الربيع آتٍ لا محال في الناصرية!

طه رشيد
2020 / 1 / 29

زرت الناصرية للمرة الاولى مرغما في سبعينيات القرن الماضي بسبب نقل وحدتنا العسكرية من شمالي العراق، بعد فشل الحركة الكردية المسلحة إثر توقيع اتفاقية تفاهم بين ايران الشاه وعراق صدام بمباركة الجزائر ايام الرئيس الهواري بومدين.
كان الطقس ربيعا في تلك الايام من عام ١٩٧٥، الا ان العواصف الترابية التي هبت على الناصرية كانت نذير شؤم بقدوم صيف ساخن!
بحثت، رغم الغبار، عن الوجوه التي عرفتها ايام الدراسة: الاخوان ناصر ومحسن خزعل. احمد موسى. سمير هامش. منير العبيدي. عبد الله رجب. زكي العزاوي.احمد الناصري. ستار دلي. طالب خيون. علي الشطري. حميد البنا. حميد كاظم وهو فنان مسرحي صاحب مقترحين شهيرين لتجنب العواصف التربية اولها تغطية سماء الناصرية بسقف ثانوي من الالمنيوم ( الچينكو )! اما المقترح الثاني فهو مطالبة الحكومة بتفصيل زي موحد لاهالي الناصرية من الچنكو ايضا! كانوا اصدقائي الناصريون يتقاسمون العمل الفني والادبي والموقف التقدمي اليساري مما ادى لعدد منهم الى ترك العراق اضطرار بسبب سياسة حكومة صدام القمعيةا اما البعض الاخر فاما عرفته السجون والمعتقلات او راح ضحية حروب صدام المجنونة!
معظم هؤلاء الشباب كانوا يفتخرون بانهم احفاد عامل الثلج فهد ( يوسف سلمان يوسف ) الذي "دوخ" انظمة متعاقبة على دفة حكم العراق بالاضافة لمخابرات الدول الاقليمية والدولية، خاصة بعد ان اعلن عن تاسيس حزب شيوعي عام ١٩٣٤!
في هذه المدينة وفي تخومها اكتشف اول مرة في الكون الكتابة والمدرسة والمعلم، بل تم الكشف عن رُقم يشير الى معلم لمادة الموسيقى قبل اكثر من ثلاثة الاف سنة!
يرد تفسير " اوروك " في الانسكلوبيديا الفرنسية على انه اول مركز حضاري في العالم! ويبدو ان المثقفين الذين يعتقدون اليوم بان الناصرية تشكل مركز الكون عل حق! هذه المدينة كتب لها الحياة! فهي قادرة على رفد العراق جيلا بعد جيل، بطاقات زاخرة على كل المستويات، ففي الغناء كان خضير مفطورة وداخل حسن وناصر حكيم وحضيري ابو عزيز وجبار ونيسة وستار جبار والصوت الدافئ حسين نعمة، ويكفي ان نذكر في التلحين الراحل طالب القرغولي وفي الشعر الراحلين عريان سيد خلف وزامل سعيد فتاح وكاظم الركابي وجبار الغزي، وبرز في الناصرية مجموعة مجددة في كتابة القصة والرواية والمسرح. وهنا نشير الى الكاتب المسرحي المجدد علي عبد النبي الزيدي، حيت تتقاسم نصوصه الممسرحة خشبات المسرح في العراق وبقية الدول العربية، ومن الاجيال الجديدة الكاتب المسرحي والمخرج الفذ مصطفى ستار الركابي، وغير هؤلاء اعداد كبيرة لم تسعفنا الذاكرة بتذكر اسمائهم!
فهل تموت مدينة فيها هذا العدد الكبير من المبدعين والذين وقف جلهم مع ابنائهم الثائرين السلميين؟!
رغم العواصف الترابية والهمجية بطمر الحقيقة، وبرغم القتل والاختطاف والاعتقال وحرق الخيام، فان الربيع لا بد وإن تشهده الناصرية، اجلا او عاجلا، في عراق امن وسيادي ومسالم ومزدهر!