اليخاندرو خودوروسكي يستلهم سيرته الذاتية ويبني عليها عوالمه السحرية الحُلمية في فيلمه ( شعر أبدي)- Endless poetry

علي المسعود
2020 / 1 / 21

(السينما السريالية هو توجّه أو أسلوب سينمائي بدأ ظهوره في العقد الثاني من القرن العشرين بالتزامن مع ظهور الحركات التجريبية والطليعية في السينما والأدب والرسم وفنون أخرى. الأفكار العامة في السريالية هي الجنوح إلى ما فوق الواقعية ومحاولة الوصول إلى تداعيات اللاوعي، وذلك عبر صور صادمة وغريبة بدون وجود قصة أو سرد أو أبطال. وتظهر فيها الثورة على التقاليد السينمائية ، وواجهها عدد غير قليل من المشاهدين بالرفض والاشمئزاز في حين يعتبرها الكثيرون من أهم الأعمال السينمائية في التاريخ . ويعتبر فيلم كلب أندلسي للمخرج لويس بونويل والفنان سلفادور دالي أيقونة السينما السريالية. ويعتبر البعض أن مصطلح الأفلام السريالية مقصور فقط على الأفلام التي بدأت بعد إعلان أندريه بريتون بيان السريالية الأول في 1924 وحتى مطلع الثلاثينيات. في حين أن البعض يستخدم المصطلح بترجمة مباشرة لكلمة "سريالية" أي "فوق الواقع" لوصف الأفلام الفانتازية أو التي تحتوي على صورة وتكوينات غريبة مضمونًا وشكلاً )*1. تستخدم السريالية في السينما كصور للأحلام او لرسم صورة لخيال العقل الباطن بشكل خالي من القيود التي يفرضها المنطق و التقاليد الاجتماعية ، هذا ما تفعله السينما السوريالية ، وما يفعله أليخاندرو خودوروسكي في رائعتيه "رقصة الواقع" في عام 2013 و فيلم "شعر أبدي" 2016، وهو يستلهم من سيرته الذاتية كان يبني عليها عوالمه السحرية الحُلمية ، إن كانت مهمة تدمير الجمالية بالجمال سهلة فإن مهمة تصوير الواقع، ممثلًا بالسيرة الذاتية، بأدوات سوريالية ليست بهذه السهولة أو هكذا يبدو الأمر نظريًا أو قبل مشاهدة الفيلمين. جودورسكي آخر عباقرة سينمائيين ما زال يعبر عن الافكار الفلسفية محافظا على أصالة رأيه حتى مع استخدام تقنيات جديدة للخدع السينمائية و الافكار التي قام بالتعبير عنها في افلامه السابقة يؤكد عنها في المشاهد ذات مغزى كبير حتى و أن لم نفهمها لكننا سندرك لغته باعتبارها مشاهد سينمائية في قمة الفن كـ: الجنود مبتوري الاطراف، الاقزام ، البهلوان، رقص ازواج مختلفة… الخ، والرمزية هي كل شيء عندما يتعلق الأمر بنهج (اليخاندرو جودورسكي) في صناعة الأفلام، فكل شيءٍ مجازي وقائم على الاستعارة لدرجة أنّ الخلاصة تصبح واضحة ومتماسكة تماماً للجماهير، إنّه لا يقوم بصنع الأفلام لنا، ولكنه يصنعها كي يتغذى عليها عقلنا الباطن. اليخاندرو جودورسكي من عائلة اوكرانية يهودية الاصل تعيش في تشيلي تملك محل لخياطة وبيع الملابس ، قام جودورسكي بتوظيف ممثلان شبيهان له في الملامح وقريبان منه وهم بالطبع ابناءه كالولد الذي قام بدوره بصفة جودورسكي الصغير، والممثل الآخر يمثل والده، يدعى" برونتس جودورسكي" في دور خايمي، فجودورسكي لا يركز على فقط على رؤيته وهو صغير فحسب بل اكثر ما ورد في الفيلم حياته والده (خايمي) بصفته إنسان مناضل يحب وطنه بلا مقابل قد دافع عن الافكار الشيوعية وقام بحماية رئيس القوات التشيلي, اما من قامت بدور والدة جودورسكي فهي مغنية اوبرا شهيرة تدعى ” باميلا فلوريس “، والتي لم تتحدث سوى لغة غناء اوبرا. الافكار الوطنية لم تخدم الوالد خايمي، في وقت لاحق يضطر لمغادرة الاسرة اشبه برحيل اوديسيا، وقد ذاق طعم الالم اثناء الرحيل، وينتهي به المطاف على يد النازية ثم استطاع أن يفر منهم ويبقى لدى نجار عجوز علمه الحرفة رغم إن خايمي يفقد سيطرة على استخدام يداه بسبب حادثة محاولة قتل الخيل الابيض بموت رحيم. جودورسكي مر بطفولة قاسية لم يذق طعم السعادة ، راى الكثير من الاهوال خلال سنين طفولته ، على ما يظهر انه كان يميل إلى الرقة وطيبة القلب ويصرف اهتماماته نحو القراءة والتأمل بعكس ما يرغب والده في تربية ابنه ليصبح رجل يتحلى بصفات خشنة غير مؤمن بالرب والاديان السماوية ونبذ اعتناق الاديان السماوية وبدلا من ذلك إن يزرع الافكار الشيوعية في ذهنه، حوّل الألم والعذاب جودورسكي الصغير إلى إنسان منظر بعدما رأى وتعلم من الحياة القاسية ، أليخاندرو خودوروفسكي مع اقترابه من عقده التاسع ياخذنا برحلةٍ معه وهومسافراً عبر ماضيه في رحلةٍ سينمائيةٍ ممتعة يعرضها في ثلاثيةٍ من الأفلام التي ترصُدُ سيرة حياته الحافلة كفنانٍ متعدد المواهب عُرِفَ بمشاكسته وسباحته عكس التيار. كان أول أفلام الثلاثية فيلمٌ بعنوان "رقصةُ الواقع" في عام 2013، تناول خودوروفسكي من خلاله ذكريات طفولته في قريته التشيلية توكوبيا وحياته فيها وذلك في مشاهد عميقة تتناوب ما بين الواقع والخيال وتعرض لعلاقة أليخاندرو المتخبطة بوالديه ذوي الأصول اليهودية الأوكرانية المهاجرة حيث يعيشون في قرية توكوبیا التي يتّخذها خودوروفسكي موقعاً لتصوير معظم مشاهد الفيلم، أمّا ثاني أفلام الثلاثية فهو فيلم "شِعر بلا نهاية" في عام 2017 . ويرصد فترة شباب خودوروفسكي ومغادرته بيت أهله في قرية توكوبيا قاصداً العاصمة التشيلية سانتياغو لينخرط في نمط حياةٍ بوهيمي وينغمس في عوالم الشعر والمسرح والفن قبل أن ينتقل بشكلٍ نهائي إلى باريس في خمسينيات القرن العشرين في مشهد وداعٍ ثريّ بعاطفته وفنّيته العالية يستعيد خودوروفسكي من خلاله لقاءه الأخير بأبيه الذي تحوّل من شيوعيّ شرس إلى مجرّد حانوتيّ عنيد لا يتردّد في اضطهاد وإهانة كلّ من تطاوله يده. نطالعُ تلك التحولات الثقافية والأيديولوجية والسياسية العاصفة التي مرّت بها أجيال الخمسينيّات. ثمّة أيضاً تلك الأم التي تؤدّي دورها باميلا فلوريز والتي تواصل التحدّث عبر الغناء الأوبرالي طيلةَ الفيلم ( وكما في الجزء الأول من الثلاثية) وكأنَّ خودوروفسكي يطرحها كنقيضٍ لشخصية الأب الصارمة وكملاذٍ يلجأ إليه الفتى الذي "يحبّ الشعر ويقرأ لوركا" على عكس ما يريد أبوه الذي يبدو مُجرّداً من العواطف . السينما بشكل عام آلة زمن تسمح لنا بالعودة إلى الماضي وتصحيح مساره في الوقت الذي تسرد فيه وقائعه وهذا ما يفعله خودوروسكي في الفيلمين، يعود في “رقصة الواقع” إلى طفولته ليصور معاناته الشخصية في وسطين أُسري واجتماعي, كطفل لأب شيوعي صارم يفرض مبادئه الصارمة وتربيته القاسية عليه, وأم مُحبة لكن ضعيفة, ونكتشف في الأخير أن الشجاعة والقوة التي يحاول الأب زرعها في ابنه كان يفتقر إليها هو شخصيًا. ثم معاناته كطفل يهودي من أصول أوكرانية يعيش وسط مجتمع شيلي كاره لليهود، هذا الواقع المؤلم الذي عاشه الطفل خودوروسكي يتحول على يده كمخرج إلى تحفة فنية راقصة حافلة بالألوان، يستكمل خودوروسكي مسيرته كمراهق ثم كشاب في الجزء الثاني في فيلم “شعر أبدي”. وبعد أن كان في طفولته يحاول جاهدًا إرضاء أبيه نجده في الجزء الثاني مراهقًا يتمرد على إملاءات والده. يريده أبوه أن يدرس البيولوجيا لكنه يتمرد ويقرر أن يكون شاعرًا. يعود خودوروسكي إلى تلك السنوات الحاسمة في شبابه ، السنوات التي حددت المبدأ الذي من شأنه أن يحكم حياته كلها: الشعر، والشعر الذي استهل به خودوروسكي جزأه الأول لا ينتهي بانتهاء الجزء الثاني؛ لأننا إزاء "شعر أبدي". أندريه بروتون في البيان السوريالي الأول قال: السوريالية هي الآلية النفسية المحضة التي يقصد المرء أن يعبر عن طريقها عن عمل الفكر الحقيقي، وما يمليه الخاطر في غياب أية رقابة يمارسها العقل، وخارج أي اهتمام جمالي أو أخلاقي. وهذا ما يحققه خودوروسكي في فيلميه ، التداعيات اللاعقلانية التي نشاهدها في الفيلمين تُشكل السلاح السوريالي الأساسي لإحداث الصدمة. تحدث هذه الصدمة عن طريق تحريف الواقع أو تشويهه بفصل الأشياء عن محيطها المألوف وتحويلها إلى موضوعات سوريالية، يريد خودوروسكي أن يتحرر من أغلال ماضيه لا أن يعرف ذلك الماضي أو يعيد تصويره. إنه يمارس فعل التحرر من قيود الواقع ومن قوانين المجتمع والعائلة والدولة وهذا الفعل يمثل "الإمكانية اللامتناهية للخلاص بواسطة الحلم والحب والرغبة"!. وكعادة السوريالية في تحطيم الحبكة والسرد التقليدي يتضمن هذان الفيلمان تلميحات وإشارات ومشاهد وأصداء من سيرة المخرج الذاتية ليشكل في الأخير عالمًا سورياليا مجنونًا لا يخلو من الواقعية. إن القصة تتشكل في الأخير في ذهن المتلقي لكن على نحو غير تقليدي, وما تحسبه فوضى سردية هو في الواقع وبعد أن تُمعن جيدًا فوضى سوريالية شعرية خلَّاقة . يُعبر أليخاندرو في النصف الأول من الفيلم عن مرحلة طفولته المتخبطة وعلاقته بأبية وامه ، وهنا معنى التعبير مبني على مزج الواقع وهو السيرة الذاتية بالخيال، وهو هنا له بعد نفسي وفلسفي داخل إطار درامي، وتعكس الألوان المستخدمة في بعض المشاهد البعد الدرامي والنفسي واحيانا أخرى تعكس الرؤية الخيالية . في النصف الاول من الفيلم تؤثر جوانب شخصيه الاب خايمي من انتمائه السياسي ومعتقده الديني وفكره الجنسي على ابنه وزوجته فشخصية الاب المنتمي للشيوعية والمتأثر بستالين بالإضافة لقوته وقسوته التي تظهر في معاملته للعامة ولزوجته وبشكل خاص لابنه فهو يريده بصوره معينه ويضعه في عده اختبارات للوصول لهذه الصورة التي بمخيلته ليصبح شخصيه قوية. وهو يعامل زوجته معاملة سيئة غيرادميه بجانب إيحاءاته الجسدية واللفظية الجنسية الفجة. أما الأم فهي الحالمة التي تتحدث في كامل حوارها بالفيلم بالغناء بشكل اوبرالي بطريقة ساحرة وخيالية متماشية مع افكارها ومعتقداتها الروحانية، وهنا تظهر فلسفه المخرج للشخصية انها واقعيه كأم ولكن بفكره هو ورؤيته الخيالية للشخصية، فهي مع حبها لابنها وزوجها على الرغم من معاملته السيئة لها فهي الزوجة المقهورة التي لا تعرف كيف تدافع عن نفسها او عن ابنها فيظهر أليخاندرو خودوروفسكي في الفيلم وهو في سنه الحالي بجانب نفسه وهو طفل في الفيلم في لحظات مهمه نفسية ومعنوية فهو لم يجد احدا يقف بجانبه في تلك اللحظات فقرر ان يقف هو بجانب نفسه. وفي احد المشاهد وعند ذهابه للبحر لكي يُخرج غضبه الداخلي عندما وصفه ابيه بالشاذ برمي الأحجار في البحر تظهر له ملكه الكؤوس وتنهاه عن فعل ذلك ليجد البحر قد القى بكميات كبيرة من سمك السردين على الشاطئ وتأتي كميات كبيرة من طيور النورس لتأكلها ثم يأتي الناس يهاجمون الطيور لأخذ السمك ويظهر أليخاندرو خودوروفسكي وهو في سنه الحالي مع نفسة وهو صغير ويدور حوار نفسي، (( شعرت بالحيرة هل عليَ أن أتعذب بغم السردين أم أسعد لبهجة النوارس؟)). و في مشهد وقوفه مع اليخاندرو وهو صغير يحاول الانتحار من فوق الصخور على البحر ومحاولة منعه من خلال الحوار النفسي ايضا مع استخدام اللونين الازرق والابيض وزاويه الكاميرا لاندماجهم مع السماء كأنهم طيور محلقه بأرواحهم ، ربط الأجزاء الخيالية بالواقع من خلال تسلسل الاحداث تمت بشكل سلس ومعبر وجيد وايضا التعبير النفسي الظاهروغير الظاهر داخل أليخاندرو الطفل واخراجه من خلال أليخاندرو وهو في سنه الحالي. الجزء الثاني من الفيلم يصور رحلة خايمي التي تتبدد بها افكاره السياسية والدينية و تُحول شخصيته ويرى خلالها ما يغير تفكيره بالتدريج فهي في بدايتها عكس نهايتها. يذهب خايمي لقتل الرئيس التشيلي كارلوس إيبانيز لإنه يراه ديكتاتورا لتظهر ازدواجية خايمي فأفعاله افعال ديكتاتور وفي نفس الوقت يكره كارلوس إيبانيز الديكتاتور. وكان الهدف من اغتياله تمهيد في النصف الاول من الفيلم وفجر لحظه القيام بقتلة بعد اصابة خايمي بالطاعون وكان على وشك الموت فأحس بما يعاني به المجموعة المصابة بالطاعون المهملين والمنبوذين حتى الماء لا يقدرون على الحصول عليه فذهب اليهم بالماء وتمت العدوى. وهنا كان للألوان دور فملابس المصابين بالطاعون والشمسيات التي يحملونها ولون الارض التي كانوا يقفون عليها امام البحر وملابس خايمي جميعها في لون واحد فهي بشكل رمزي، لون الموت فالمصابون بالطاعون اموات لا محاله بطبيعة الحال في وقتها، وايضا خايمي توفي كتفكير واعتقادات بشكل مبدئي عندما بدل ملابسه مع عامل الاسطبل وقام بدفنه ووضع له شاربا وكأن تلك البذلة لابد لها من الشارب فهو شارب الديكتاتورية مثل ستالين و كارلوس إيبانيز. ومن بعدها بدأ عقله الباطن بالتحرك نحو وعيه فيحدث نفسة عند نومه ليقول عن كارلوس إن جرائمه ليست نتيجة نفس آثمة بل بسبب كرمه المغمور ليستيقظ ويعنف نفسه فهو مازال يقاوم افكاره وعند محاوله اغتياله كارلوس تصب يده بالشلل. يأتي بعد ذلك بشكل متزامن من خلال تتابع الأحداث تعامل الام مع اليخاندرو دون وجود الاب فاليخاندرو يواجه بعض المشاكل فتقوم والدته بحلها بأسلوب به سلام روحي ونفسي وبشكل ساحر وخيالي تركت تأثيراً واضحاً على شخصية أليخاندرو، ومن ثم يتوقف ظهور أليخاندرو وهو في عمره الحالي لحظة ليرى ان والدته تقف بجانبه وهو طفل؟. ومن خلال تلك الاحداث تمر الايام على خايمي ليظهر بلحية وبشعر طويل يشبه المسيح وعلم تشيلي مطلي على ذراعيه وبِحاله يرثى لها، وفي هذا المشهد يتضح انه مع مرور الزمن قد فقد الذاكرة ثم عادت اليه وكأنه ولد من جديد ولكن مازالت يده مشلولة؟. يقوده القدر نحو مواقف واحداث تقوم بشكل تفسي بتطهيره فيذهب بالصدفة للعمل نجار يقوم بمساعدتة في محنتة ويتعلم منه دروسا انسانيه من خلال الدين ثم يذهب معه الى الكنيسة للتبرع لها بكراسي قاموا بصنعها ويحضر مراسم دينيه ويشارك بها بصدق روحاني كأنه تطهير لروحه من الحاده، وبعد ذلك يقع خايمي في يد جماعة نازية موالية للرئيس كارلوس إيبانيز ويتم القبض عليه وتعذيبه بقسوة وعنف وكأنه تطهير لشخصيتة العنيفة القاسية. وبعد معاناته يتم تهريبه الى بلدته بعد تنازل الرئيس عن الحكم ويعود لمنزله وللمرة الثانية تعالجه زوجته بشكل نفسي و هذه المرة من شلل يده عن طريق تخليصة وبشكل نهائي من افكاره السابقة ليظهر بعد ذلك بملابس غير التي اعتادها ، وهو يحتضن زوجته بشكل رومانسي ومعهما اليخاندرو ليحل السلام الداخلي لجميع الشخصيات المتخبطة التي تعاني ويُستكمل تكوين شخصية اليخاندرو بشكل جديد. ينهي أليخاندرو خودوروفسكي الفيلم بمشهد يظهر به وهو في سنة الحالي وفي نهايتة يقف خلف الشخصية التي ترتدي الهيكل العظمي باللون الأبيض والأسود التي ترمز للموت امام اليخاندرو وهو صغير بملابس رجل الإطفاء حين حلم بالموت وبجانبه شخصيات الفيلم باللون الأبيض والأسو، ويقف من خلفهم الشخصيات الرمزية فالرمزيه بالنسبه له تُكمل رؤيته. ثمّةَ مسحةٌ سورياليةٌ طاغية على الفيلم، إلاّ أنَّ خودوروفسكي يحرص على كسرِ إيقاعها بين الفينة والأخرى مُبقياً على تداخلٍ شبه متناوب بين الواقع والخيال. هنالك ما يذكّر بأسلوب المخرج الإيطالي فيلّيني وحيويّته واختياراته اللونية، حتى الشخصيات، المهرّجون على وجه التحديد، تذكّر غالبيّتها بأفلام فيلّيني بحسب ما يرى عديد من النقاد السينمائيين (وبحسب ما يلحظه من شاهد بعض أفلام فيليني). هنالك أيضاً تلك المشهدية المتلاحقة من العبثية إذ يبدو كلّ مشهدٍ -على الرغم من واقعيته المفرطة أحياناً- أكثر عبثيّةً من سابقه. ومع أنّ الفيلم يتحدّث عن الشعر كما يشير عنوانه، غير أننا بالكاد نلمحُ شعراً يُلقى أو يُقرأ، إذ يبدو خيار خودوروفسكي الذكي هو دمجُ الواقع بالشعر، أن تحيا الحياة بوصفها شِعراً. ذلك ما يورده على لسان أحد الشخصيات وهو الشاعر إنريكي صديق أليخاندرو الشاب حين يقول له: "الشعر مثلَ ظلِّ نسرٍ يطير دون أن يترُك أثراً على الأرض". بيدَ أنَّ القول لا ينسحب على هذا الفيلم المدهش الذي يُخلّف أثره في النفس من خلال واقعيةٍ سحريةٍ واعية ومحرّك سرديّ متّزن، إذ نلحظُ تلك الدوافع التقليدية لدى الفتى الذي يرغب في الخروج إلى العالم واختباره بنفسه بدءاً بالجنس ومروراً بالرغبة في قتل الأب في سبيل تحقيق الذات، ذلك الأب الذي لا يتوقّف عن نعتِ الابن بالغِرّ ليقع ما هو أسوأ في نظر الأب حين يصبِحُ الولد شاعرا،ً وعن السوريالية، يقول خودوروفسكي: "في هذا الفيلم، تبدو السوريالية مثل (الحُلم) فالشخصيات هي أنا وعائلتي وأبنائي. كلّ مكانٍ تشاهدونه في الفيلم هو مكان حقيقي جرى فيه الحدث الذي أتناوله أعني جرى في حياتي. لقد سافرت إلى تشيلي لأذهب إلى الشارع الذي كنت أعيش وأكابِد فيه ، متجر أبي والبيت الذي عشت فيه، كلها حقيقية". خودوروفسكي ليس فقط مخرجا سينمائيا، بل قد أسس (مع الكاتب السوريالي فرناندو أرابال) حركة مسرحية في الستينات عرفت باسم حركة مسرح البانيك نسبة إلى إله إغريقي يدعى “بان"، وكانت عروض هذه الفرقة أو الحركة ، تتميز بالعنف والعري وإلقاء الدجاجات الحية من فوق خشبة المسرح على الجمهور، والصراخ الهستيري، وغير ذلك من الحركات التي تعبر عن الغضب كما تتيح للممثل الفرصة لإخراج طاقة العنف الكامنة في داخله.يقول خودوروفسكي في إحدى المقابلات التي أُجرِيت معه مؤخراً: "لقد هجَرتُ هوليوود ، لا أريد أن أصنع أفلاماً لكسب المال ، بل على العكس من ذلك ، سوف أصنع أفلاماً لأبدّد المال ، تلك هي ثورتي". ومن اللافت أنّ إنتاج الفيلم لم يكلّف أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار، وقد استطاع تأمين ميزانيته عبر التبرّعات الإلكترونية في حملةٍ أطلقها المخرج وساهم فيها نحو 5000 متبرّع، كذلك فإنّ معظم أفراد طاقم العمل ساهموا فيه بدون مقابل مادي ومن بينهم أبناؤه (أدان وبرونتس) وحفيده جيرمياس خودوروفسكي الذي كان قد لعِب دور أليخاندرو الطفل في الفيلم الأول ثم عاد ليمثّل دور أليخاندرو المراهق في الفيلم الأخير بأداء وموهبة ساحِرَين ، وقام بدور أليخاندرو الشاب ابنه الموسيقي آدان خودوروفسكي فيما لعِب ابنه الأكبر برونتس دور الأب. وعن اختياره لطاقم أعماله ، يقول خودوروفسكي: أنا لا أبحث عن النجوم، بل أبحث عن أولئك الذين يعملون لصناعة الفن ، ولعلكم تلاحظون أنّ شخصيات أفلامي هي شخصيات من الواقع ، ربما تتساءلون أهذا ممثل أم شخصية واقعية؟ فحين تكون الشخصية شخصية شاعر، أبحث عن شاعر حقيقي وآتي به إلى الفيلم، ذلك ما فعلته مع شخصية الشاعر أدونيس مثلاً". وفعلا لاول مرة يظهر الشاعر العربي ادونيس ممثلا في مشهد قصير ، وفي أحد اللقاءات الصحفية وفي رده على السؤال : " لمَ أسندتَ دوراً صغيراً لأدونيس في الفيلم؟ أجاب اليخاندرو " (أعتبره شاعراً كبيراً من العالم العربي أعرفه، فعرضتُ عليه أن يضطلع بدور رجل من عمري يعاني مشكلة غرامية. قلت له انني لا أريد أن الجأ إلى ممثل، لأن الممثل لن يستطيع ايجاد هذا الشعور. لم يكن متحمساً في البداية بحجة انه ليس ممثلاً. كنت مصراً أنني أريد شاعراً لهذا الدور. في الآخر، فعلها")*2.
ينتصرُ خودوروفسكي لفكرةِ العمل الإنساني المشترك خارج إطار مؤسسات الهيمنة الكُبرى كما في حالةِ هوليوود التي تصنع فنّاً "يبعثُ على السّقم" على حدّ تعبيره وهو المولع بفكرة إنتاج "فنٍّ يُشفي الروح"، سوف أصنع أفلاماً حتى بدونِ المال، فدوماً ما أعثر على شخصٍ يكون على استعدادٍ لخسارة المال مقابل الحصول على عملٍ فنيّ حقيقي، يقول خودوروفسكي. أفلام خودوروفسكي رحلة روحانية شيقة، تعكس ولعه بالبحث الشاق عن اليقين ولو من خلال الشك، ورغبته العميقة في التحرر من قيود الجسد وعذاباته، وهو ما لا يتحقق ربما سوى بالموت ، لكن خودوروفسكي يؤكد لنا أنه سيعيش حتى يبلغ 130 عاما. خودوروفسكي من رموز الثقافة المضادة منذ السبعينات ، وأفلامه لم تشبع من معالجته نفسياً ومصالحته مع ماضيه ، وخصوصاً مع والده الذي يصفه بـ"الوحش". تخلى عن عائلته عندما كان شاباً ولم يرَ ايّاً من أفرادها مجدداً، إلى درجة ان "رقصة الواقع" بدا اعادة اعتبار إليها، هدفه ضخ بعض الانسانية إلى شخصية والده. وبالنسبة إلى مأزقه مع العائلة والطفولة، فقد تطلّب الأمر حوالى سبعين عاماً لكي يسوّيه ويتخلّص منه في سيرة ذاتيّة بدأها بشكل مباشر مع فيلميه الأخيرين «رقصة الواقع» (2013) ثم «شعر لا ينتهي» (2015). أثناء تصوير الشريط الأخير، أسرّ خودوروفسكي لفريقه بأن ما يفعله ليس فيلماً، بل علاج له. هكذا وضع والده على الشاشة لكيّ يتقبّله أخيراً. أنسَنة (الوحش) ـ على حد تعبيره ــ الذي سخر دائماً من أحلامه الفنية وطارد كتبه الشعرية كما تُطارد الجرذان. حقق خودوروفسكي حلم أمّه سارة بأن تصبح مغنية أوبرا. وعن علاقته بالشعر أجاب خودوروفسكي حققه لها في «رقصة الواقع»، جاعلاً منها شخصيّة صوتية تجري حواراتها بالغناء الأوبرالي. ابنه يؤدّي دور والده الستاليني. الطفل في الفيلم يخاف العتمة ، فيدهن جسده بالأسود. ذات مرة، صرّح لأحدى الصحف عن علاقته بالشعر حينها قال خودوروفسكي ": تشيلي، لا حرب لأننا بعيدون ومنفصلون عن العالم: لا يوجد تلفزيون ، جبال ، محيط ، سلام!، كان سلمي جدا. كانت جميلة. ثم حدثت معجزة: جاء الشعر إلى البلاد، بدأ الشعراء الكبار في كتابة قصائد رائعة ورائعة. اثنان منهم حاصلان على جائزة نوبل ، بابلو نيرودا ، وغابرييلا ميسترال - أبونا وأمنا ، وبعد ذلك ، كان كل شيء الشعر. كنا نعيش فترة المراهقة في هذا الوضع: الشعر في كل مكان. وبدأنا في البحث عن "الفعل الشعري". لأنه كيف كان العيش مع الجمال. كيف كان للعيش في العقل: مجانا! في القلب: في الاتحاد مع العالم. في الجنس: في الإبداع الكامل.كيف تقوم بعمل شاعري من أجل اكتشاف جمال الحياة. في ذلك الوقت ، كان الشعر هناك. كان الإنسان هناك. كان لدينا حب كان لدينا فنانين ، اكتشفنا جميع أنواع الفن!، وهذا اختفى فجأة. عندما كان عمري 24 عامًا حين غادرت هذه الجنة ، وذهبت إلى أوروبا حيث العالم هو الوهم أو الوهم ، وتابع يقول مضحا اختياره لعنوان سيرته الذاتية ( بالشعر اللانهائي ): " أريد أن أوضح ماهية الجنة الروحية: شاب ، يبحث عن جمال الشعر. هذا هو كل ما أريد. أريد أن أعرب ... كيف أقولها باللغة الإنجليزية؟ ... كيف أجد نفسي مضطراً إلى هذا الماضي ... لأنني كنت أعرف كيف كانت تعيش في الشعر. كنت أعرف ذلك. وأريد أن أظهر للعالم أنه ممكن. من الممكن أن تتذكر نفسك. من الممكن أن تفتح عقلك. من الممكن أن تفتح قلبك. من الممكن أن تفتح إبداعك. للعيش مع أقل ، ولكن للعيش بشكل جيد. حسنا. هذا ما اريده شعر بلا نهاية . شعر لا نهاية له. هذا هو ما سأفعله، والشعر سلاح السوريالية الأول ورديف اللاوعي إتخذه السورياليون السلاح الأسمى للفتح والمعرفة بعد أن فشلت العقلانية والواقعية في تحقيق شيء ما. وحده الشعر واللاوعي قادران على تحرير الغريزة والطاقات الكامنة تحت الوعي . الشاعر أو الفنان ، هو الرائي أو العرَّاف الذي يمتلك خاصيات سحرية عصية على الإمساك بها وفهمها فهمًا كاملًا من قبله أو من قبل المتلقي".

علي المسعود

هوامش:
*1. من موقع ( ويكيبيديا)،
*2. لقاء صحفي مع المخرج و الكاتب ( اليخاندرو خودوروفسكي)- هوفيك حبشيان
المصدر: "النهار" 25 حزيران 2016