية العالمية والعربية والفلسطينية وبدون الأخذ بعين الإعتبار زمان ومكان اتخاذ هذا القرار أو ذاك. قد يكون هناك نقاش حول هذا المقال أو ذاك، أو هذه الفقره أو تلك، او حول بعض المواقف أو التصريحات مما كتب في حينه، وأقصد عام النكبة، 1948. ولكن عودة الى الوراء من خلال مراجعة لتلك الفترة التاريخية، حيث أكد حينها الحزب الشيوعي دائما بأن الحلف الثلاثي الدنس، الإمبريالية العالمية والصهيونية والرجعية العربية، مع التفاوت النسبي للدور الذي لعبته أضلاع هذا المثلث، هم المسؤولون عن الكارثة التي حلّت بالشعب العربي الفلسطيني ولو قُبل قرار التقسيم من القيادة الفلسطينية، لا أقول بأنه كان مؤكدا أن لا تقع الكارثة، التي كان مخططا لها بدقة من قبل الحركة الصهيونية التي أرادت أرض بلا شعب، وموازين القوى كانت لصالح هذا المخطط الصهيوني مطلقا "بل قد تكون أقل مأساةً ومعاناةً "، واليوم نرضى بأقل بكثير مما طرح في قرار التقسيم.
ولكن بإعتقادي الحل الأمثل والأفضل لحل المسألة القومية في فلسطين كان في السابق وسيكون مستقبلاً دولة ديمقراطية لكلا الشعبين. ولكن بما ان هذا الطرح غير مقبول على كلا الشعبين الآن فلا مفر من دولتين للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، كحل مرحلي لتخفيف حدة المواجهة والصراع القومي. فمن خلال فهمنا للمادية التاريخية ندرك بأن الدولة القومية بشكلها الحالي ظاهرة تاريخية مرحلية وغير ازلية.
واليوم وهذه حقيقة تاريخية، أول من طرح حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهذا الموقف تبناه الحزب قبل منظمة التحرير، (لنتذكر انه في الستينيات والسبعينيات بعض التنظيمات الفلسطينية رفعت شعار تحرير كامل التراب الفلسطيني). ولذلك فلا يحق لأحد أن يزايد على الحزب الشيوعي لا من منطلق قومي ولا من منطلق أممي.
نقاش، حوار، مراجعة ذاتية إنتقاديه بنّاءه لبعض القضايا نعم، ولكن التشكيك بدور الحزب الشيوعي المثابر والصادق والثوري والقومي والأممي، والذي لم يفقد البوصلة، في أي مرحلة من مراحل تاريخه والذي حافظ على الخيط الأحمر طول الطريق، غير مقبول علينا.
وفي نفس الوقت علينا أن لا نقع في الهوس التنظيمي، ففي هذه الظروف المصيرية التي تمر بها المنطقة والتي يمر بها المجتمع الإسرائيلي، حيث يسيطر اليمين العنصري الشوفيني بل الفاشي علينا أن نعمل سوية كحزب وجبهة بنهج مثابر علمي ومدروس، وثوري مجند للجماهير الواسعة، من أجل كنس اٌحتلال وضد العنصرية من خلال إقامة جبهة واسعة يهودية عربية، عربية يهودية، ونحن لسنا بحاجة لإنتظار رسالة من الخارج للقيام بذلك فهذا هو طريقنا، طريق النضال القومي الطبقي الأممي لمصلحة كلا الشعبين ومن أجل المساواة والسلام العادل والدائم في المنطقة.