الرأسمالية المعولمة وروح العسكرة والعدوان

لطفي حاتم
2019 / 12 / 28

--اتسم أسلوب الانتاج الرأسمالي ومنذ نشؤه بنزعتي التطور والتسيد عبر انتقاله من مرحلة الى أخرى قاطراً وراءه التشكيلات الاجتماعية في الدول الوطنية وقواها الطبقية نحو التبدل والتغير.
-- رغم الروح التجديدية للتشكيلة الرأسمالية ومرورها بمراحل مختلفة منها – رأسمالية المنافسة الوطنية – الدولة الاحتكارية -العولمة الرأسمالية - الا ان ميولها التدخلية وروحها العسكرية كانت ولازالت تتحكم في مساراتها التجديدية وأساليب هيمنتها الدولية وبهذا المنحى شكل قانون المنافسة الرأسمالية الدولية المحرك الاساسي للتدخلات الرأسمالية المتواصلة.
-- أسلوب الإنتاج الرأسمالي ومراحل تطوره المختلفة ترابط ونزوع دائم نحو الهيمنة والاحتكار وسعيه المتواصل الى ربط أسواق الدول الرأسمالية والدول الوطنية بتطور حركته الاحتكارية.
انطلاقا من نزعات التغيير والتبدل والهيمنة أحاول مواكبة ورصد تغيرات أسلوب الإنتاج الرأسمالي بمراحله التطورية المختلفة وصولا الى مرحلته المعولمة وانعكاساتها على الدول الرأسمالية والوطنية ناهيك عن تأثيراتها على العلاقات الدولية.
أولا-- التوسع الرأسمالي في إطاره الوطني
-- خاضت الرأسمالية ومنذ نشوئها كفاحا وطنيا - سياسيا متواصلا اشترطته مواجهة أساليب الإنتاج القديمة المعيقة لتطورها الناهض وبهذا المسار خاضت الطبقة البرجوازية الحاملة لمشاريع التطور والتغيير كفاحا متعدد الأشكال -اقتصاديا وطبقيا – معتمدةً أساليب كفاحية مختلفة تارة عبر الثورات الاجتماعية بهدف الإطاحة بخصومها الطبقيين وأخرى عبر الاصلاحات التدريجية والمساومات التاريخية مع الطبقات الاجتماعية المناهضة لسيادتها الطبقية مؤكدة – الطبقة البرجوازية - طيلة مراحلها تطورها التاريخي على قدرتها السياسية الاقتصادية على قيادة تشكيلتها الوطنية الاجتماعية نحو التغير الاقتصادي- الاجتماعي المتواصل.
-- ان التغيرات الملازمة للتشكيلة الاجتماعية الرأسمالية نابعة من دينامية حركتها التوسعية المرتكزة على المنافسة الرأسمالية والخشية من الركود المفضي الى الخراب الاقتصادي.
-- روح التغيير والتجديد الملازمتان لفعالية الطبقة البرجوازية الهادفة الى سيادة وتطور أسلوبها الإنتاجي ترابطت واندلاع الصراعات الطبقية في التشكيلات الرأسمالية والتي عملت البرجوازية الوطنية الحاكمة على احتواء النزاعات الطبقية التي خاضتها وتخوضها الطبقة العاملة وحلفائها عبر تنازلات اقتصادية - سياسية ضامنة لصيانة مصالح الطبقة البرجوازية وعاملة على تفكيك محركات الروح الثورية للطبقة العاملة.

ثانيا -- المنافسة الرأسمالية الدولية
-- دفعت روح الهيمنة والسيطرة على الأسواق الدولية والتحكم بثروات الدول الوطنية الامبريالية الناهضة الى مباركة الانقلابات العسكرية الداخلية وتبرير الغزوات العسكرية الدولية ناهيك عن اشعالها – الامبريالية- للحروب العالمية والأهلية التي اشاعت الخراب والدمار في دول العالم وقواها الاجتماعية.
--أنتجت مرحلة المنافسة من تطور الرأسمالية وبعد الحروب الكونية الطاحنة قوانين العقوبات الاقتصادية ومحاصرة الدول الاشتراكية وحركات التحرر الوطنية ومنعها من التحول الى نماذج اجتماعية قائمة على التنمية المستقلة وقادرة على حل التناقضات الوطنية.
ثالثاً -- المرحلة الرأسمالية الاحتكارية
حاولت الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية تحجيم المنافسة الرأسمالية بين الدول الكبرى عبر احتكاراتها الدولية التي تم بنائها بمشاركة الدول الرأسمالية الأخرى هادفة بذلك الى التدخل في شؤونها الداخلية ناهيك عن انتهاكها لسيادة الدول الوطنية وقوانين الشرعية الدولية.
-- محاصرة الدول الاشتراكية وانتهاك العلاقات الدولية ترافق وتشجيع الدول الرأسمالية الكبرى الى مساندة القوى المدنية والعسكرية الموالية لنهوجها التدخلية وتشجيعها على احتلال مواقع رئيسية في الحياة السياسية الوطنية.
-- محاولات بناء المصالح الرأسمالية الدولية المشتركة من خلال نشوء وتطور الاحتكارات الدولية لم يمنع البرجوازيات الوطنية من المنافسة بين دولها بهدف التحكم في اقتصادات الدول الوطنية.
رابعا -- مرحلة الرأسمالية المعولمة
--افضى انهيار النظم الاشتراكية الى عولمة التوسع الرأسمالي وما نتج عن ذلك من هيمنة أسلوب الإنتاج الرأسمالي عالمياً وارتكازه على ثلاث مستويات للتطور الرأسمالي تتقدمها-
أولاً- الرأسمالية المعولمة التي تسعى الى أزاحت مفاهيم القومية والوطنية المتجذرة في العلاقات الدولية – الوطنية.
ثانياً- الرأسمالية الاحتكارية في البلدان الرأسمالية المتطورة التي تتشبث بفكرها القومي وسيادتها الوطنية.
ثالثاً- الدول الوطنية التي تسعى الى تفعيل مفهوم الوطنية عبر تحالف طبقاتها الاجتماعية والمساواة في العلاقات الدولية.
-- افرزت مستويات الرأسمالية الثلاث وبسبب تطورها المتفاوت علاقات دولية متعارضة ففي الوقت الذي تسعى الرأسمالية المعولمة الى السيادة الدولية متخطية مفاهيم الوطنية والقومية تسعى الدول الرأسمالية المتطورة الى التشبث بمفاهيم القومية لصد تأثيرات العولمة الرأسمالية بينما تجاهد دول المستوى الثالث الى بناء الوحدة الوطنية كجدار لصد ميول التبعية والتهميش.
--ان عالمنا المعاصر رغم وحدة دوله الرأسمالية تنهشه تناقضات سياسية خطيرة عاملة على تفكيك وحدته الشكلية الأمر الذي يتطلب تحديد العوامل الناخرة في العلاقات الدولية والتي اجدها في المحددات التالية –
1 -- التناقض بين الهيمنة والسيادة الوطنية
تسعى الرأسمالية المعولمة الى الهيمنة الدولية وبهذا المسار تعمل الطواقم المتحكمة في الرأسمالية المعولمة على احتواء النزعات القومية والوطنية في الطوابق الرأسمالية الأدنى من خلال محاولة اخضاع الدول الرأسمالية والوطنية للتبعية والإلحاق بالاحتكارات الدولية.
2 – تزايد التدخلات العسكرية
تعمل الرأسمالية المعولمة على تشديد النزعة العسكرية بهدف التفوق الدولي
وإخضاع طوابق الدول الرأسمالية الأخرى لاحتكاراتها الدولية وبهذا المنحى نرى ان المغامرات العسكرية التي تعتمدها الرأسمالية المعولمة في العلاقات الدولية تترافق والتدخلات السياسية المتزايدة في الشؤن الداخلية ومساندة التناقضات الاجتماعية بما يخدم المصالح الدولية.
3– التدخلات في الشؤن الوطنية
يتجلى تدخلات الرأسمالية المعولمة في الشؤن الوطنية للدول الأخرى عبر اشكال متعددة منها مساندة القوى الطبقية الحليفة للوافد الأجنبي --البرجوازية الكمبورادورية وبعض فصائل البرجوازية المالية-- ومنها التدخل العسكري المباشر ناهيك عن الضغوطات الاقتصادية والعزل الدبلوماسي.
ان التدخل في الشؤن الوطنية يشير الى أولوية المصالح الخارجية في العلاقات الدولية على المصالح الوطنية.
4-- اعلاء القوانين الوطنية على القوانين الدولية
تسعى الرأسمالية المعولمة الى اعلاء قوانينها الوطنية على القوانين الدولية في محاولة منها لاعتماد قوانينها الوطنية في العلاقات الدولية بعيدا عن الشرعية الدولية التي تحاول الرأسمالية المعولمة تحجيم فاعليتها الدولية عبر اجهاض مبدأ السيادة الوطنية.


خامساً - الوحدة الدولية المناهضة للعسكرة والتهميش
-- مجابهة نهوج العسكرة والتهميش التي تحملها الرأسمالية المعولمة تتطلب من الدول الرأسمالية المتطورة والدول الوطنية التصدي المشترك لتلك النهوج السياسية وما تحملها من خراب وصراعات دولية-- وطنية.
انطلاقا من ميول الرأسمالية المعولمة ومخاطر التبعية والتهميش على مصير الدول الوطنية وتشكيلاتها الاجتماعية لابد من تفعيل العمل الدولي المشترك المرتكز كما يتبدى في الموضوعات التالية-
أولا – تفعيل برنامج الوطنية الديمقراطية الهادف الى انجاز المهام التالية --
أ - بناء الدول الوطنية ونظمها السياسية على قاعدة الديمقراطية السياسية وتطوير التحالفات الوطنية المرتكزة على المساومات الطبقية.
ب - التركيز على إبعاد الدولة الوطنية عن التبعية والتهميش وصيانة مصالح التشكيلة الاجتماعية الوطنية من خلال مراعاة المصالح الاجتماعية لمكوناتها الطبقية.
ج – التصدي لميول الرأسمالية المعولمة الهادفة الى التدخل في النزاعات الوطنية لمساعدة الطبقات الفرعية والتركيز على خيار التنمية الوطنية.
ثانيا– بناء علاقات دولية مع الدول الرأسمالية الأخرى على اساس موازنة المصالح الدولية الوطنية والقومية.
ثالثاً -- التصدي للغزوات العسكرية الخارجية الهادفة الى مساندة الطبقات الفرعية - البرجوازية الكمبورادورية وشرائح الرأسمالية الربوية --بهدف حماية توجهاتها الموالية للرأسمالية المعولمة.
رابعاً – الكفاح ضد العسكرة والهيمنة في العلاقات الدولية وإدانة سياسة التدخل في الشؤن النزاعات الوطنية.
ان الآراء والأفكار المشار اليها تستمد شرعيتها من انقسام العالم الى طوابق رأسمالية متنازعة وما يتطلبه ذلك من تحشيد القوى الاجتماعية والدولية في الكفاح الهادف الى بناء عالم يتسم بديمقراطية العلاقات الدولية رافضاً للهيمنة والعسكرة والالحاق.