صفقة القرن .. الموقف العربي

حسام تيمور
2020 / 1 / 30

عندما نتحدث عن الموقف العربي مما صار يعرف على أرض الواقع ب"صفقة القرن"، فنحن بصدد الحديث عما يشبه "جسدا شبه ميت"، يتفاعل من حين لآخر مع صدمات التاريخ القوية فقط، من باب ما يسمى في علم التشريح ب "الانعكاس العصبي الحسي"، و هو بالضبط ما يحدث عندما يتم صعق قطعة معزولة، أو جسم ميت بأكمله، لفأر تجارب أو أي عينة تجريبية أخرى بالكهرباء !

فالانعكاس "العصبي الحسي" هنا، يمثل "ردود الافعال" المتأخرة، و ليس المواقف بكافة أشكالها، قارة كانت أم متحولة !
ردود الأفعال هذه، التي تتواصل بشكل مكرور و مكروه، باهت، بصيغة موحدة منزلة و هامش ابتداع ضيق جدا، يراد لها أن تعيد صياغة شيئ سيسمى اعلاميا و سياسيا و ديبلوماسيا، ب "الموقف" العربي، من صفقة القرن !

ما يسمى بالموقف العربي، من صفقة القرن، كما تعبر عنه، البيانات الرسمية، التصريحات المسؤولة، القرارات و الاجرائات و التدابير ( افتراضا) ، هو في أصله "رد فعل"، و ليس "موقفا" !
أي أنه موقف من "الاعلان عن الصفقة"، وليس موقفا من "الصفقة"، و هذه مغالطة يتم الترويج لها بدهاء و خبث شديدين، في خضم أجواء اليأس و الحنق و الغضب السائدة !

فيما يخص المفاضلة، بين "رد الفعل" كطارئ أو مستجد، و "الموقف" كأصل ثابث قابل للتغير بطبيعة الحال ، فلا وجود لفارق اجرائي كبير، أو "مردود" معين يفيد في التمييز بين المستويين، سواء من حيث القيمة على أرض الواقع، أو من حيث القيمة السياسية، كمدخل نحو سياسة الواقع ، و التأثير على أرض الواقع، نحن نتحدث في كلتا الحالتين عن "كلام"، لا يلزم حتى قائليه، باعتبارهم مجرد أدوات منتهية الصلاحية ! أو عروشا على كف عفريت .
لكن، بالعودة ل"ردود الأفعال"، التي يراد لها أن تظهر كمواقف، سنلاحظ أنها جائت في صيغة شبه موحدة،

مذيلة بجملة أو اثنتين تعكسان نوعا من "التمايز" بين ذلك النظام أو ذاك، بما في ذلك البيان الرسمي القطري الذي جاء "صادما"، للبعض، حيث تبنى نفس الصيغة الشبه موحدة، مع اضافات بلاغية غير مقنعة حتى في هذا الباب، أي استهلاك الكلام !

نجد أن مصر، السعودية، البحرين و الامارات، أي الدول المشاركة فعليا في تشكيل الهياكل التفعيلية الافتراضية لهذه الصفقة، و بالتالي صياغة بنودها و تفاصيلها على الورق، اكتفت بنفس الكلام تقريبا، بل و ابتعدت عن كل ما يمكن أن يفهم ك "رد فعل" على خطة معينة، على حساب "الموقف"، منها، و من أطرافها الثلاث الواضحة ! و هنا تكمن "الحبكة" الأمريكية، أو التخطيط على مستوى آخر جد متقدم، يستهدف أنماط الوعي و تمثلات العامل السيكولوجي لدى الكائن العربي في حالة الخدر و الهزيمة و الانبطاح، و الأنظمة في حالة الافلاس و التخبط الشديدين ..

أي أن "رد الفعل" العربي الرسمي، لا يجب أن يرى كموقف يعبر عنه -لحظيا- نظام أو أكثر- من حدث طارئ، بل كموقف متجذر متأصل في صيغته الفضفاضة التي دأبت الانظمة على اخراجها و اجترارها .. لدرئ الحرج !

و هنا نتحدث عن الجانب الاجرائي، أو التنفيذي، حيث يظل لزاما على هذه الأنظمة، و مؤسساتها الرسمية المباشرة و الغير مباشرة، الحفاظ على قليل من "الموقف/اللاموقف" .. بعيدا عن "ردود الافعال" التي لن تكون الا تجسيدا لواقع "الجثة" العربية، في وضعها المهين، المهزوم، و منظرها و هي تتجاوب مع الصدمات وفق المبدأ العلمي الذي عرجنا عليه في البداية، وهو

"الانعكاس العصبي الحسي"..