الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة -إستراتيجيا... ثورة فعليّة

شادي الشماوي
2020 / 1 / 20

الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة
-إستراتيجيا... ثورة فعليّة ( مقتطف 2 من الفصل الثاني من كتاب بوب أفاكيان
" إختراقات
الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعية الجديدة
خلاصة أساسيّة " )

الماويّة : نظريّة و ممارسة
عدد 35 / نوفمبر 2019
شادي الشماوي
إختراقات
الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعية الجديدة
خلاصة أساسيّة
تأليف بوب أفاكيان
[ ملاحظة : الكتاب بنسخة بى دى أف متوفّر للتنزيل من مكتبة الحوار المتمدّن ]
تمهيد من المترجم :
نضع بين أيدى القرّاء باللغة العربيّة كتاب في منتهى الأهمّية ألّفه بوب أفاكيان رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة الشهير بمهندس الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة ، ففيه يشرح بدقّة و بشيء من التفصيل الإضافات التي ساهمت بها الشيوعية الجديدة في تطوير علم الشيوعية اليوم الذى لا مناص من التسلّح به إن رمنا تفسير العالم تفسيرا علميّا و تغييره تغييرا ثوريّا من وجهة نظر البروليتاريا الثوريّة و مهمّتها التاريخيّة : تحرير الإنسانيّة من كافة ألوان الإضطهاد و الإستغلال و تحقيق المجتمع الشيوعي العالمي .
و قد أسالت الشيوعية الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان الكثير من الحبر بين مناصر و معارض و قد وثّقنا في كتبنا السابقة عددا لا بأس به من نصوص هذه الجدالات صلب الحركة الشيوعية العالمية ؛ و بهذا الكتاب الجديد ، نتطلّع إلى دفع مزيد النقاش الجدّي ، العميق و الشامل لهذه الشيوعية الجديدة التي تطرح نفسها تجاوزا إيجابيّا ، نظريّا و عمليّا لمفترق الطرق الذى توجد به الحركة الشيوعية منذ مدّة الآن .
و لمن لم يطّلع / لم تطّلع بعدُ على النقاشات حول الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة ، نذكرّ بتعريف مقتضب لها صاغه بوب أفاكيان ذاته : " تعنى الخلاصة الجديدة إعادة تشكيل و إعادة تركيب الجوانب الإيجابية لتجربة الحركة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي إلى الآن ، بينما يتمّ التعلّم من الجوانب السلبية لهذه التجربة بابعادها الفلسفية والإيديولوجية و كذلك السياسية ، لأجل التوصّل إلى توجه و منهج و مقاربة علميين متجذّرين بصورة أعمق و أصلب فى علاقة ليس فقط بالقيام بالثورة و إفتكاك السلطة لكن ثمّ ، نعم ، تلبية الحاجيات المادية للمجتمع و حاجيات جماهير الشعب ، بطريقة متزايدة الإتساع ، فى المجتمع الإشتراكي – متجاوزة ندب الماضى ومواصلة بعمق التغيير الثوري للمجتمع ، بينما فى نفس الوقت ندعم بنشاط النضال الثوري عبر العالم و نعمل على أساس الإقرار بأن المجال العالمي و النضال العالمي هما الأكثر جوهرية و أهمّية ، بالمعنى العام – معا مع فتح نوعي لمزيد المجال للتعبير عن الحاجيات الفكرية و الثقافية للناس ، مفهوما بصورة واسعة ، و مخوّلين سيرورة أكثر تنوّعا و غنى للإكتشاف و التجريب فى مجالات العلم و الفنّ و الثقافة و الحياة الفكرية بصفة عامة ، مع مدى متزايد لنزاع مختلف الأفكار و المدارس الفكرية و المبادرة و الخلق الفرديين و حماية الحقوق الفردية ، بما فى ذلك مجال للأفراد ليتفاعلوا فى " مجتمع مدني " مستقلّ عن الدولة – كلّ هذا ضمن إطار شامل من التعاون و الجماعية و فى نفس الوقت الذى تكون فيه سلطة الدولة ممسوكة و متطوّرة أكثر كسلطة دولة ثورية تخدم مصالح الثورة البروليتارية ، فى بلد معيّن وعالميا و الدولة عنصر محوري ، فى الإقتصاد و فى التوجّه العام للمجتمع ، بينما الدولة ذاتها يتمّ بإستمرار تغييرها إلى شيئ مغاير راديكاليا عن الدول السابقة ، كجزء حيوي من التقدّم نحو القضاء النهائي على الدولة ببلوغ الشيوعية على النطاق العالمي. ( القيام بالثورة و تحرير الإنسانية ، الجزء الأوّل ، جريدة " الثورة " عدد 112، 16 ديسمبر 2007 ).
و محتويات الكتاب هي ، عقب المقدّمة التفسيريّة المقتضبة للمؤلّف ،
كارل ماركس : لأوّل مرّة في التاريخ ، مقاربة و تحليل علميّين جوهريّا لتطوّر المجتمع الإنساني و آفاق تحرير - I الإنسانيّة
الإختراق المحقّق بفضل الماركسيّة -
- الماركسيّة كعلم – المادية الجدليّة ، لا المثالية الميتافيزيقيّة
- الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة II
- العلم
- إستراتيجيا ... ثورة فعليّة
- القيادة
- مجتمع جديد راديكاليّا على طريق التحرير الحقيقي
+ هوامش
[ ملاحق الكتاب - 3 - ( من إقتراح المترجم ) ]
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
II – الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة
هنا أودّ أن أتناول بالحديث ما أنجزتُه كشيء جديد ، بناءا على ما أحدثه ماركس من إختراق و على مجمل المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي ، ماضيا أبعد من ذلك في جوانب هامة .
في " بوب أفاكيان – السيرة الذاتيّة الرسميّة " يجرى التأكيد على أنّ الخلاصة الجديدة للشيوعية ( المشار إليها كذلك بالشيوعية الجديدة ) " إستمرار لكنّها تمثّل أيضا قفزة نوعيّة تجاوزت و في بعض الجوانب الهامة قطعت مع " " النظريّة الشيوعية كما تطوّرت قبلا " ( 24). و تذكر هذه السيرة الذاتيّة الرسميّة أوّل الستّة القرارات الصادرة عن اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية حول المسألة الحيويّة حيث أعربت عن أنّ الخلاصة الجديدة :
" تمثّل و تجسّد حلاّ نوعيّا للتناقض الحيوي الذى وُجد صلب الشيوعية فى تطوّرها إلى هذه اللحظة ، بين منهجها و مقاربتها العلميّين جوهريّا من جهة و مظاهر من الشيوعية مضت ضد ذلك ." (25) [ التشديد في النصّ الأصلي ]
قبل عدّة سنوات من الآن ، في " كسب العالم ؟... " (26) ، في بدايات ثمانينات القرن العشرين ، و في غيره من الأعمال الأخرى مذّاك ، تعمّقت كثيرا في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية و المجتمع الإشتراكي ، منذ زمن ماركس ( و إنجلز ) ، و تحدّثت عن واقع أنّ ماركس و إنجلز كانا يملكان نظرة ثاقبة إلى أقصى حدّ ، و في عديد الطرق و بالمعنى الجوهري ، كانا ، في الآن نفسه ، و ليس هذا مفاجئا ، محدودين و حتّى بأشكال معيّنة ساذجين ، في بعض الجوانب الثانوية على دلالتها - و هذا إن أعملتم فيه الفكر ، صحيح بشأن جميع المقاربات و المناهج العلميّة ، في تعارض مع النظرات الميتافيزيقيّة كالدين . و متحدّثا عن النظرات الميتافيزيقيّة و الدينيّة ، عندما نُشر أوّل ما نُشر " كسب العالم ؟... " ، وُجد البعض داخل الحركة الشيوعية العالمية الذين قالوا إنّ هذا يقدّم الشيوعيّة كراية ممزّقة ؛ و وُجد حتّى موقف أنّ الحديث ليس عن الأخطاء فحسب التي إقترفت و إنّما أيضا عن بعض المشاكل في جزء من مفاهيم و مقاربات القادة العظام الحقيقيين للحركة الشيوعية بمن فيهم مؤسّساها ، ماركس و إنجلز ، نوعا من الممنوعات - كان يتمّ التعاطى معه كأنّه كفر . حسنا ، هذا الصنف من المواقف و المقاربات يمضى تماما ضد ، و كان سيلقى الإشمئزاز من ماركس و إنجلز أنفسهما ، قبل أي شخص آخر . و على أيّة حال ، وُجدت الموجة الأولى من الثورة الشيوعية و أدّت إلى التجربة الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي ( من 1917 إلى أواسط خمسينات القرن العشرين ) ثمّ في الصين ( من 1949 إلى 1976 ) و التي وقع الإنقلاب عليها مع صعود القوى البرجوازية إلى السلطة و إعادة تركيز الرأسماليّة ، أوّلا في الإتّحاد السوفياتي و تاليا في الصين عقب وفاة ماو تسى تونغ سنة 1976 . و تحتاج هذه الموجة الأولى من الثورة الشيوعية و التجربة الإشتراكية إلى التعلّم منها بعمق ، بيد أنّنا نحتاج التعلّم منها بتوجّه علمي و منهج و مقاربة نقديّين ، في تعارض مع التوجّه و المنهج و المقاربة الدينيّين . وهذا بالذات ما شرعت في القيام به في " كسب العالم ؟... " و واصلت القيام به في أعمال متنوّعة مذّاك . فكان هذا هو المكوّن الأكبر و قوّة الدفع الأكبر في تطوير الشيوعية الجديدة .
و التعبير المكثّف للكثير من الجديد في الشيوعية الجديدة متوفّر في " الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة – خطوط عريضة ". و هنا سأتطرّق لبعض أساسيّات ذلك مستخدما كتاب " الشيوعية الجديدة " – عنوانه الكامل هو " الشيوعية الجديدة ، علم و إستراتيجيا و قيادة ثورة فعليّة ، و مجتمع جديد راديكاليّا على طريق تحرير حقيقي " – كإطار أساسي و مرشد في القيام بهذا .
...
إستراتيجيا ... ثورة فعليّة

هدف الشيوعيّة ، السيرورة الضروريّة المؤدّية إلى ذلك - الثورة و التغيير التام للمجتمع و في آخر المطاف العالم ككلّ ، لبلوغ " الكلّ الأربعة " - و إمكانيّة ( ليس حتميّة بل إمكانيّة ) هذه الثورة . كلّ هذا تركّز ليس عبر نوع من الخيال الذاتي و المثاليّة بل على أساس علمي ، من خلال تحليل التناقضات الأساسيّة للنظام الرأسمالي - الإمبريالي القائم ، و النظر إلى ذلك في إطار ، و معالجة موقعه ضمن ، التطوّر الأشمل للمجتمع الإنساني و القوى المحرّكة لمثل هذا التطوّر ، و على هذا النحو الإقرار بقاعدة و قوى ممكنة لإنجاز قفزة راديكاليّة تتجاوز ذلك و كافة الأنظمة و العلاقات الإستغلاليّة و الإضطهاديّة السابقة . هنا ، مثلما تمّت الإشارة إلى ذلك عند مقارنة الإمكانية و الحتميّة ، يكمن تمييز حيوي و تكمن مسألة منهج عميقة. في تاريخ الحركة الشيوعية ، منذ زمن تأسيسها ، وُجدت نزعة نحو فكر " الحتميّة " - الإعتقاد الخاطئ بأنّ التطوّر التاريخي سيؤدّى بطريق الحتم إلى إنتصار الشيوعية – الذى كان بارزا نوعا ما في أوقات متباينة و بتعبيرات متنوّعة ، لكنّه في أي من تعبيراته ذهب ضد منهج الشيوعيّة و مقاربتها العلميين في الأساس ، منذ تأسيسها في أعمال ماركس ( و إنجلز ) . و بهذا الصدد و كذلك بصدد أبعاد مفاتيح أخرى ، تمثّل الشيوعية الجديدة و تجسّد " حلاّ نوعيّا للتناقض الحيوي الذى وُجد صلب الشيوعية فى تطوّرها إلى هذه اللحظة ، بين منهجها و مقاربتها العلميّين جوهريّا من جهة و مظاهر من الشيوعية مضت ضد ذلك ." ( 35 ) [ التسطير في النص الأصلي ]
تؤكّد المقاربة العلميّة للشيوعية الجديدة على أنّ قاعدة هذه الثورة تكمن ليس في تفكير الجماهير في أي زمن معطى و إنّما في التناقضات المحدّدة لهذا النظام و التي تتسبّب في البؤس المستمرّ لجماهير الإنسانيّة بينما في الوقت نفسه تقوم هذه التناقضات في ذات هياكل هذا النظام و ديناميكيّته و لا يمكن أن تُحلّ أو تلغى في إطاره .
و يجد هذا ترجمة مكثّفة له في " الخمسة أوقفوا " :
أوقفوا القمع الإبادي و السجن الجماعي و عنف الشرطة و قتل السود و السُمر!
أوقفوا الإخضاع البطرياركي / الذكوري ، ودوس إنسانيّة و تبعيّة كافة النساء في كلّ مكان ، و كافة الإضطهاد القائم على الجندر و التوجّه الجنسي !
أوقفوا حروب الإمبراطوريّة و جيوش الاحتلال و الجرائم ضد الإنسانيّة !
أوقفوا شيطنة المهاجرين و تجريمهم و ترحيلهم و عسكرة الحدود !
أوقفوا تدمير الرأسمالية لكوكبنا !
بوسعنا رؤية كيف أنّ هذه " الخمسة أوقفوا " ذات صلة وثيقة بالموضوع وكيف أنّها إستعجاليّة فورا ، و التناقضات التي تحيل عليها .
و إذن ماذا عن مسألة ثورة فعليّة في بلد كالولايات المتّحدة و كيف تتركّز ، مرّة أخرى ، في هذه التناقضات المحدّدة و غير القابلة للحلّ و التي يقوم عليها هذا النظام و هياكله و سيره و ديناميكيّته الأساسيين ؟
في " بصدد إمكانيّة الثورة " و " كيف يمكننا أن نكسب ، كيف يمكننا حقّا القيام بالثورة " (36) ( وثيقة هامة أخرى للحزب الشيوعي الثوري ) يتمّ التناول بالحديث ليس الحاجة إلى هذه الثورة فقط و إنّما أيضا إستراتيجيا البناء الفعلي لحركة للإطاحة بهذا النظام ثمّ إنجاز ذلك ، عندما تنشأ الظروف لتحقيق ذلك . و هنا لن أنكبّ على هذا مطوّلا و بعمق – فقد قمت بذلك في " لماذا نحتاج إلى ثورة فعليّة ، و كيف يمكننا القيام بالثورة " (37) و بخاصة في الجزء الثاني المعالج لإستراتيجيا الثورة – التي تشرح ما وُضع بطريقة مكثّفة في " كيف يمكننا أن نكسب " المعالج لما يجب أن نقوم به الآن للتسريع بينما ننتظر ظهور وضع ثوري و شعب ثوري بالملايين ، و لإعداد الأرضيّة و إعداد الشعب و إعداد الطليعة لذلك الوضع الثوري ، حينما سيكون من الممكن و الضروري القتال قتالا شاملا من أجل الظفر - الإطاحة بهذا النظام الإضطهادي و تفكيك قواته للقمع العنيف و مؤسّسات حكمه الأخرى ، و إرساء نظام إقتصادي و سياسي مختلف راديكاليّا يهدف إلى إتمام و إنهاء القضاء على كافة علاقات الإستغلال و الإضطهاد . لكن أرغب في أن أشدّد بقوّة على أهمّية التطبيق الحقيقي العملي لما يعرض بشكل مكثّف في " كيف يمكن أن نكسب " و المشروح بأكثر شموليّة في " لماذا نحتاج إلى ثورة فعلية ، و كيف يمكننا حقّا القيام بالثورة " ( و في إرتباط بهذا، " العصافير ليس بوسعها أن تلد تماسيحا ، لكن بوسع الإنسانيّة أن تتجاوز الأفق "، لا سيما الجزء الثاني ، مفيد للغاية كذلك بما فيه النقاش حول الطرق التي بها تمّ تناول المبادئ في " بصدد إمكانيّة الثورة " و إمكانيّة أن تطبّق بصفة أعمّ على السيرورة الثوريّة في أصناف متباينة من البلدان ).
عوض الشرح المطوّل للمظاهر المتنوّعة للإستراتيجيا الثوريّة التي تطوّرت مع الشيوعية الجديدة بما فيها طرق هامة تمثّل قطيعة مع ما كان" أحكاما تقليديّة " في الحركة الشيوعية ، أودّ أن أقدّم ، مرّة أخرى ، تلخيصا أساسيّا للمظاهر المفاتيح لهذا.
قبل كلّ شيء ، هناك المسألة الحيويّة للأمميّة . فإلى جانب إحالة القرّاء على جدال " الشيوعية أم القوميّة ؟ " للمنظّمة الشيوعية الثوريّة ، المكسيك ، في مجلّة " تمايزات " عدد 4 ، شتاء 2015 ، و على نقاش الأمميّة في كتاب " الشيوعية الجديدة " ، الجزء الثاني ، أودّ أن أتطرّق بإختصار هنا إلى الأساس المادي و الفلسفي للأمميّة الشيوعية و مزيد تلخيص هذا في الشيوعية الجديدة .
يكمن الأساس المادي في تطوّر الرأسماليّة بصفة أتمّ إلى نظام عالمي من الرأسمالية – الإمبريالية و شتّى مظاهر ذلك ، و منها إستثماره و إستغلاله بصفة أتمّ للنطاق العالمي ( نسبة لما كان عليه في المراحل الأولى من الرأسماليّة حيث كان الإنتاج يجرى أساسا في البلد الأم و كان البحث عن أسواق لهذه المنتوجات يجرى عالميّا ) . فصارت سيرورة الإنتاج عالميّة بشكل أتمّ بكثير و بصورة متصاعدة في العقود الأخيرة . إنّه نظام واحد شامل بأجزاء و ديناميكيّة مكوّنات مختلفة عديدة ضمن هذا النظام الشامل . و ديناميكيّة هذا النظام ككلّ على الصعيد العالمي – ليس فقط ، بل رئيسيّا و في علاقة جدليّة مع الوضع داخل أجزاء خاصة من العالم و بلدان معيّنة – هو العامل الأساسي في تحديد المرحلة الموضوعيّة للنضال الثوري في بلدان معيّنة . و حينما ، عبر هذه السيرورة الجدليّة ، تغدو هذه التناقضات شكلا حادا خاصا في بلدان معيّنة ، يمكن أن يؤدّي ذلك إلى ظهور وضع ثوري هناك . لذا لدينا الديناميكيّة صلب بلدان معيّنة لكن ليس فقط من ذلك ، و ليس حتّى أساسا من ذلك ، تظهر الأوضاع الماديّة التي تؤثّر في تطوّر النضال الثوري و التي يمكن في نهاية المطاف أن تفضي إلى ظهور وضع ثوري في هذه البلدان الخاصة .
و يتداخل إدراك هذا مع الفهم الفلسفي الضروري لمقاربة صحيحة للأمميّة و تطبيق صحيح لها . و مثلما تمّ نقاش ذلك أيضا في جدال " الشيوعيّة أم القوميّة ؟ " من قبل المنظّمة الشيوعية الثورية - المكسيك ، لهذا صلة بمختلف مستويات تنظيم المادة في حركة . هناك نسبيّا مستويات منفصلة في كلّ الأنواع المتباينة من المادة ( في حركة ) : هناك أجهزة متباينة في جسد الإنسان ، و ثمّ هناك جسد الإنسان ككلّ ، وهو يشمل جميع الأجهزة ، و ثمّة ديناميكيّة داخل هذه الأجهزة و بينها ؛ و ثمّة مناطق خاصة داخل البلاد ، و ثمّة بلدان خاصة و ثمّة العالم ككلّ . و هكذا . لكلّ من هذه المستويات المنفصلة المتنوّعة و النسبيّة - أشدّد على النسبيّة - للمادة في حركة ، حركتها الخاصة ، لها تناقضاتها الداخليّة الخاصة ؛ لكن ، بالمقابل ، هي جزء من نظام أشمل ، بالضبط مثلما أنّ أجهزة الجسد جزء من جسد أشمل ، و هذا الجسد الأشمل ذاته يتفاعل بدوره مع البيئة الأشمل التي في الأخير و جوهريّا تحدّد إطار ما يحدث داخل ذلك الجسد ، بما في ذلك مختلف أجهزة الجسد - بالرغم من أنّ أحيانا ما يحدث داخل جهاز خاص يمكن أن يؤثّر أو حتّى يكون محدّدا في ما يحدث للجسد ككلّ ، و هذا بديهي إن تعرّض إنسان إلى نوبة قلبيّة ، مثلا . هذه إذن ماديّة و جدلّية كلّ هذا . و الشيء نفسه ينسحب على العلاقة بين البلدان و العالم و النظام العالمي ككلّ . هناك مستويات منفصلة للمادة في حركة تشكّل البلدان ، بالضبط مثلما توجد مستويات منفصلة للمادة في حركة تشكّل مناطق مختلفة داخل البلد الواحد . لكن ، بالمقابل ، هذه البلدان ، حتّى بهويّتها النسبيّة و إنفصالها النسبيّ و تناقضاتها الخاصة ، توجد ضمن ديناميكيّة أشمل مغايرة ( كما أشرت سابقا ) لشيء كالعلاقة بين الأرض و كامل المجرّات الأخرى في الكون . بكلمات أخرى ، أجل ، الأرض جزء من نظام شمسي هو نفسه جزء من مجرّة هي نفسها جزء من مليارات المجرّات، و هكذا . بيد أنّ هذه العلاقة ليس لها المعنى العملي ذاته بالنسبة إلى التغيير الاجتماعي ، العلاقة بين البلدان و ديناميكيّة النظام الإمبريالي ، كنظام عالمي ، في هذا العصر .
إنّها الديناميكيّة الجوهريّة لكامل هذا النظام العالمي هي التي كانت ، لذكر ظاهرة عميقة ، مسؤولة عن الحربين العالميّتين . و كما جرت الإشارة إلى ذلك في جدال المنظّمة الشيوعية الثوريّة – المكسيك ، لم تنجم الحرب العالمية الأولى ببساطة أو أساسا عن الديناميكيّة الداخليّة صلب كلّ بلد على حدة ، فاضت نوعا ما على البلدان الأخرى . بداهة ، لعبت الديناميكيّة الداخليّة صلب مختلف البلدان دورا جزئيّا ، لكن كان المجال العالمي الأوسع و التناقضات على ذلك المستوى هما اللذان أدّيا إلى تلك الحرب . و لهذا ، على سبيل المثال ، في أحد أفضل مواقفه ، قال ستالين إنّ سبب نجاحهم في الثورة في روسيا – أو لماذا كانت الظروف أكثر مواتاة للثورة هناك منها في أيّة أماكن أخرى – هو أنّ تناقضات النظام الإمبريالي العالمي أضحى مركزها و بؤرة تركيزها في روسيا إلى درجة كبيرة وقتها .
و هذا مثال آخر للفهم الصحيح للعلاقة بين البلدان و الوضع العالمي ككلّ .
لو لم نستوعب هذه العلاقة إستيعابا صحيحا ، لو قلبنا تلك العلاقة رأسا على عقب -كما يفعل بعض الناس الذين يسمّون أنفسهم شيوعيّين و هم عمليّا يرفعون راية القوميّة باسم الشيوعيّة و أمسوا في أفضل الأحوال قوميين راديكاليين و هذا يساوى في الأخير القومية البرجوازية – سنتصرّف ببساطة إنطلاقا من أساس الديناميكيّة الداخليّة للبلاد و سنعتبر ذلك أهمّ مجال نفعل في إطاره . و بالإمكان تقديم هذا في معارضة بلاد آخر له ديناميكيّته الداخليّة الخاصة . و حالئذ ستتحوّل أمميّتنا إلى شكل من " التقاطع " العالمي ، لإستخدام مفردات زمنها ، و الذى يمكن أن يتحوّل بيسر إلى تناقضات تناحريّة بين شتّى القطاعات التي " تتقاطع ".
لقد وُجدت نزعات لدى ماو تسى تونغ للإنطلاق " من الأمّة نحو الخارج " حتّى وهو يدعو إلى الأمميّة و يطبّقها – حتّى و إن كان ذلك نهائيّا ثانويّا نسبة للتوجّه الأممي الجوهريّ لماو . لكن هذه النزعات الثانويّة لدى ماو حوّلها بعض " الماويّين" ( بمن فيهم آجيث ) إلى مبادئ و بقيامهم بذلك قد عوّضوا فعلا الأمميّة بالقوميّة .
لهذا من الهام جوهريّا إستيعاب الأساس المادي و الفلسفي للمقاربة الصحيحة للأمميّة : نظرة أنّ المجال العالمي هو الحيويّ جوهريّا بينما نستوعب و نتعاطى بصفة صحيحة مع العلاقات المتغيّرة بين التناقضات و الديناميكيّة داخل بلد خاص و البلدان الأخرى - و كلّ هذا في علاقة بالنظام الرأسمالي الإمبريالي كنظام عالمي .
و لهذا تبعات عمليّة محدّدة كما تحدّثت عن ذلك في " الشيوعية الجديدة " ، بما في ذلك أنّه مهما كانت البلدان الإشتراكيّة الموجودة في أي زمن معطى ، يجب مقاربتها ، فوق كلّ شيء – ليس فحسب بل فوق كلّ شيء – كقواعد إرتكاز للتقدّم بالثورة العالميّة ، و إلاّ ستتعارض في النهاية مع تقدّم الثورة الشيوعيّة في العالم ككلّ ؛ و بالفعل ، سيتعزّز أساس الإطاحة بالثورة و الإنقلاب عليها في بلد إشتراكي خاص . و المسألة ليست مسألة إعلان مبدأ عظيم –" الأمميّة – أن نكون قبل كلّ شيء قاعدة إرتكاز للثورة العالميّة "- بنوع من التجريد أو المعنى الديني تقريبا . و يشمل هذا قدرا كبيرا من التعقيد لأنّه ، أكثر ممّا تمّ الإقرار به قبلا ، في تاريخ الحركة الشيوعيّة ، يمكن أن توجد تناقضات حادة قد تتحوّل إلى تناقضات تناحريّة بين بلد إشتراكي قائم و الجماهير الثوريّة و النضالات الثوريّة في بلدان أخرى . و بعدّة طرق ستسعى وقتها الدول و القوى الإمبريالية و الرجعيّة في العالم إلى أن تفرض على البلد الإشتراكي ضرورة توخّى سياسات و سلوكات معيّنة في محاولة منه الحفاظ على الذات ، تذهب ضد المصلحة الجوهريّة للتقدّم بالثورة بإتّجاه الشيوعيّة على النطاق العالمي . و إن لم تتواصل الثورة للتقدّم بإتّجاه الشيوعيّة بالمعنى الشامل ، سيمثّل ذلك تراجعا شاملا بما فيه حيث نشأت البلدان الإشتراكيّة في البداية .
و هكذا نعالج هنا تناقضات معقّدة جدّا أو أحيانا حادة جدّا . و دون مقاربة صحيحة لإستيعاب القاعدة الماديّة و القاعدة الفلسفيّة للأمميّة الشيوعيّة ، لن نحصل حتّى على فرصة للمقاربة الصحيحة ، فما بالك التعاطى معها في العالم الواقعي ، هذه التناقضات العميقة جدّا أو أحيانا الحادة جدّا على نحو يتقدّم عمليّا بالثورة العالميّة ككلّ . و لقد قال أحدهم " حسنا ، ما يأتي بسهولة ، يذهب بسهولة " . عاش الملايين العذاب و دفعوا حياتهم من أجل إنشاء الإشتراكية في الصين ، و ساند الملايين حول العالم ذلك الجهد و إلى درجة واسعة جدّا ، و على أساس شرعي ممتدّ ، كانت آمالهم معلّقة على الإشتراكية في ذلك البلد . و مثّل الإنقلاب على الإشتراكية و إعادة تركيز الرأسمالية هناك تراجعا فظيعا . و بالفعل من الهام الحفاظ على الإشتراكية و التقدّم بها حيثما تمّ إفتكاك السلطة من يد الإمبرياليين . و في الآن نفسه ، مع ذلك ، إذا لم يقع التعاطى مع الحفاظ على دولة إشتراكية و التقدّم بها في أي بلد معيّن تعاطيا صحيحا في علاقة ب – و خاصة إن كان عمليّا يقوّض بأيّ معنى جوهري – تطوّر الثورة العالميّة ككلّ ، عندئذ ستكون هذه الدولة الإشتراكية في طريقها إلى الإنقلاب عليها كذلك .
هناك كامل مسألة أن تكون الشيوعية حقّا شيوعيّة ، و قد شدّدت أكثر على ذلك الشيوعية الجديدة – أن تكون الشيوعية حقّا شيوعيّة و بالتالى أن تكون أمميّة بالطريقة التي تحدّثت عنها ، في تعارض مع القوميّة باسم أو ممزوجة إختياريّا مع ، الشيوعيّة .
وتاليا، أودّ أن أتطرّق إلى المقاربة الأساسيّة لبناء حركة من اجل الثورة التي وقع تكثيفها في صيغة " إثراء ما العمل؟ ". هنا تجدر بنا ملاحظة و معالجة و إن بإقتضاب ، واقع أنّه بينما كان يقود عامة الإتحاد السوفياتي الحديث الولادة على طريق الإشتراكية ، و يساهم ببعض الطرق الهامة في تطوير الحركة الشيوعية العالمية ، في الوقت نفسه ، " إنقلب " ستالين عمليّا على اللينينيّة في عدد هام من المسائل . بشأن الأمميّة ، على سبيل المثال ، و كان هذا كذلك مذهلا أثناء الفترة المؤدّية مباشرة إلى الحرب العالميّة الثانية و خلالها ، عندما قدّمت مصالح الإتحاد لسوفياتي كدولة ، على أساس بالأحرى قومى بجلاء ، على حساب التقدّم الشامل للثورة العالميّة ، في ما كانت ظروفا شديدة التناقض و شديدة الحدّة ، لنكون ببساطة واضحين . لقد شدّد لينين على أنّ البروليتاريا في مختلف البلدان ، و بخاصة البلدان الإمبريالية ، ليس لها " وطن " تدافع عنه ( و حتّى إن لم تتطوّر بعدُ الرأسماليّة إلى راسماليّة إمبرياليّة كما حصل زمن لينين ، فإنّ هذا الموقف الأساسي يعود إلى ماركس و إنجلز في " بيان الحزب الشيوعي " أين قالا إنّه ليس لعمّال العالم وطن و ناديا عمّال العالم إلى الإتحاد ، و قد كان هذا موقفا أمميّا غاية في الأهمّية و إعلانا للعالم ) . إلاّ أنّه ، في ظلّ قيادة ستالين للاتحاد السوفياتي في ثلاثينات القرن العشرين و أربعيناته ، عندما شعروا بإنّ الحرب وشيكة الحدوث - و تاليا ، كجزء مفتاح من تلك الحرب ، حصل هجوم كبير على الإتّحاد السوفياتي من طرف ألمانيا التي قد صارت ألمانيا النازيّة - جدّت صراحة إعادة مراجعة مفهوم أنّه ليس للعمّال وطن و لا أساس و لا مصلحة في دعم " الوطن " الإمبريالي . و قد قال الشيوعيون أشياء من مثل :" كان ذلك صحيحا في الماضي لمّا لم يكن العمّال يملكون أيّ شيء ، لكن الآن ، لديهم نقابات و مقاعد في البرلمان و ما إلى ذلك ، لذا لديهم رهان في الوطن " .
لقد مثّل هذا إنقلابا بالأحرى غريبا على الموقف الصحيح الذى قاتل من أجله لينين بشدّة و قوّة ، لا سيما في إطار الحرب العالميّة الأولى ، في تعارض مع ما يسمّى ب " الإشتراكيين " الذين إلتحقوا ب " أوطانهم " المتنوّعة حالما إندلعت الحرب العالمية الأولى . و بالتالى ، مع إقتراب الحرب العالميّة الثانية ثمّ خلالها ، مع ستالين جدّ إنقلاب مباشر ، صريح و بالأحرى فجّ على المبدأ الأساسي و التطبيق الأساسي للأمميّة . كانوا يواجهون ظروفا غاية في الحدّة بيد أنّه لا يمكننا أن نتنازل عن مبدأ لمجرّد وجود ظروف حادة . هذا مرتبط بطرق هامة بموقف أنّ كلّ شيء يمثّل فعلا الحقيقة جيّد بالنسبة للبروليتاريا.
لقد أكّد لينين تأكيدا كبيرا في مؤلّفه الهام " ما العمل ؟ " على عدم التذيّل لعفويّة الجماهير، و عدم تقديس ذيل الجماهير، و إنّما بدلا من ذلك إبلاغ الوعي الشيوعي من " خارج " تجربها الخاصة و نضالاتها اليوميّة . كما أكّد لينين على أنّ الطبقة العاملة و الجماهير الشعبيّة ليس بوسعهما أن يطوّرا عفويّا وعيا شيوعيّا - قد ينجذبون نحوه لكن هناك قوى أعتى في المجتمع تدفعهما خلفا إلى ( كما وضع ذلك ) النزوع إلى وضع نفسهما تحت جناح البرجوازية .
لكن ستالين ، منذ عشرينات القرن العشرين ، قد إنقلب على بعض هذا أيضا . أذكر أنّه في أيّام خوالى جاء أحدهم ببحث لستالين إلى اجتماع من إجتماعاتنا في الإتّحاد الثوري ، قبل حتّى تأسيس الحزب الشيوعي الثوري . كان ذلك زمن كنّا نحاول أن نتوجّه إلى الطبقة العاملة - أن نبلّغ الثورة إلى الطبقة العاملة - و جاء أحدهم بهذا البحث حيث قال ستالين يجب أن نمضي إلى صفوف العمّال و أن نكون أفضل المدافعين عن مصالحهم المباشرة عندها سيرون أنّنا أنصار جيّدون و سيرغبون في الإستماع إلينا و الحديث عن قناعاتنا الإشتراكية و الشيوعية .
كان ذلك في منتهى الفجاجة و مثّل نهائيّا وصفة إقتصادويّة جادل ضدّها لينين - مجمل مفهوم تقليص النضال من أجل الإشتراكية إلى شيء من المفترض أنّه يتطوّر من النضالات اليوميّة للعمّال حول الظروف الإقتصاديّة – و قد كان ينسجم بصورة أعمّ مع التوجّه التحريفي ل " الحركة كلّ شيء و الهدف لا شيء ".
و إذن جدّ إنقلاب على بعض المبادئ الحيويّة التي ناضل لينين من أجلها في " ما العمل ؟ " و في غيره من أعماله . و قد جاء وتعليق ساخر بصدد مدى أهمّية مؤلّف لينين " ما العمل ؟ " على لسان دونالد رامسفيلد إبّان حرب العراق سنة 2003 حينما عقد مقارنة ، مقارنة جدّ منحرفة و كان يتحدّث عن القوى الأصوليّة الإسلاميّة الرجعيّة و كيف كان يجب " علينا " (الإمبرياليّون ) أن نسحقها تمام السحق فعقد هذه المقارنة : بالعودة في الزمن عندما نشر لينين كتيّبه الصغير" ما العمل؟ "، لو كنّا نعلم ما سيفضى إليه لكنّا سحقناه كلّيا وقتها . لذا بطريقة منحرفة يبيّن هذا أهمّية هذا " الكتيّب الصغير " للينين و مدى جدّية كونه وقع تقويضه إلى درجة كبيرة عقب وفاة لينين ، بما في ذلك بأشياء فعلها و قادها مباشرة ستالين . و من الأشياء المفاتيح في " ما العمل ؟ " و من الأشياء المفاتيح التي قاتل لينين من أجلها عامة - و من الخطوط المفاتيح التي يُهاجم بسببها بصفة متكرّرة – مفهوم أنّه بدلا من التفاعل السلبي مع الظروف الموضوعيّة ، ينبغي أن " تدفعها " بنشاط ، و تبحث بنشاط عن تغييرها ( " تدفع " تعبير لى ، ليس للينين ، لكنّه ينسجم مع ما وضع تحته سطرا بقوّة ) . و التهمة هي كافة أنواع الفظائع إنطلقت مع لينين إعتبارا لكونه عوضا عن ترك الظروف الماديّة تنضج تقريبا لوحدها و السماح للناس عفويّا ببلوغ ما يجب فعله بشأن هذه الظروف ، شدّد لينين على أنّنا نحتاج إلى طليعة لتقود الجماهير و تفكيرها العفوي - لا يمكننا أن نظلّ ببساطة ننتظر أن تتوصّل الجماهير لوحدها إلى الوعي الشيوعي ، مع فكرة أنّ الإشتراكية ربّما يمكن بلوغها سلميّا لأنّه سيوجد في النهاية عدد كبير جدّا من الناس يناصرونها بحيث ببساطة ستتنحّى البرجوازية جانبا على أساس إرادة الشعب. و هذا الهجوم الشديد على لينين و بوجه خاص على كتاب لينين " ما العمل ؟ " يصدر عن جميع أرهاط الذين يسمّون أنفسهم زورا " إشتراكيين " و كذلك عن قوى برجوازيّة صريحة . إلاّ أنّ لينين كان على صواب مطلق : نحن في حاجة إلى " دفع " الظروف الموضوعيّة لتحريك الأمور بإتّجاه النقطة حيث تصبح ثورة شيوعيّة فعليّة ، للإطاحة بدكتاتوريّة البرجوازية ، ممكنة ؛ نحتاج إلى تنظيم قوّة طليعيّة تبرز الحاجة إلى القيام بذلك إلى الجماهير الشعبيّة و تصارعها كي تتبنّاها .
و بالمعنى الواقعي ، في الشيوعيّة الجديدة تمّ " إنقاذ " فكر " ما العمل ؟ " و " إثرائه ". و هنا أيضا تكمن مسألة أشرت إليها سابقا ، مسألة التسريع بينما ننتظر ظهور وضع ثوريّ . و بهذا المضمار ، أودّ أن أحيل القرّاء على الفقرات الستّ الأولى من الجزء الثاني من كتاب " القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة "(39) أين يقع نقاش بعض أهمّ جوانب التسريع بينما ننتظر، بما في ذلك النقاش الهام حول العلاقة الجدليّة بين العامل الموضوعي و العامل الذاتي - و العامل الموضوعي هو ما تكون عليه الظروف الموضوعيّة في أي زمن معطى ، و من ذلك تغيّرها ، و يحيل العامل الذاتي ليس على الناس بما هم ذاتيّون، بمعنى الحساسيّة أو غير ناضجين أو ما شابه ، وإنّما بمعنى الذوات الواعية ، القوى الواعية الفاعلة في الظروف الموضوعيّة. هناك ، في تلك الفقرات الستّ من الجزء الثاني من " القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة " نقاش هام ليس للعلاقة الجدليّة فحسب بين العوامل الموضوعيّة و الذاتيّة بالمعنى العام بل أيضا و بالأخصّ ، الطريقة التي يمكن بواسطتها تحوّل الواحد إلى الآخر .
ماذا يعنى هذا ؟ إنّه يعنى أنّ ما يوضع هناك في العالم ، لا سيما مثلما ينعكس بصفة صحيحة في أذهان الناس ، يمكن أن يُصبح جزءا من وعي العامل الذاتي ، القوى الواعية ، التي قد تؤثّر بالتالى في قاعدة ذلك الوعي للتقدّم بالثورة . و بهذا المعنى ، يتحوّل الموضوعي إلى ذاتي . و يمكن للذاتي أن يتحوّل إلى موضوعي بمعنى أنّه على أساس إنعكاس صحيح أساسا للواقع ، يمكننا التوجّه نحو تغيير الظروف الموضوعيّة ، و حالئذ ما كان ذاتيّا ( ما كان جزءا من وعينا ) يتفاعل مع و يُغيّر الظروف الموضوعيّة و بهذا المعنى يغدو جزءا منها . و هكذا ، بدلا من " هناك ظروف موضوعيّة خارجنا و كلّ ما نستطيع فعله هو الردّ سلبيّا عليها " ، تضحى المسألة مسألة التوجّه بوعي نحو التغيير المستمرّ لهذه الظروف الموضوعيّة نحو الثورة ، على قاعدة منهج و مقاربة علميين .
و نقطة هامة أخرى يجرى التطرّق إليها بإختصار ، في الفقرات الستّ من الجزء الثاني من " القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة " هو واقع أنّ القوى الواعية – العامل الذاتي بذلك المعنى – لا تردّ الفعل فحسب تجاه الظرف الموضوعي بمعنى ما مجرّد و غير متغيّر و نوعا ما ميتافيزيقي . على سبيل المثال ، أنظروا إلى بلد مثل البرتو ريكو و ما حدث فيه مع الإعصار و ما تلاه ( ظروف موضوعيّة متغيّرة بإستمرار بذلك المعنى ) - ثمّ ، كما وقع التشديد على ذلك في الفقرات الستّ ، هناك تفاعل مستمرّ مع الظرف الموضوعي للقوى الاجتماعية الأخرى ، التي تمثّل في آخر المطاف ، مصالحا طبقيّة مختلفة ، جميعها تسعى إلى التأثير في و تغيير الظرف الموضوعي في تناغم مع و كيف ترتئى المصالح التي تمثّلها. و يمكن أن توجد " نتائج غير متوقّعة " في ما تفعله القوى الطبقيّة الأخرى التي قد تقود الأمور نحو أن تمسي أكثر مواتاة للثورة إذا كان ردّ فعل القوى الشيوعيّة على ذلك ردّا صحيحا . و عندئذ ، ليست المسالة مجرّد مسألة " حسنا ، لدينا الظروف الموضوعيّة بمعنى ما مستقرّة غير متغيّرة ، و بوسعنا أن نتجاهل جميع القوى الإجتماعيّة الأخرى هناك و التي تفعل في هذه الظروف و كيف يؤثّر ذلك في الأمور ". و صغنا موقفا في تعارض مع ذلك ، موقف أنّ كلّ ما يحد مع كافة هذه القوى المختلفة - ليس " قوى الطبيعة " المغيّرة للظرف الموضوعي فحسب ، وهو ما تفعله بطرق هامة تتفاعل مع القوى الاجتماعية ، لكن هناك أيضا جميع هذه القوى المتباينة في المجتمع التي تمثّل مصالحا طبقيّة متباينة ، في النهاية و جوهريّا، تفعل في الظرف الموضوعي و عند نقطة معيّنة ، ربّما يؤدّى ذلك إلى وضع لم نقدر على توقّعه قبل شهرين ( و حتّى قبل أسبوعين ) وهو يشرع في التوجّه نحو أزمة ثوريّة – إذا ، مرّة أخرى ، كان الثوريّون ، كانت القوى الشيوعيّة الواعية ، على أساس مستمرّ و بطريقة علميّة صريحة ، تغيّر الظرف الموضوعي إلى أقصى درجة ممكنة في تناسق مع إلى أين تحتاج الأمور أن تذهب لتجعل من الممكن الإطاحة بهذا النظام .
ليس هذا شيئا بلا هدف ، أو شيئا في حدّ ذاته و بذاته . ثمّة سيرورة كاملة تحتاج إلى الإستمرار ، سيرورة تغيير مستمرّ للظرف الموضوعي بإتّجاه هدف الثورة ، و مراكمة مزيد القوى الثوريّة عند كلّ نقطة في هذه السيرورة ، كيف نكرّس التسريع بينما ننتظر ، ماذا يعنى أنّنا عمليّا نُغيّر الظروف الموضعيّة . و محوريّ في كلّ هذا، تغييرنا لطريقة تفكير الناس، في تعاطيهم مع هذه التغييرات و بالمعنى الأعمّ : نحن نصارعهم - لا فقط شخص أو شخصان ، هنا و هناك ، بل جماهير الشعب - لتغيير تفكيرهم . و من هنا تتأتّى أهمّية شعار : مقاومة السلطة ، و تغيير الناس ، من أجل الثورة . و في هذه السيرورة ، تغيير تفكير الناس مركزيّ وهو عموما الرابط المفتاح . لذا ، حتّى و إن كنّا نتّحد مع الناس لنناضل ضد فظائع النظام و تجاوزاته ، حيث لا يرى بعدُ الكثير من الناس الحاجة إلى الثورة ، نناضل من أجل تغيير تفكيرهم وفق الحاجة الموضوعيّة للثورة . و مرّة أخرى ، ليست هذه السيرورة شيئا بلا هدف ( ينسجم مع الفهم التحريفي ل " الحركة كلّ شيء و الهدف لا شيء " ). لا ، إنّها سيرورة تهدف إلى و تبنى بإتّجاه شيء خاص جدّا : الثورة . يجب التقدّم بهذا و نشره في صفوف الشعب عند كلّ نقطة من هذه السيرورة .
ثمّ ، كجزء هام من " إثراء " " ما العمل ؟ " ، نجد مبدأ وضع مشاكل الثورة أمام الجماهير ، بينما في الوقت نفسه ، نصارعها لنجعلها تتبنّى نظرة هذه الثورة و منهجها و مبادئها و برنامجها . أين تكمن أهمّية هذا ؟ ليس ، وفقا لتوجّه التذيّل للإعتقاد فى أنّ الجماهير ستعثر عفويّا على الإجابة على هذه المشاكل . إن فعلت ذلك بعدُ ، سيكون أمورنا أسهل ، لن نحتاج حتّى إلى طليعة ، بوسعها هي أن تقوم لوحدها بالثورة . إذن ما المعضلة هنا ؟ المعضلة هي تشريك الجماهير ، بالقيادة و بالصراع ، في سيرورة تشخيص مشاكل الثورة و معالجتها بدلا من نوع من المقاربة الإنتهازيّة لمحاولة حجب مشاكل الثورة عن الجماهير أو " الحقيقة السياسيّة " محاولة إقناعها بأنّ " كلّ شيء على ما يرام " و كلّ ما تحتاجون القيام به هو أن تنخرطوا في ذلك " - و في هذه الحال سيكون الردّ على الأرجح " حسنا ، بما أنّ كلّ شيء على ما يرام ، لماذا علينا الإنخراط في ذلك ، فالأمر يحتاج على الكثير من الصراع و الكثير من التضحية - أنتم تبلون البلاء الحسن ، واصلوا ، و أعلمونا عندما تكونون قد جهّزتم كلّ شيء ، حينها ربّما ننخرط ". و مفهوما فهما صحيحا و مطبّقا تطبيقا صحيحا ، مبدأ هام للغاية أنّ الثورة بالمعنى الجوهري و في النهاية ، تصنعها الجماهير . وهذا ليس و لا يجب أن يؤخذ كوصفة للتذيّل للجماهير و لعفويّتها . و إن كانت هي التي يجب أن تنجز الثورة و هي تحتاج أن تنخرط ، في كلّ مرحلة ، في الخوض في و المساهمة في سيرورة إنشاء وسائل النضال و تغيير التناقضات التي تواجهها ، مشاكل الثورة ، لأجل إنجاز إختراقات و قطع خطوات إلى الأمام .
هذا مبدأ هام للغاية وهو شيء لا ينبغي أن يتماثل و التذيّل للجماهير و التفكير في أنّ ، بمعنى التجسيد ، كلّ الحكمة تملكها الجماهير و كلّ ما علينا فعله هو أن نقول لها ما هو المشكل و فورا ستأتينا بحلّ . إنّها مسألة تشريكها ، بأعداد متنامية ، و على أساس مقاد علميّا ، في سيرورة النضال لمواجهة و تغيير التناقضات التي ينبغي النضال عبرها على طريق القيام بالثورة .
و في إرتباط بكلّ هذا ، أودّ أن أتطرّق بإقتضاب لفصل الحركة الشيوعية عن الحركة العمّاليّة . فقد المحت إلى صراع لينين ضد الإقتصادويّين زمنه و تشديده في " ما العمل ؟ " على أنّ الإشتراكية لن تجلب للعمّال كإمتداد لنضالهم الاقتصادي و تقليص النضال من أجل الإشتراكية و الشيوعيّة إلى نضال يقود إلى تواصل الوضع الذى تجد فيه الجماهير نفسها مغلولة داخل النظام القائم - لقد شدّد لينين على انّ فهم أنّ الجماهير الشعبيّة ؛ البروليتاريّون و المضطهَدون الآخرون ، لن تكسب أبدا الوعي الشيوعي ببساطة نتيجة نضالها المباشر مع مشغّليها و الصراع العام من أجل حاجياتها الملحّة ، مهما كان ذلك مهمّا. و بالعودة إلى ما قلت قبلا حول تطوّر الرأسماليّة إلى راسماليّة إمبرياليّة ، و تغيّر الهيكلة الطبقيّة في البلدان الإمبرياليّة، أجرى لينين تحليلا هاما أنّ مع تطوّر الرأسماليّة إلى راسماليّة إمبرياليّة، وُجد ما يسمّى بالإنقسام في صفوف الطبقة العاملة، بين فئات معيّنة أضحت أكثر تبرجزا - تقع رشوتها ، كما وضع ذلك ، بفتات نهب الإمبريالية و سلبها للمستعمرات في ما يسمّى بالعالم الثالث - و الذين أشار إليهم على أنّهم فئات أعمق من البروليتاريا ظلّت متعرّضة لإستغلال شديد وهي تمثّل قاعدة حركة ثوريّة فعليّة . و قد مثّل هذا قطيعة أوّليّة بين الحركة الشيوعيّة و الحركة العمّاليّة – صراع لينين ضد الإقتصادويّة و إعترافه بإنقسام الطبقة العاملة في البلدان الإمبريالية .
ثمّ ، مع تحوّل النضال الشيوعي بإتّجاه ما يسمّى بالعالم الثالث ، لفترة من الزمن ، خاصة عقب الحرب العالميّة الأولى ، طوّر ماو تسى تونغ نموذجا في الصين لحرب الشعب المعتمدة على الفلاّحين ، وهي بداهة لم تكن مستندة إلى الحركة العمّاليّة . ففي النضالات الأولى في الصين ، في عشرينات القرن العشرين ، تمّت محاولة تركيز الحركة الشيوعيّة ضمن النضالات العمّاليّة في المدن – و قد سُحقت و تعرّضت للمجازر على يد القوى الحاكمة و قمعها الخبيث . وهكذا ، بداهة ، مع حرب الشعب المعتمدة على الفلاّحين ، وُجد مزيد من فصل الحركة الشيوعيّة عن الحركة العمّاليّة .
و للمضيّ بهذا أبعد ، بالنسبة لكيفيّة تطوّر ذلك مع الشيوعية الجديدة ، أرغب في أن أكرّر صيغة إستخدمتها مرّة لإبراز هذه النقطة حول فصل الحركة الشيوعية عن الحركة العمّاليّة . قلت حينها نبحث عن إنجاز " ثورة بروليتاريّة ببروليتاريا لا وجود لها ! " و الآن أؤكّد أنّى كنت إستفزازيّا عمدا لإبراز نقطة أساسيّة : ليس أنّ في الواقع لا وجود لبروليتاريا ، بل كانت طريقة إستفزازيّة لقول إنّ هذه الحركة لن تكون إمتدادا للحركة العمّاليّة ، لن تنجز بنظرة إقتصادويّة للطبقة العاملة المناضلة ضد مشغّليها كوسيلة محوريّة للتقدّم نحو الإشتراكيّة و لن تكون حتّى أبدا بالمضيّ ببساطة نحو الفئات الأدنى و الأعمق للبروليتاريا في بلد كالولايات المتحدة و بالمحاولة محاولة شاملة لتركيز الحركة الثوريّة هناك بالرغم من كون جماهير الشعب في تلك الوضعيّة في المجتمع تحتاج بداهة إلى المشاركة في و النهوض بدور هام في هذه الثورة .
بوضوح ، توجد في الواقع بروليتاريا ، حتّى في بلدان كالولايات المتحدة - توجد جماهير عمّال مأجورين مستغَلّين بمرارة، داخل الولايات المتحدة ذاتها و على نطاق أوسع حتّى عبر العالم . لكن المسألة و ما كنت أرمى إليه من الموقف الإستفزازي عمدا هي التالية : لن تنشأ الثورة البروليتاريّة و ليس بوسعها أن تنشأ عن إمتداد للنضال بين العمّال المأجورين ومشغّليهم ؛ لن ينجم إلغاء حكم الرأسماليّة بواسطة لون من الإضراب العام عن العمل ؛ و ليس من الضروري و لا حتّى محتمل ، أن تكون القوى القتاليّة في معركة الإطاحة بالقوّة المسلّحة القمعيّة لدول الرأسماليّة ( دكتاتوريّة البرجوازية ) من ضمن العمّال المأجورين ، و بالتأكيد لن تنجم عن الفئة الأفضل أجرا والأكثر برجزة من الطبقة العاملة .
و إذن ، ما هو العامود الفقري أو العامود الفقري المحتمل لقوى الثورة خاصة في بلد كالولايات المتحدة ؟ حسنا ، إنّه الجماهير المفقّرة و المضطهَدة و المقموعة بمرارة و التي توجد بعشرات الملايين في هذه البلاد ، و يتداخل هذا إلى درجة كبيرة مع الناس في صفوف القوميّات المضطهَدة ، رغم أنّه ليس منحصرا فيهم . ولا بدّ لنا من أن نعترف ، في الآن نفسه، بوجود ظاهرة صلب عديد هذه الجماهير لما يمكن أن نطلق عليه " نزع البلترة " - أناس كانوا هم أنفسهم سابقا مستغَلّين كعمّال مأجورين ( أو الأجيال السابقة منهم كانوا مستغَلين على هذا النحو ) لكن الآن لا يستطيعون أن يجدوا أنفسهم في تلك الوضعيّة ( لا يستطيعون أن يعثروا على عمل ، لوضع ذلك بصيغة بسيطة ) . و قد ترافق هذا بالكثير ممّا يمكن تسميته " تحويل إلى برجوازية صغيرة " و كذلك برجزة البروليتاريا الرثّة " ، في صفوف قطاعات من الجماهير المضطهَدة -أناس يلتحقون بالنشاط على النطاق الصغير ، هو بالأساس برجوازي صغير بمعنى أنّه يشتمل على ملكيّة صغيرة و تجارة صغيرة و أشياء مشابهة ، و الناس الذين هم في حياة الجريمة بمن فيهم الذين يصعدون إلى مواقع ذات نفوذ و ثراء واضحين ضمن ذلك ، حتّى و إن كان وضعهم عادة و عموما متقلّب جدّا .
و إلى جانب هذه الظواهر ، ثمّة ظاهرة أنّ في مجال الثقافة ، على سبيل المثال ، قسم معيّن نسبيّا صغير لكن مؤّثّر ، من الناس قد نجح في الصعود من صفوف هذه الجماهير إلى موقع برجوازي أساسا . و السبب في إحالتى على " تبرجز البروليتاريا الرثّة " هو أنّ هذا يشمل أناسا لم تستخدم فقط مجال الثقافة بل كذلك أحيانا مجال الجريمة ليحصلوا على موقع يصبحون بفضله أثرياء جدّا ، ثمّ يستثمرون في قطاعات مواد التجميل و الثياب و ما إلى ذلك - يمسون برجوازيين حقيقيين، حتّى و إن كان العديد منهم جزءا من أمّة أو شعب مضطهَد . و لديهم النظرة المناسبة إلى درجة ذات دلالة كبيرة . لن أتحدّث مباشرة الآن عن كانيى واست ! لكن بصفة عامة ، هناك ظاهرة صمت عميق ملموس لعديد الشخصيّات الثقافيّة و غيرها إزاء المواضيع الحارقة للجماهير اليوم . قد يُصدر البعض تغريدة على تويتر عن أشياء مختلفة إلاّ أنّهم لا يقطعون خطوة نحو ولا يتخذون مواقفا كردّ فعل - كظاهرة أنّ عديد الذين لا يتقدّمون و لو خطوة إلى الأمام و يتخذون موقفا قويّا من أعمال بارزة من قمع الجماهير الشعبيّة و ظلمها .و يُعزى هذا لكون موقعهم قد تغيّر . لا يوجد فقط " " تحويل إلى برجوازية صغيرة " في صفوف الجماهير المضطهَدة بل توجد أيضا " برجزة البروليتاريا الرثّة " التي ألمحت إليها – و ثقافة تعكس الطابع الفردي و الإكتسابي في أقصى تجلّياته في الثقافة السائدة ككلّ .
ونواجه ظاهرة ما يمكن أن نسمّيه " الريغنيّة في صفوف الجماهير الشعبيّة " ، كامل " روح الشعب " التي أتى بها ريغن في ثمانينات القرن العشرين ، منتهى الفرديّة - و ليس الفرديّة المجرّدة ، بل فرديّة تصوّر بمعنى التناحر مع جميع الآخرين: " ليس بوسعك الثقة في أي شخص آخر ، لا أحد يهتمّ لك ؛ يجب أن تدوس الناس الآخرين قبل أن يدوسوك ". و إلى درجة ذات دلالة ، أضحى هذا نموذجا بالنسبة للجماهير ، حتّى ( مرّة أخرى بالعودة إلى موقف ماركس في " الغرندريس ") وإن كانت جماهيريّا غير قادرة تماما على إنتهاج هذا الطريق ، فقط قلّة بوسعها القيام بذلك . و في الواقع ، هناك الملايين من الناس الموهوبين في الرياضة ، و في الفنون و ما إلى ذلك ، إلاّ أنّ فئة صغيرة فقط منهم تتمكّن أبدا من الصعود إلى موقع الثروة و الشهرة . و مع ذلك ، يتّم التسويق لذلك كمنوذج يحتذى به . و لا ترفع راية هذا على أنّه مخرج للناس فحسب بل بصورة أعمّ يرفع كنموذج على الناس الحذو حذوه و طريقة على الناس أن يفكّروا وفقها و يتصرّفوا حسبها . ويثير هذا مشكلا - و أكثر من ذلك ، هو تعبير حاد عن مشكل أكبر بكثير في ما يتّصل بالثقافة السائدة التي ينبغي أن نناضل ضدّها . يجب أن نغيّر تغييرا راديكاليّا تفكير الناس بهذا المضمار.
و في الآن نفسه ، مع كلّ هذا ، ثمّة فقر و بؤس وظلم و إضطهاد صارخين تتعرّض لهم الجماهير الشعبيّة بإستمرار و منها، للعودة إلى ماركس في " الغرندريس " ، ليس لديهم مخرج سوى الإطاحة بالنظام . حتّى أقلّ من الثورة ، كلّ هذا الذى يتعرّضون إليه بإستمرار يتسبّب للناس في التمرّد ضد النظام و فظاعاته ، و يوفّر جزءا قويّا من القاعدة الموضوعيّة للجماهير ، لا سيما ( و إن ليس فقط ) الذين يتعرّضون لأكبر فظائع هذا النظام ، لكسبهم إلى و لنهوضهم بدور حيوي في الثورة المطلوبة لتلبية ما هي فعلا حاجياتهم و مصالحهم الجوهريّة . غير انّ هذا سيتطلّب قدرا هائلا من النضال الإيديولوجي و تغيير تفكير الجماهير الشعبيّة ، بينما تجرى الوحدة معهم في النضال ضد القوى الإضطهاديّة القائمة ، و كسبهم ليتحوّلوا إلى أناس لا يسعون إلى الثأر و إلى خدمة أنفسهم ، بل إلى محرّرى الإنسانيّة ، و على هذا النحو ، التحرّك كقوى تشكّل العامود الفقري للثورة البروليتاريّة - الشيوعية .
و مثلما أشرت إلى ذلك ، يتداخل هذا في إرتباط وثيق مع القتال من أجل إلغاء إضطهاد السود و قوميّات مضطهَدة أخرى داخل الولايات المتحدة و كامل مسألة العلاقة بين التحرّر الوطني و الثورة البروليتاريّة، خاصة في بلد كالولايات المتحدة ، وهو ما تناولته بالحديث في كتاب " الشيوعية الجديدة " و ما عالجته بالملموس و بالمعنى الإستراتيجي العام ، في " دستور الجمهوريّة الإشتراكية الجديدة في شمال أمريكا " (40).
و في الوقت الذى توجد فيه قوى أساسيّة للثورة تعانى على هذا النحو و علينا كسبها إلى صفوف الثورة من خلال قدر كبير من النضال الذى يكون فيه تغيير تفكيرهم حيويّ ، نلمس حاجة إلى جبهة متّحدة أوسع بقيادة البروليتاريا – ليس بالمعنى التجسيدي للأشخاص البروليتاريين ممثّلين جوهر هذه القيادة و إنّما بمعنى ما هي المصالح الجوهريّة للبروليتاريا كطبقة و بالعودة إلى ماركس ،واقع أنّ البروليتاريا ليس بوسعها تحرير نفسها إلاّ بتحرير الإنسانيّة بأسرها ، بالقضاء على الإضطهاد والإستغلال عبر العالم مع بلوغ الشيوعية . و الإنطلاق من هذا الفهم كقاعدة ، و التصرّف على هذه الشاكلة ، هو ما نقصده بقيادة البروليتاريا . و من المصالح الجوهريّة للبروليتاريا و ممّا تقتضيه الثورة لتحقيق هذه المصالح الجوهريّة ، أن نجلب إلى هذه السيرورة الثوريّة أكبر عدد ممكن من القوى من صفوف أوسع من المجتمع ، و أن نواصل النضال لكسب الناس إلى الموقف الشيوعي الثوري . إنّها مسألة دفعهم إلى الأمام - و في الآن نفسه العمل على دفع مختلف شرائح الشعب نحو الأمام ، بمن فيها بوجه خاص الشباب و الطلبة الذين يمثّلون قوّة حيويّة لها دور هام في هذه السيرورة الثوريّة .
و يستدعى هذا مقاربة علميّة ، ماديّة جدليّة للوضع و للمشاعر و النزعات العفويّة ليس للجماهير الأساسيّة و حسب التي يمكن و يجب أن تدفع إلى الأمام كعامود فقري و قوّة محرّكة لهذه السيرورة الثوريّة ، لكن أيا من الطبقة الوسطى في هذه البلاد ، و من مختلف فئاتها التي يكون وضعها مغاير بدرجة ذات دلالة عن ما كانت عليه قبل خمسين سنة . و هذا يستدعى فهما حيويّا و معمّقا بإستمرار للموقع المادي و لنظرة – ظروف الحياة و التفكير العفوي - مختلف هذه الفئات من الشعب و كيف نخوض النضال الضروري لإحداث تغيير عميق في نظرة و قيم أعداد واسعة و نامية منها ، و كسبها للإنخراط الواعى النشيط و المتصاعد في السيرورة الثوريّة و هدفها الأسمى هو القضاء على كلّ علاقات الإستغلال و الإضطهاد ، كلّ العلاقات التناحريّة في صفوف البشر في كلّ مكان ، و كلّ العذاب و الكرب المرتبط بهذه العلاقات .
كلّ هذا – مجمل " إثراء ما العمل ؟ " بأسره – يعنى قطيعة جوهريّة مع الإقتصادويّة بكلّ أبعادها المتباينة التي تعرّضت لها بالحديث . و من الطرق التي يجرى بها التعبير بحيويّة عن هذا في ما يتعلّق بإضطهاد النساء و النضال من أجل تحرير النساء فقد وُجدت نزعة صلب الحركة الشيوعيّة نحو تقليص هذا ، مرّة أخرى ، إلى مجرّد مسألة إقتصاديّة - إلى تقليص النضال ضد إضطهاد النساء إلى مجرّد تغيير للنظام الإقتصادي . كما وُجدت طريقة وُضع بها ذلك في علاقة تناحريّة مع النضال ضد الإضطهاد القومي . و على سبيل المثال ، في ستّينات القرن العشرين ، وُجد خطّ مؤثّر جدّا ، بالمعنى السلبي، كان يشدّد على أنّه بالنسبة للسود ، لا يمكن إثارة إضطهاد النساء لأنّ الرجال السود قد إضطُهِدوا إضطهادا خبيثا ، و هذا الإضطهاد طبعا صحيح . بيد أنّه ، قبل كلّ شيء ، ماذا عن النساء و الطرق الفظيعة التي إضطُهدت بها عبر تاريخ هذه البلاد وصولا إلى يومنا هذا ؟ و أكثر جوهريّة حتّى ، ماذا عن تحرير الإنسانيّة جمعاء ؟ ماذا عن بلوغ " الكلّ الأربعة " بما فيها تلك العلاقة الإجتماعيّة العميقة التي نُسجت فى المجتمع الطبقي و تداخلت مع الإضطهاد الطبقي منذ بداية تقسيم المجتمع إلى مضطهِدين و مضطهَدين ، تحديدا مكانة النساء المضطهدات ؟
و وُجدت نزعات إقتصادويّة و قوميّة حتّى بإسم الشيوعيّة من حين لآخر ، خفّضت من أهمّية النضال من أجل تحرير النساء . و مع الشيوعيّة الجديدة ، أحد ركائزها ، هو الإعتراف بالدور المحوري و المركزي للنضال من أجل تحرير النساء و ترابطه مع و دوره الحيوي في السيرورة العامة للقضاء على كافة الإضطهاد و الإستغلال . و في علاقة ترابط و تداخل وثيقة مع هذا ، نلفى القطيعة الراديكاليّة التي أحدثتها الشيوعيّة الجديدة مع التاريخ السابق للحركة الشيوعية في ما يتّصل بالتوجّه الجنسيّ و العلاقات الجندريّة التقليديّة . فمن جهة ، بينما رئيسيّا أنجزت الحركة الشيوعيّة تاريخيّا إختراقات حيويّة في التحليل العلمي لجذور إضطهاد النساء ، و قاعدة إلغائه نهائيّا ، و علاقة ذلك بالتطوّر العام للمجتمع الإنساني و النضال من أجل إلغاء كافة علاقات الإستغلال و الإضطهاد - بشكل ملحوظ في العمل المؤسّس لإنجلز ، " أصل العائلة و الملكيّة الخاصة و الدولة " - و في الآن ذاته ، وُجد تأثير ثانوي على أنّ له دلالته ، داخل الحركة الشيوعية للبطرياركيّة التي ضمن أشياء أخرى ، قد تمظهر في الموقف السلبي إزاء التوجّه الجنسي و العلاقات الجندريّة التي هي في نزاع مع العلاقات الجندريّة التقليديّة – شيء " ورثناه " نحن الذين صرنا شيوعيين ثوريين نتيجة تمرّد ستّينات القرن العشرين ، عن الحركة الشيوعيّة و التقاليد القائمة و مارسناه لفترة من الزمن – لفترة زمنيّة طويلة جدّا - و قد وقعت في النهاية القطيعة معه كبعد من أهمّ أبعاد تطوّر الشيوعيّة الجديدة . و في القطيعة مع هذا ، لم تكن مقاربة الشيوعيّة الجديدة التذيّل لسياسة الهويّة و أصحاب النسبيّة و مناهج و مقاربات غير علميّة أخرى ، بما فيها الأبستيمولوجيا الشعبويّة ، و إنّما تطبيق منهج و مقاربة علميين لدراسة الجنسانيّة الإنسانيّة و العلاقات الجندريّة عبر التاريخ و كذلك في المجتمع المعاصر ، بما في ذلك التعلّم من و الإستخلاص من أعمال الآخرين الذين لا يملكون نظرة و مقاربة شيوعيتين و مع ذلك أنجزوا أعمالا هامة في ما يتّصل بهذه المسائل الحيويّة ، و كانت مواقفهم بهذا الشأن أكثر إنسجاما مع الواقع ممّا كان عليه الموقف التقليدي للحركة الشيوعيّة. ونتيجة كلّ هذا حصلنا على خلاصة علميّة تقدّم وبشكل مكثّف في" دستور الجمهوريّة الإشتراكية الجديدة في شمال أمريكا" الذى يشدّد على أنّ الغاية ليست مجرّد المساواة بين الرجال و النساء و إنّما " تخطّى كافة " القيود التقليدية " المتجسّدة فى الأدوار و التقسيمات الجندرية التقليدية و فى كافة العلاقات الإضطهادية المرتبطة بذلك ، فى جميع مجالات المجتمع و تمكين النساء تماما مثل الرجال ، من المساهمة و المشاركة فى كلّ مظهر من مظاهر النضال من أجل تغيير المجتمع و العالم ، فى سبيل إجتثاث العلاقات الإضطهادية و الإستغلالية كافة و القضاء عليها و تحرير الإنسانية جمعاء . " (41)
و نحتاج إلى فهم هذا في علاقة بتحرير النساء و تخطّى كافة الإضطهاد المرافق للعلاقات الجندريّة التقليديّة و كذلك بالمعنى العام ، أنّه فقط إن كنّا ننطلق من وجهة النظر الشيوعيّة ، بإعتراف معتمد على العلم بالحاجة إلى بلوغ " الكلّ الأربعة " – عندها فقط سنتمكّن من تخطّى الإنقسامات و التناحرات الممكنة في صفوف و بين شتّى فئات الشعب و عندها فقط سنتمكّن من التقدّم إلى المام بكلّ العناصر المتنوّعة من الصراع الضروري من أجل الثورة ، كما تمثّلها إلى درجة هامة " الخمسة أوقفوا ". لا شيء أقلّ من ذلك سيجعل من الممكن التخطّى التام للإنقسامات الموجودة عفويّا و المتعزّزة بإستمرار بالسير الموضوعي للنظام و بالأفعال الواعية لممثّليه من مختلف الأنواع . و بصفة متكرّرة تبحث الطبقة الحاكمة عن جعل فئات متنوّعة من الشعب تتخاصم و على خلاف أوهام " " فكر التقاطع " ، للطبقة الحاكمة وسائل عدّة قويّة للقيام بذلك إن لم نكن ننطلق من وجهة نظر تحرير الإنسانيّة جمعاء .
و ثمّة تاريخ كامل لقطاعات مختلفة من الشعب يهاجم الواحد الآخر . و لنا مثال مرير لجنود البيفالو [ بيفالو سلدجارس ] عقب الحرب الأهليّة - جنود سود قاتلوا لتركيع و قتل السكّان الأمريكيين الأصليين و سرقة أراضيهم - بينما في الحرب الأهليّة، ضمن السكّان الأمريكيين الأصليين المتباينين ، وقف البعض إلى جانب الإتّحاد الشمالي فيما وقف الآخرون إلى جانب كنفدراليّة الجنوب ، على أساس نظرة ضيّقة للمصالح المباشرة كلّ مجموعة منهم . و فقط بالإنطلاق من وجهة نظر الشيوعيّة بوسعنا أن نوحّد الجماهير الشعبيّة لتجاوز كلّ مظهر من مظاهر الإضطهاد و بلوغ " الكلّ الأربعة " . و هذا حيويّ بالمعنى العام و يصبح حادا بوجه خاص لمّا يتعلّق الأمر بقضيّة المرأة لأنّ هناك نزعة مستمرّة بما في ذلك داخل الحركة الشيوعية لربط هذا - أو عدم إطلاق التعبير الكامل عن هذا ، في المصالح المرئيّة للحظة القائمة ، و بنظرة ضيّقة إقتصادويّة بخصوص ما يجب أن يُشكّل حركة الطبقة العاملة أو الحركة الشيوعيّة . لذا ، من المكوّنات الهامة جدّا للشيوعيّة الجديدة الإعتراف بالحاجة إلى إطلاق التعبير الأكمل للنضال من أجل تحرير النساء و دوره الحيويّ و المحوري في علاقة بالنضال العام في سبيل تحقيق " الكلّ الأربعة ".
و بناء على ما تمّ نقاشه آنفا في ما يتّصل بالديمقراطية و طابعها و دورها في ظلّ شتّى الأنظمة و مع دكتاتوريّة شتّى الطبقات ، ثمّة ( كما وضعت ذلك في عنوان كتاب ) حاجة إلى " أن ننجز أفضل " من الديمقراطيّة . هذا عنصر من العناصر المفاتيح وكذلك أكثرها إثارة للجدال وهو عادة من عناصر الشيوعيّة الجديدة التي تتعرّض للهجوم ، لأسباب يمكن للمرء تصوّرها . و مرّة أخرى ، هناك تشديد ماو تسى تونغ الهام على واقع أنّ الديمقراطية جزء من البناء الفوقي . و مع الشيوعيّة الجديدة ، تطوّر هذا أكثر ليمنهج فهم أنّ تجاوز الإنقسامات الطبقيّة و الحكم الطبقي ( الدكتاتوريّة الطبقيّة ) يشمل كذلك تجاوز " الديمقراطية ". ( سأعرّج على المسألة لاحقا بإقتضاب ، لا سيما في إطار نقاش القيادة و تطوير الفهم الشيوعي لطبيعة الحزب الطليعي و لدوره ، في كلّ من قبل إفتكاك السلطة و بعده و تركيز الدكتاتوريّة الثوريّة للبروليتاريا ).
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++