تدليس روسي يراقص التدليس الأوربي والأمريكي علي الأرض الفلسطينية المغتصبة ..

حمدى عبد العزيز
2020 / 1 / 24

تابعت توافد الرؤساء والمسئولون الأوربيون علي الدولة الصهيونية وذلك من أجل الإحتفال بالذكري الخامسة والسبعين لاسقاط معسكر الهلوكست ، وهي ذكري سقوط معسكر أوشفيتز لاعتقال وإبادة اليهود في بولندا إبان فترة الحرب العالمية الثانية، فيما يعرف باسم اليوم العالمي لذكرى الهولوكوست ..
ذلك التوافد الذي تصدره الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ، والرئيس الفرنسي ماكرون إلي جانب الرئيس الألماني فرانك فالتر إشتاينماير ، ونائب الرئيس الأمريكي مايك بينز ..

ومن بديهيات الإنصاف الإنساني ألا يبادر أحد بنكران وقوع عمليات الهلوكوست أوعمليات الإبادة النازية (الأوربية) لآلاف اليهود في أوربا .. بل لايجب أن ينكر كل مطلع علي أحداث التاريخ الأوربي في القرن التاسع علي حوادث الإضطهاد الذائعة الصيت ، التي جرت لأبناء أوربا من اليهود سواء في الجزء الأوربي من الإمبراطورية الروسية أو في فرنسا أو غيرها من البلدان الأوربية ..

الحديث عن عمليات الإضطهاد الديني والعرقي في التاريخ مسألة يطول شرحها والتوغل في ثناياها ، وهي مسألة مرت بها كل البقاع البشرية من الشرق إلي الغرب ومن الشمال إلي الجنوب كل حسب ظروفه التاريخية ، غير أن مستهلكي فكرة المركزية الأوربية للحضارة والضمير الإنساني مقابل دونية الآخرين تحاول أن ترسخ لدينا أن الإضطهاد العرقي والإرهاب الديني هو إرث الشرق فقط في حين أن الغرب الملائكي النموذج لكل ماهو قيم إنسانية نبيلة هو البياض الذي لم تعكره ذرة من غبار ..

ليس هذا هو الموضوع
ولا اعتراض إذن علي إدانة الهلوكوست اليهودي ، وأي هولوكوست تاريخي ..

ولكن الإعتراض هنا علي أن يتم التدليس الروسي الأوربي الغربي علي علي جريمة استخدام الهلوكوست في تزوير التاريخ واغتصاب الحقوق المشروعة للشعوب ، وأن يذهب بوتن وماكرون والرئيس الألماني ، ومايك بينز نائب الرئيس الأمريكي ، وكل الوفود الدولية التي خطت علي منوال خطاهم إلي الأراضي الفلسطينية للإحتفاء بتخليد الهلوكوست ، بينما كل عمليات الهلوكست التي ارتكبتها جيوش النازي كانت في ألمانيا وبولندا وباقي دول أوربا التي اجتاحتها النازية الأوربية في أثناء الحرب العالمية الثانية ، ولم تقع أي منها أو إحداها علي الإطلاق في الأراضي الفلسطينية ، ولم تكن فلسطين المحتلة من قبل الإنجليز وقتها شريكاً من بعيد أو قريب في أي من هذه العمليات التي جرت علي أراض أوربية بأياد أوربية ضد مواطنين أوربيين ..

الإعتراض هنا هو التصرف كما لوكانت الأراضي الفلسطينية ملك أبدي الدولة الصهيونية ، وليست أرض مغتصبة لشعب لاجئ ومشرد ، وأن هذه الدولة هي دولة الإرث التاريخي كل يهودي بغض النظر عن أصله وجنسيته ، وبالتالي هي حق لليهودي فقط ، وعليه فقد أعطي هؤلاء المدلسون الحق للدولة الصهيونية في أن تحدد هي طريقة ومكان الإحتفاء بالهلوكوست اليهودي ، في ضرب لعرض الحائط بقيم ومبادئ الإخاء الإنساني والمدنية والعلمانية الأوربية ، وفي نفاق رخيص القيمة والمعني للنازيين الجدد الصهاينة الذين وضعوا قانون يهودية دولة إسرائيل ، بدلاً من أن يقف الضمير الأوربي بميراثي الثورة الفرنسية والثورة البلشفية في وجه ماتمثله ظاهرة الصهيونية من عداء لمبادئ الإخاء والتحرر الإنساني ..

كان ينبغي أن يتم هذا الإحياء للذكري في بولندا التي شهدت سقوط معسكر أوشيفيتز ، أو في ألمانيا التي شهدت معسكرات الإبادة التي وقعت ضد الألمان من أصحاب الديانة اليهودية إذا ماأراد الضمير الأوربي والعالمي أن يبحث عن رمز لعمليات الإضطهاد والتعذيب والإبادة التي تعرض لها اليهود من أبناء أوربا ، ووقتها يتوجب علي كل إنسان منصف للإنسانية أن يشارك في هذا الإحتفال وفي إحياء ذكري ذلك الهلوكست وكل هلوكوست يؤرق الضمير الإنساني ..


مافعله كل من الرؤساء الروسي والفرنسي والألماني وكذا كبار ممثلي دول أمريكا وأوربا وبعض المسئولين من الدول العربية يعد - من وجهة نظري المتواضعة كإنسان يحي علي هذه البسيطة - عملية تدليس كبري لأنهم لايقومون بإحياء تلك الذكري علي أرض وقوع الجرائم التي هي في حقيقة الأمر جرائم الرأسمالية الإستعمارية الأوربية التي يريدون التطهر منها أمام شعوبهم .. بل علي أرض أخري هي الأرض الفلسطينية المغتصبة من قبل العصابات الصهيونية التي شهدت هلوكوست من نوع مختلف تماماً أغمضوا - هم - عيونهم وضمائرهم المدلسة عنه ، ونسوا أن هذه الأرض هي التي شهدت مذابح العصابات الصهيونية ضد أبناء الشعب الفلسطيني كمذبحتي كفر قاسم ودير ياسين وغيرهما ..

كان يجب علي. بوتن وعلي ماكرون إذن وعلي كل رؤساء وملوك أوربا أن يحيوا ذكري الهلوكوست اليهودي في ألمانيا وبولندا علي أراضي الحدث إذا ماكانوا يرغبون في التطهر ممافعلت نازيوهم في اليهود آبان الحرب العالمية الثانية ، ولمزيد من التطهر العميق كان يمكن للسيد بوتن أن يقيم إحتفالاً بتخليد ذكري حالات الإضطهاد التي وقعت للروس اليهود في أراضي الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر ، وليذهب السيد ماكرون لإحياء ذكري الجندي ديروفوس ، وهكذا وعلي الضمير العالمي وقتها أن يصفق لهم ولإنصافهم المزعوم ..

أما ماحدث يوم الخميس الموافق 23 يناير 2020 فهو تدليس يكشف عن إزدواجية وفساد الضمير السياسي المهيمن علي أوربا ، وتغلب الإرث الإستعماري علي الوجه الحضاري الإنساني في العالم الأوربي والغربي بشكل عام ..

________________
24 يناير 2020