قراءة ثانية فى خطة ترامب لحل القضية الفلسطينية

رياض حسن محرم
2020 / 1 / 31

بعد سنوات ثلاث من التردّد، أزاح الرئيس دونالد ترامب أخيراً الستار عما يُسمّى "صفقة القرن" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هذه الخطة، تعنى دعم المواقف الإسرائيلية المُحددة منذ أمد بعيد، بما في ذلك السيطرة الإسرائيلية على مدينة القدس بأكملها؛ واستبقاء كل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية؛ وضمّ غور الأردن ومرتفعات الجولان السورية الى إسرائيل، وفي حين أن الخطة تتحدّث بخجل عن إمكانية إقامة دولة فلسطينية في ما تبقى من الضفة الغربية وغزة، في وسعنا أن نتوقّع أن تسعى القيادة الفلسطينية إلى الضغط على المجتمع الدولي للحصول على الدعم، بيد أن هذا لن يغيّر من الوضع على الأرض شيئا. قد تقطع السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني مع إسرائيل، لكن ذلك لن يؤدِ سوى إلى أن تكون قوات الأمن الإسرائيلية يدها مطلقة في الضفة الغربية، ما يقوّض مواقع السلطة الفلسطينية الهشّة أساساً.لأخطار أفدح، فقد يوجّه تلاشي حل الدولتين ضربة قاصمة للشرعية السياسية للقيادة الفلسطينية الحالية، التي ركزّت طويلا لتحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية بالمفاوضات حول مفهوم التسوية مع إسرائيل، وبالتالي، ومهما كان شكل القيادة الفلسطينية الجديدة التي قد تبرز، فإنها ستكون على الأرجح أقل استعداداً من القيادة الحالية لاحتضان عملية السلام.
وإختصارا لبنود خطة السلام التى أعلنها ترامب (وفقا لبيان صادر عن البيت الأبيض) هى كالتالى:
• موافقة إسرائيل على إقامة دولة للفلسطينيين "منزوعة السلاح"تعتمد على الاتفاق الأمني لحماية الإسرائيليين، بما فى ذلك نزع سلاح "حماس" وكافة الفصائل الفلسطينية
• تضمن الخطة "كزعم واضعيها"طريقًا للشعب الفلسطيني لتحقيق تطلعاته المشروعة في الاستقلال والحكم الذاتي والكرامة الوطنية.
• في ظل هذه الرؤية، لن يسمح بإجلاء الفلسطينيين أو الإسرائيليين من منازلهم، بما فى ذلك المستوطنون فى الضفة الغربية
• للمرة الأولى في هذا النزاع، توصل الرئيس ترامب إلى تفاهم مع إسرائيل فيما يتعلق بخريطة تحدد الحدود لحل الدولتين.
(عقب إطلاق خطته، نشر ترامب على موقعه عبر (تويتر)، خريطة توضح الدولة الفلسطينية المستقبلية وكتب معلقا عليها باللغة العربية "هذا ما قد تبدو عليه دولة فلسطين المستقبلية بعاصمة في أجزاء من القدس الشرقية".وتظهر الخريطة المناطق التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية الجديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، اللذين يربطهما نفق تحت الأرض.، كما تظهر الخريطة منطقة صناعية وتصنيع باستخدام التكنولوجيا المتطورة تقع جنوب رفح بمحاذاة الحدود المصرية، وتشمل أيضا منطقة سكنية وزراعية، لوحظ أن مناطق عديدة في الضفة الغربية كتب عليها "جيب سكاني إسرائيلي (مستوطنات)، فضلا عن طرق ومواقع استراتيجية تخضع لإسرائيل داخل الضفة الغربية)
فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية، يقول البيت الأبيض إن:
• إسرائيل وافقت على تجميد النشاط الاستيطاني لمدة أربع سنوات في الوقت الذي يجري فيه التفاوض على إقامة دولة فلسطينية.
• القدس عاصمة غير مقسمة لإسرائيل، ويمكن أن تكون هناك "عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية".، فى أطراف المدينة ب "منطقة شغفاط"
• الخطة تعطي أللفلسطينيين أكثر من ضعف الأراضي الواقعة حاليا تحت السيطرة الفلسطينية.
• الخطة تسمح للدولة الفلسطينية باستخدام والإشتراك فى إدارة المرافق في موانئ حيفا وأشدود، ومنطقة على الساحل الشمالي للبحر الميت، واستمرار النشاط الزراعي في وادي الأردن" تحت السيطرة الإسرائيلية.
• ربط الدولة الفلسطينية المقترحة بطرق وجسور وأنفاق من أجل التواصل بين غزة والضفة الغربية.
فيما يتعلق بالأمن الإسرائيلي:
• تلبي الخطة المتطلبات الأمنية لإسرائيل بالكامل، ولا تطلب من إسرائيل تحمل مخاطر أمنية إضافية، كما تنص الخطة على قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل، مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية غنها.
• مع مرور الوقت، سيعمل الفلسطينيون مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتحمل المزيد من المسؤولية الأمنية، حيث تقلل إسرائيل من بصمتها الأمنية لصالح امريكا.
فيما يتعلق بالقدس والمواقع المقدسة: ستواصل إسرائيل حماية الأماكن المقدسة في القدس وستضمن حرية العبادة لليهود والمسيحيين والمسلمين:
• الحفاظ على الوضع الراهن في الحرم القدسي الشريف، أى أن يظل دور الأردن فى الإشراف على المسجد الأقصى.
• الحفاظ على الدور الخاص والتاريخي للأردن فيما يتعلق بالأماكن المقدسة.
• جميع المسلمين مدعوون إلى زيارة المسجد الأقصى.
وجاء في بيان البيت الأبيض أن:
• الأمر متروك للقادة الإسرائيليين والفلسطينيين لاتخاذ إجراءات شجاعة وجريئة لإنهاء الجمود السياسي، واستئناف المفاوضات على أساس هذه الرؤية، وجعل السلام الدائم والازدهار الاقتصادي حقيقة واقعة.
• إذا كان لدى الفلسطينيين مخاوف بشأن هذه الرؤية، فيجب عليهم طرحها في سياق مفاوضات مع الإسرائيليين والمساعدة في إحراز تقدم.
• معارضة هذه الرؤية تعني استمرار للوضع الراهن اليائس الذي هو نتاج عقود من التفكير العقيم.
إن خطة سلام ترامب تعتمد على قبول الفلسطينيين دولة بالاسم فقط فمنذ مفاوضات أوسلو للسلام عام 1993 كانت آمال الفلسطينيين كبيرة في أن يتم تأسيس الدولة الفلسطينية على كل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية لكن خطة ترامب تنكرت لكل ذلك وقلصت حجم الدولة الفلسطينية وشوهتها بحيث لم يعد لها فرصة للوجود، أن الخطة تتضمن وضع عوائق لمنع الفلسطينيين من المطالبة بالعدالة " أمام المحكمة الجنائية أو محكمة العدل الدوليتين" في مواجهة جرائم الحرب التي ارتكبت بحقهم ولاتزال ترتكب حتى الآن، بينما يسعى ترامب ليعرض على الفلسطينيين 50 مليار دولار كاستثمارات في مقابل تخليهم عن حقوقهم المدنية وعن حقهم في وطن، كما أن هذه الصفقة هى تعبير عن رغبات المتطرفين في الولايات المتحدة وإسرائيل وتنهي بالفعل أي أمل في أن يحصل الفلسطينيين على دولة لهم، إن الخطة بالإسم فقط تؤيد مبدأ حل الدولتين لكن في الواقع فإن أغلب المحللين يؤكدون أنها أفضل خطة سلام كان يمكن أن تحلم بها إسرائيل.
المشكلة الحقيقية أن الفلسطينيين المنقسمون على أنفسهم غير قادرين وحدهم لمواجهة ذلك التسونامى، بينما وجدوا أنفسهم في عزلة دبلوماسية بعد الإعلان عن صفقة ترامب وسط صمت مريب من الدول العربية والأوروبية، الإدانة الإقليمية جاءت من قبل تركيا وإيران وهما الدولتان المعروفتان بعدائهما لإسرائيل بشكل تقليدي، هذا الصمت سيجعل الفلسطينيين يواجهون التصرفات التوسعية الإسرائيلية بمفردهم خلال الأسابيع المقبلة وهو ما سوف يغير شكل الحدود في المنطقة لصالح إسرائيل، أن صياغة الخطة الأمريكية ارتكزت على "رغبات إسرائيل" وتجاهلت الحقوق الأساسية للفلسطينيين ولم تكفل تحقيق رؤية حل الدولتين المدعومة دوليا، إن تمرير الصفقة سيكون له تداعيات خطيرة جدا على الأمن والسلام في كل المنطقة، لسبب بسيط وهو أن قضية فلسطين لا يمكن أن تحسم بهذا الشكل، وأن شعب فلسطين ليس شعبا طارئا، بل هو الأساس والإسرائيليين هم الطارئون.
باختصار فإنه لا يوجد فلسطيني يمكن أن يوافق على إقامة دولة لا تملك من مقومات الدول سوى الاسم، وتقوم مقابل التخلي عن الكرامة والهوية الوطنية، والسيادة على الحدود والمياه والأجواء والمصادر الطبيعية، والقدس واللاجئين وحق تقرير المصير، على أننا يجب أن نذكر أيضا أن موازين القوى الحالية لا تتيح ما هو أفضل من ذلك والتعويل على الدول العربية فى هذه اللحظة من تاريخ المنطقة هو تعويل فاشل، والرفض ثم الإنتظار لتغير الأوضاع للأحسن هو رهان غير مضمون، ولعل القول أننا على استعداد للإنتظار لقرن آخر من الزمن، فان الرد عليه ببساطة أن القضية لن تنتظر، وما هو احتمال حاليا سيصبح واقعا غدا.
المشكلة أن أنّ الخطة محكومة بالفشل لأنّها تصبّ بقوّة في مصلحة الدولة العبرية وتفرض شروطاً تعجيزية على الفلسطينيين، كما لا تحدد سقفا زمنيا للتفاوض ولا آلية للتحكيم بين المتفاوضين، إلا أنّها بالمقابل تنذر بقوة أن خيارات الفلسطينيين مستمرة في التضاؤل..فهل يوجد ملاك بجناحين يحمل لنا حلا.. أشك فى ذلك.