غياب السلطان قابوس.. وانتهاء مرحلة

رياض حسن محرم
2020 / 1 / 12

فى الثالث والعشرين من يوليو عام 1970 حدث أول تحول إنقلابى فى سلطنة عمان، وهو تاريخ انقلاب قابوس بن سعيد على أبوه "سعيد بن تيمور" وتوليه للسلطة، مع خروج الوالد الى بريطانيا "بحجة العلاج"، ليظل هناك حتى توافيه المنية، وكان لهذا الحدث "الإنقلاب" خلفيات كثيرة.
حينما اعتلى السلطان قابوس الحكم فى عمان كانت البلاد فى حالة متفككة ومتصارعة، فمن ثورات الأئمة فى عمان الداخل، والتى أعطتهم اتفاقية "السيب" (التى عقدها الإنجليز عام 1920) إستقلالا شبه كامل، بينما سيطر ثوار " الجبهة الشعبية لتحرير ظفار" على مجمل المحافظة الجنوبية، وعاصمتها "صلالة" تقريبا"، بينما كان السلطان سعيد يحكم "بالكاد" مدينة مسقط ومطرح وجزء من ساحل عمان، وأمام هذا الوضع المأساوى، ومع اكتشاف النفط عام 1967 فى منطقة فهود، قرر الإنجليز الإنقلاب على سعيد بن تيمور واستبداله بابنه الوحيد "قابوس" سلطانا على البلاد، فى نفس الوقت كانت تعمل على تغيير حكم الشيخ "شخبوط" فى دبى والمجيئ ب"زايد" لنفس السبب، كما غيرت الشيخ أحمد فى قطربخليفة، وكذلك فى باقى مشيخات الخليج.
ولد قابوس بن سعيد فى مدينة صلالة فى نوفمبر عام 1940، وبدأ حياته بتعلم اللغة العربية ومبادئ الدين والعلوم على يد الشيخ سالم الغسانى، بعدها مباشرة أرسله والده الى بريطانيا للدراسة (حيث كانت بريطانيا حريصة على تنشأة حكام المستقبل على النظريات الإستعمارية)، حيث درس أولاً في كلية خاصة منذ 1958 وما بعدها، ثم في الأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست. وخدم كضابط في الجيش البريطاني في جمهورية ألمانيا الاتحادية لفترة قصيرة. عام 1965، بعد دراسات عليا في لندن وقيامه بجولة حول العالم، عاد الى السلطنة عام 1964 حيث أمر والده بوضعه فى السجن، خوفا من ترتيبه لإنقلاب ضده، وكانت والدته قد زوجته من إبنة عمه قبل سفره ولكنه طلقها سريعا ولم ينجب منها، ولم يتزوج بعدها أبدا.
قبيل خروج الإنجليز من منطقة الخليج (وخاصة بعد اجبارها على الإنسحاب من مصر فى أعقاب حرب 1956 وبعد اندلاع حرب التحرير ضدها فى جنوب اليمن) عملت على ترتيب اوضاع المنطقة والمجيئ بحكام اكثر عصرية، فى عمان سعت بريطانا الى الإتفاق مع العقيد "سالم بن سعيد" مسؤول السجن الذى وضع به قابوس للإفراج عنه، وتم نقله مباشرة الى القصر السلطانى بمسقط لتولى مقاليد السلطة " (عين بعدها سالم بن سعيد رئيسا للديوان السلطانى وحقق ثروة فاحشة)، وسعى الضابط الشاب قابوس بعدها لتحقيق قفزة سريعة فى أوضاع السلطنة.
كان الطيران البريطانى يقصف يوميا ثوار ظفار والقلاع والحصون بالولايات المتمردة، ولكن ذلك لم يعد وحده كافيا أمام تقدم الثوار فى صلالة المدعومين من "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية"، والأئمة فى الداخل، فكان أن تم ترتيب تدخل عسكرى من قبل الجيش الإيرانى للشاه محمد رضا بهلوى، مع بعض قوات أردنية من قبل الملك حسين بن طلال وبمساعدة سلاح الجو البريطانى تم سحق الثورة والتمرد وتمهيد الأرض تحت أقدام السلطان قابوس.
لكن والحق يقال فقد لعب السلطان الشاب قابوس دورا تصالحيا بامتياز، فقد ساهم فى احتضان العناصر المنشقة عن "الجبهة الشعبية لتحرير ظفار"، وكان فى باكورتهم "يوسف بن علوى بن عبد الله" (الذى شغل منصب سكرتير عام للجبهة لفترة قصيرة) وتم تعيينه وزير دولة للشئون الخارجية من منتصف السبعينات حتى الآن، (للعلم فإن السلطان قابوس كان يشغل الى جانب منصبه وظائف (رئيس مجلس الوزراء، ووزير الدفاع، والخارجية، والمالية، ورئيس المجلس الأعلى للتخطيط، وحاكم البنك المركزي، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، والرئيس الأعلى للقضاء"، بالإضافة الى أن الدولة كانت معسكرة بشكل كامل، ومعظم الوظائف المدنية يسمى رؤسائها "ضباطا اداريين")، بالإضافة الى تعيين عددا من الشيوعيين السابقين بالجبهة فى مناصب وزارية وادارية رفيعة، على سبيل المثال تم تعيين الدكتور "سلامة حافظ رجب" وزيرا للزراعة وزوجته الروسية د. أنّا رجب بوزارة الصحة وآخرين منهم "عبد القادر الغسانى" مديرا للتعليم بصلالة، وكثيرين غيرهم.
من ناحية أخرى تم تعيين عددا من أبناء الأئمة "الإباضييين" فى وظائف ولاة للولايات وسفراء للسلطنة وأجرى لغيرهم من الأئمة رواتب مجزية، وحتى العمانيين الذين هربوا من إفريقيا "بعد الثورة فى زنجبار 1964" تم استيعابهم فى الجهاز الإدارى للدولة، وصالح الأقليات من الشيعة والبهائيين، وقام بالقضاء نهائيا على بقايا العبودية، كما تمت عودة جميع من تركوا السلطنة خوفا أو قهرا أو تمردا زمن سعيد بن تيمور مرّة أخرى، كما اهتم قابوس بشكل جاد وعملى على تطوير كافة مناحى الحياة فى السلطنة وعلى رأسها الصحة والتعليم، ففتح المدارس التي كانت ثلاث مدارس فقط بدائية في بداية عام 1970، وأسس المستشفيات التي كانت لا تزيد على مستشفيين تقليديين فقط في مسقط وصلالة.
فى بداية العا 2011 وتزامنا مع ثورتى تونس ومصر، حدثت هبّة كبيرة تركزت فى منطقتى صحار وصلالة، ورغم مطالب الإصلاع العامة كرفع مستوى الديموقراطية وحرية الصحافة وغيرها، الا أن صلب تلك المطالب كان تحقيق العدالة الاجتماعية, وزيادة الرواتب ومستحقات الضمان الاجتماعي, وإيجاد فرص عمل للعاطلين، وردد المتظاهرون هتافات تطالب بمحاربة الفساد المالي والإداري وغلاء الأسعار، وتحقيق العدالة الاجتماعية، مرددين شعارات من قبيل "لا للفساد" و"يدا بيد مع السلطان ضد الفساد" و"الحرية للجميع" و"العدالة للجميع" و"كلنا شركاء في الوطن"، وأشار شهود إلى أن ثمانية أشخاص على الأقل أُصيبوا بجروح أثناء المصادمات بينما قتل شخص واحد على الأقل، دون معرفة مدى خطورتها. وقد وُضعت المتاريس على الطريق الرئيسية التي تربط بين صحار ومسقط. هذا وقد أفرجت السلطات العمانية عن الذين اعتقلوا في التظاهرات، وانتظرت الحكومة نحو شهر لترد على هذه المسيرات السلمية برفع الحد الأدنى للأجور للقوى العاملة الوطنية في القطاعين الحكومى والخاص، بعدها مباشرة أعلن السلطان قابوس اقالة كامل حكومته بصورة مفاجئة فقام بإقالة جميع الوزراء وتم تعيين قائمة جديدة بوزراء جدد ولم يستثني منهم سوى وزيرين فقط، الأول يوسف بن علوي وزير الشؤون الخارجية، والثانية راوية البوسعيدية وزيرة التعليم العالي.
بالإضافة الى ذلك فقد أمر السلطان قابوس برفع المخصصات المالية الشهرية لطلبة الكليات والمعاهد والمراكز الحكومية التابعة لوزارة التعليم العالي ووزارة القوى العاملة.كما أمر بإنشاء هيئة مستقلة لحماية المستهلك.في حين أمر السلطان قابوس بن سعيد بتوفير 50 ألف فرصة عمل للعاطلين, مع منح مبلغ 150 ريالا عمانيا (388 دولارا) شهريا لكل عاطل من المسجلين لدى وزارة القوى العاملة إلى أن يجد عملا، وبذلك استطاع قابوس امتصاص تلك الحالة من الغضب، وتمكن من ايقاف تلك االهبة التى اعتبر فيها المتظاهرين أنهم خرجوا منها منتصرين. السلام عليكم.