مستقبل مصر لا تبنيه البطاطين

عصام شعبان حسن
2020 / 1 / 24

أثار حزب مستقبل وطن القريب من السلطة في مصر غضبا واسعا، بعد أن أقام حفلا مصوّرا أثناء توزيع "بطاطين" أغطية على مواطنين في إحدى محافظات مصر، ما دفع الحزب إلى الاعتذار وتبرير الواقعة، ونفي الجانب الاستعراضي فيها، أو ما رآه أغلب المتابعين استغلالا وإذلالا للمحتاجين، وأسلوبا رخيصا للتسويق السياسي. وتفتح الواقعة التساؤل، وتطرح قضايا عديدة، بداية من ردود أفعال الحزب الذي بدا متشنجا، ورد على حالة استنكار الفعل بوصفها تصفية حسابات قبل انتخابات المحليات، متهما "الإخوان المسلمين" بالوقوف خلفها بغرض تشويه صورته، إضافة إلى إشكالية الربط ما بين اتجاهات التصويت والعمل الاجتماعي، وقضية ثالثة، وهي ما إذا كانت المساعدات الخيرية حلا للأزمة الاقتصادية والاجتماعية لقطاعات للمصريين، وهل يعقل أن يطرح ذلك من حزبٍ يمتلك الأغلبية البرلمانية، بدلا من السير في سياسات تحل الأزمة.
فيما يخص حالة التشنج والمكايدة السياسية التي أظهرها حزب "مستقبل وطن" والمساندون له من إعلاميين، ترجع إلى أن هذا الحزب أحد أبرز واجهات السلطة، وأسّس بتفاهماتٍ من قطاعاتٍ متنوعة من مؤيديها، عبر ترتيباتٍ أمنية لم تكن خافيةً على مجتمع السياسة في البداية، ثم سرعان ما أصبحت معلنة بشكل واضح، بداية من حملة تأييد حركة مستقبل وطن لترشح الرئيس عبد الفتاح السيسي في انتخابات 2014، وما تلا ذلك من ظهور الرئيس السابق للحزب، محمد بدران، بجوار السيسي، في أثناء حفل افتتاح مشروع تفريعة قناة السويس. تلقّى بدران الذي كان رئيس اتحاد طلاب الجمهورية دعما سياسيا جعله يؤسّس الحزب، ويفتتح 380 مقرا في المحافظات، قبل أن يتجاوز 24 عاما، ليكون أصغر رئيس حزب في العالم. وأعلن الحزب عام 2015 بحضور رؤساء أحزاب وشخصيات عامة ورجال دولة وفنانين ورجال أعمال، بينما كان أغلب أعضائه من قياداتٍ سابقة في الحزب الوطني الديمقراطي (حزب حسني مبارك)، وانضمت معهم قيادات حزبية، تركت أحزابها لتنضم للشاب المعجزة، طمعا في كرسي بجوار السلطة أو عبر توجيهاتٍ بدعم الحزب الجديد الذي كان يروج تبعيته لمؤسسة الرئاسة، خصوصا مع وضوح الصورة أن العمل السياسي دخل مرحلة تراجع. ولم يعد المجال العام يسمح بالتنافس بعيدا عن مظلة دولة "30 يونيو".
واختارت كتل وشخصيات قيادية في حزب الوفد والمصريين الأحرار العمل تحت رئاسة الطفل المعجزة محمد بدران، من خلال الحزب الذي كان يُشار إليه ضمنيا بأنه صناعة أجهزة الدولة وحزب للسلطة. وكانت ترتيبات خوض الحزب الانتخابات وتحقيق المركز الثاني فيها بـ57 مقعدا في 2015، ثم وصول الهيئة البرلمانية إلى 387 بعدها، وحصوله على أغلب مكاتب هيئات البرلمان، بدعم من الفاعلين أنفسهم الذين صنعوا هذا الحزب.
كانت حالة الغضب والاستياء من واقعة "البطاطين" أبعد من أنها ضد الحزب نفسه، فهي تشير، في جانب منها، إلى إدانة للسلطة، ومن يمثّلونها، خصوصا أنها المسؤولة عن بسط مظلة الرعاية الاجتماعية وحماية كرامة المواطنين وحفظها، لا إذلالهم، كما لم تنطل تبريرات الحزب الواقعة بوصفها خطأ شخصيا، ووصفها بأنها حالة فردية. وللمفارقة، يُقال هذا التبرير دوما عند النقاش عن حالات التعذيب والموت في السجون، واقعة تصوير متلقى المساعدات، بما تحمله من إهانةٍ لم تقتصر على ما جرى في محافظة الدقهلية كما يدّعى "مستقبل وطن"، فهناك شواهد على تكرار مثل هذه الوقائع، منها تصوير متلقّي الخدمات العلاجية والمساعدات في سمالوط وأبو النمرس وبولاق وغيرها من مناطق، بل نُشرت صور لمتلقي المساعدات وهم يرفعون لافتات "مستقبل وطن". وكان يحضر هذه المؤتمرات أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب، وهنا يبرز تناقض آخر، فقادة الحزب ونوابه يحاولون إظهار أنفسهم بصورة من يساند الفقراء ومنحاز لهم، إلا أن أداءهم البرلماني لم يتضمّن في أغلبه اهتماما بقضايا اجتماعية واقتصادية، تشير إلى انحياز لتلك الشرائح الاجتماعية، كما يكرّرون في مؤتمراتهم الدعائية. التناقض هنا بين الخطاب الذي يبدو ذا نزعة اجتماعية والممارسات الفعلية تحت قبة البرلمان، والتي شرعت لقوانين وأقرت وساندت سياسات خفض الإنفاق الاجتماعي، ورفع الأسعار وزيادة الضرائب، وغيرها من سياساتٍ أثقلت كاهل المصريين، وساهمت في إفقارهم. ليست هذه الصورة من ممارسة القهر منفصلة عن وقائع مشابهة، كواقعة تصوير قعيد يزحف في مكتب أحد المحافظين طلبا لكرسي متحرّك وغيرها من مشاهد دالّة على سيكولوجية من يتولون السلطة وممارساتهم، من ضمنهم مقدمي الخدمات للمواطنين، والتي هي من صميم مهام وظائفهم التي يتقاضون عنها أجرا كموظفي دولة، ممارسات حزب مستقبل وطن جزء من ممارسات السلطة، وليست مستقلةً عنها، كما الحزب، تعبيرا عن تحالف طبقي واجتماعي من رجال أعمال وجزء من بيروقراطية دولة مبارك. لذا لديه ذات السيكولوجية، المتمثلة في المتسلط الذي يريد تبييض صورته، ومنحها وجها من الرحمة عبر أفعال خيرية أو استخدام شعاراتٍ توحي بالانحياز للمعوزين وحب الوطن، لذا الصور المتكرّرة من القهر بينها تناص، وحالة الغضب ضدها ليست بسيطة، فهي نتاج تراكم لأثر تلك الصور.
كما توضح الواقعة أيضا جانبا محزنا لأحوال قطاعاتٍ من المصريين، تدفعهم ظروفهم إلى الاصطفاف والتجمع في تلك المؤتمرات والحفلات، للحصول على مساعدات غذائية، تبعدهم عن الشعور بقسوة الجوع، أو أغطية تقيهم برد الشتاء. وهذه هي القضية الأساسية التي لا بد أن تشغل المصريين، وتدفع إلى نقاش موضوعي، ليس ساسه المناكفة السياسية، بقدر البحث عن حلول للأزمة، والرد على المقولات الرائجة إن الأزمة الاجتماعية في مصر يمكن حلها بالعمل الخيري وتقديم المساعدات. وهذا يعظّم أهمية طرح بدائل حقيقية لحل الأزمة ترتبط بالتوسع في التشغيل وبناء المصانع ودعم المزارعين، وإعادة توزيع عوائد النمو، ومحاربة الفساد وإهدار المال العام، والاهتمام بمظلة التأمين الاجتماعي لتحمي الفقراء من خطر السقوط، ودخولهم مشهدا أو كادرا في صورةٍ لا تحفظ كرامتهم. أما الذين يرون أن العمل الخيري وتقديم المساعدات على أهميتها التي لا أحد ينكرها حلا لأزمة ملايين من المصريين، فعليهم أن يسألوا أنفسهم لماذا يمارسون العمل السياسي إن لم يكن يقدّم حلولا لأزمة المجتمع، ولماذا يريدون السيطرة على السلطة أو البقاء فيها. وإذا كان تقديم المساعدات والعمل الخيري حلا لأزمة الملايين، أفليس أجدر لهم التفرغ له وتوزيع المساعدات والبطاطين.