عن الإسلام السياسى وقضية مصافحة النساء

رياض حسن محرم
2020 / 1 / 10

تم توظيف "الإسلام السياسى" ليلعب دورا رئيسيا فى إعادة قضايا كانت قد تركت قرونا الى الصدارة، وعلى رأسها قضايا مثل الحجاب ومصافحة النساء، هذه القضايا التى لم يثبت حجيتها شرعا، لقد تجاوزها الزمن بقرون، وهى فى الأصل مكتسبة من ثقافات وعادات سابقة لها، كما أثبت كثير من المحدثين فى موضوع الحجاب وأنه كان يمارس فى ديانات سابقة لظهور الإسلام، وبالنسبة لموضوع مصافحة النساء فظنى أنه قديم أيضا، أذكر أثناء عملى بالخليج واختلاطى بالمجتمعات الآسيوية ومن ضمنها الطائفة الهندية، أن النساء الهندوسيات لا يصافحن الرجال باليد،"رغم ارتدائهن للسارى الذى يكشف منطقة البطن كاملة"، وكن فى حالات الضرورة وحين يمد أحدنا يده للسلام عليهن أن يصافحنه بأطراف أصابعهن فقط، وفى ذلك ديانات وملل أخرى.
عندما ظهر الإسلام الإسلام السياسى "فى طبعته الجديدة" منذ العام 1965، حين تم إكتشاف خلية "سيد قطب"، وظهرت للملأ نظريته فى الحاكمية والخلافة " التى نقلها نصا عن أبو الأعلى المودودى من القارة الهندية"، واستعاد الإخوان المسلمين بتلك الأفكار سطوتهم وسيطرتهم على بقية أطياف الإسلام السياسى، من "حزب التحرير" وغيره، وحتى الذين عارضوا تلك الأفكار كالمرشد العام للجماعة وقتها المستشار "حسن الهضيبى" فى الكتيب المنسوب له (دعاة لا قضاة)، فقد كانت تلك المعارضة شكلية، وساد داخل الجماعة تيار جارف يمجد "الشهيد سيد قطب" ويعيد نشر كتابيه "فى ظلال القرآن ومعالم فى الطريق"، وعملوا سريعا على تأصيل بعض المظاهر الوافدة ونشرها فى المجتمعات الإسلامية كدليل على مدى رسوخهم وقوتهم كموضوعة الدعوة لتحجيب النساء "وزايد عليهم السلفيين فيما بعد بقضية النقاب"، وقد ساعد على تمددهم وقوتهم حدوث هزيمة 1967 وانكسار الحلم القومى فى مختلف البلدان العربية والإسلامية، تلا ذلك العبور العظيم فى اكتوبر1973 تحت راية "الله أكبر" وقيادة الرئيس المؤمن.
المشكلة فى محاولة استعادة ممارسات وعادات صحراوية "كانت قد تجاوزتها مجتمعاتنا بأزمان"، وكأن أسلافنا لم يكونوا يعرفون دينهم الحقيقى، بل والحماس الشديد لها وكأنما هى عماد الدين وسنام الإسلام، أذكر فى لقاء متلفز مع أحد قيادات ما يعرف بتنظيم "الفنية العسكرية" الذى أسسه الفلسطينى "صالح سرية" وسبق الجميع بمحاولة الإنقلاب على السادات عام 1974، يذكر ذلك القيادى أنه أثناء التحقيق معهم فى مقر نيابة أمن الدولة بمنطقة لاظوغلى، واثناء افتراشهم الأرض فى انتظار دورهم فى التحقيق، أن دخلت مسرعة سيدة وقور بصحبة أحد المخبرين، الذى قادها الى المصعد لمقابلة وكيل النيابة، وما أن رآها زميلهم "طلال الأنصارى" حتى قفز مسرعا اليها مادا يده للسلام (يقول ذلك القيادى: ولم نكن نعلم حكم مصافحة النساء بعد)، الى هذا الحد كانت أحكام بديهيية غير معروفة للخاصة، أم هى محاولة لترسيخ مفاهيم جديدة "تخص تلك الظاهرة" فى وسط المجتمعات الإسلامية، حتى موضوع أهم وهو عملية الحجاب كان مهملا بين قادة جماعة الإخوان ونساؤهم وبناتهم لحين استجلابه مرّة أخرى.
اسمحولى أن أذكر فى هذا المجال مثلا يدلل عن فهم وتغلغل الفهم المعتدل للإسلام بين جموع المسلمين قبل هجوم الإسلام السياسى، كنت وقتها فى العقد الأول من عمرى حينما طلبت منى والدتى أن أرافقها لتقضية واجب عزاء فى الجهه الأخرى من قريتنا الصغيرة، وبينما نحن فى الطريق وصوت المقرئ يتهادى الى مسامعنا، اذا بها فجأة تطلب منى أن أدارى عليها وتهبط الى الأرض التراب، وحين سألتها لأفهم ما حدث أخبرتنى أنها سمعت من المقرئ سجدة تلاوة فسجدت، ذلكم هم أهلنا البسطاء الأميين ومدى فهمهم للدين الذين لم يكونوا فى حاجة لحسن البنا أو سيد قطب لإعادة تعريفهم به.
عودة لموضوع مصافحة النساء، يكاد يجمع كافة المشايخ على أنه لا يحل لرجل يؤمن بالله ورسوله أن يضع يده في يد امرأة لا تحل له أو ليست من محارمه ، ويذكرون فى ذلك حديثا عن الرسول الكريم نصه " لئن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له"، ومثله مصافحة العجائز ، فهي حرام لعموم النصوص في ذلك ، وما ورد في ذلك من الإباحة فهو ضعيف.
فى مقابل كل هذا التشديد توجد فى كتب الحديث والسيركثير من أقوال وأفعال الرسول التى تناقض ذلك، خذ عندك مثلا تلك الرواية (روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «إنه كانت الأمة من إماء المدينة تأخذ بيد رسول الله r فتنطلق به حيث شاءت»، وفي رواية أحمد وابن ماجه «فما ينزع يده من يدها»)، وماذا يقول هؤلاء الرواة فى ما جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله r كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت ، فدخل عليها رسول الله فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك.
أنّ الترويج لفتاوى رفض المصافحة بين الجنسين من المنظور الإسلامي، حتى إن كان فكراً ذكورياً، إلّا أنّ كثيرات من النساء أنفسهن يتمسكن به، وهذا يقودنا إلى أنّ الأصوليات التي تعزّز الذكورية تعتمد على ترسيخها لدى النساء منذ الصغر، لتصبح النساء مؤمنات بأنهنّ عورات، فتصبح المرأة أكبر داعية للأصولية التي تجعل منها مصدراً للغواية، فعلى سبيل المثال: نذكر واقعة رفض طالبة لمصافحة رئيس جامعة الأزهر (آنذاك) د. أحمد الطيب، عام 2008، أثناء تسليمه إياها شهادة تقدير للتفوق العلمي، تحت زعم أن المصافحة بين الجنسين حرام، وهذا خلاصة ما تعلمته من الأزهر.
فى تقديرى إن من تثيره الشهوة عند مصافحة المرأة فإن دماغه و عقله لا يقدر المرأة كإنسان و كنصف المجتمع بل يرى فيها آلة لتفريغ الشهوة الحيوانية فقط، لقد تغيرت الظروف التي مكّنت المرأة من تقلّد مناصب قضائية وبرلمانية ووزارية، وتغيرت ظروف تعليم وسفر المرأة، وظلت فتوى المصافحة بحائل أو عدم جواز المصافحة من الفتاوى التي تسيطر على العقل الجمعي للشعوب؛ فالمرأة خرجت من منزلها، لكنّها ظلت في التخيل الذهني "عورة"، وهو تخيل لا يمكن أن نناقشه دون مواجهة نظرة التراث للمرأة، على أنّها مصدر الغواية، منذ حواء التى أغوت آدم وأخرجته من الجنة، حتى الآن، أنّ النصوص التي يستند إليها الشيوخ في جواز المصافحة، تدل على أنّ عقل بعض المجددين أنفسهم لم يتجاوز صورة المرأة التي تتحدث "من خلف حجاب، إنّ قضية فتاوى مصافحة النساء، التي اعتبرنا أنّ لا أهمية لها، تصبّ في قلب هذه التفاصيل البسيطة التي تكشف لنا أزمات التجديد في الفكر الديني.