العالم العربي .. بين التوغل في التيه و تغول الأزمة البنيوية الشاملة !

حسام تيمور
2020 / 1 / 20

أذكر جيدا عبارة من حوار صحفي، للشاعر "آدونيس"، سنة 2011، و بالذات ابان فترة ما سمي بالربيع العربي! كانت العبارة بمثابة جواب، على سؤال، طرحه هو نفسه، في معرض استرسال حديثه المتفلسف ..
"ماذا سنخسر بسقوط نظام آخر أو أكثر ؟ ... لا شيئ !"

كان الشاعر هنا، ربما، باستحضار السياق الزمني، يلمح تحديدا للبلدان اللم تفتح ابواب ساحاتها لشعارات المرحلة، أو لشعار نزل من "العدم"، يقول "الشعب يريد، اسقاط النظام".. و كفى !
يطرح هنا اشكال عميق، ليس في الشكل الذي قد يتخذه الفعل الاجتماعي هنا أو هناك، أو المنطق/اللامنطق الذي يوحد العقل الجمعي أي الفعل الجماعي، صوب وجهة معينة، بل أساسا ، فيما يخص الميكانيزمات التي يمكن لها أن تفعل هذا الشعار لواقع، أو أن تزيح عنه لبس الواقع نفسه !
ماذا يقصد بالنظام ؟ بعيدا عن كل ما هو أكاديمي أو ايديولوجي ؟! لم يجب أحد الى يومنا هذا عن هذا السؤال، و هو سؤال ربما بدون جواب !؟
هل نقصد به، نقيضا ايديولوجيا، خصما سياسيا، منظومة نهب و استغلال ؟ آلة مسخ ثقافي أو افساد اجتماعي ؟
لا يمكن ايجاد "صيغة موحدة" لهذا التعريف، بل لا يمكن ايجاد حتى ارضية توافقية، لصياغة "صيغة هجينة"، توافقية أيضا، أو توفيقية بين مختلف هذه التعبيرات عن مظاهر الأزمة الشاملة، و التي يختزنها كل نظام على امتداد مؤسساته و أجهزته و منظوماته، بجرعات متباينة بطبيعة الحال ! و أيضا، و هو الأهم، بواقع تأثير مختلف من بيئة لأخرى، من عينة مجتمعية لأخرى، من جماعة لأخرى، من أقلية لأخرى .. لأكثرية لأخرى !!
نلاحظ مثلا، وسط كل متاهات الشرق الأوسط ، كيف أن هناك "أقلية" عرقية/ مذهبية، في سوريا، تستحوذ على كل شيئ،
و هي أقلية "العلويبن"، بينما تترسخ في العقل الجمعي العربي، لما بعد "سايكس بيكو"، فكرة أن الأقلية في شكلها العرقي أو المذهبي أو القبلي، مرادف للاضطهاد و القهر و التمييز السلبي ! و أن الاستبداد، مرتبط دائما و حصرا، ب "الفئة" التي تمارسه، أي بالمعنى أو المفهوم الفئوي/الطبقي، و المكونات الدائرة في فلكه بعيدا عن أشكال التميبز العرقي/المذهبي/الطائفي/القبلي ! بين مختلف عناصر منظوماته، طبعا بعد الدخول في اطار العقيدة الايديولوجية السائدة التي يتبناها هذا النظام أو ذاك، أي ما يوصف في ادبيات التيولوجيا ب "دين الملك".
نجد في العراق بعد تفكيك "خردة ايديولوجيا البعث" هناك، و في لبنان، بعد سنوات من "العبث، اللاوطني" .. و بشكل أكثر تعقيدا ! نجد "سايكس بيكو" أخرى .. ليس مصغرة، كما يقال بالتوصيف الفضفاض، عن التخريب و تخريب التخريب، بل عن مختبرات لانتاج و استيراد و تصدير الفوضى و العبث بشكل غير متوقف و لا محدود! أي بالتدقيق اللغوي، "ساكس بيكو" مضغوطة !!
أي التنزيل المادي للخريطة بمعناها الشمولي، ضمن اطار القطر الواحد، و تعميم ذلك التنزيل، بما يزيد من احكام محاصرة أي محاولة لاحتواء الفوضى أو الصراخ في وجه "العبث"، حتى و ان كان منبع هذه الارادة، ارادة سلطة ناشئة، أو نظام بديل ! أو تغيير طارئ يعكس حاجة ظرفية أو ضرورة مرحلية للخروج من متاهة الشرق الأوسط، أو "الحمار" الذي يدور حول نفس المكان منذ ذلك التاريخ، أي تاريخ "سايكس بيكو"!


ماذا سيخسر الشرق الأوسط ؟
لا شيئ ..!!

لم يعد ل "البيت" الا سقف مهترئ، و لم يبق لانظمة "الحكم" الا باب صدئ !!

و ربما يكون هذا "الاستبداد" نفسه، قد وصل لمرحلة القيام بالثورة، خصوصا بعد استشعاره لقرب نهاية تاريخ صلاحيته !

"حسام تيمور"
20/01/2020