احتجاجات فرنسا... أزمة الاقتصاد والديمقراطية

عصام شعبان حسن
2019 / 12 / 25

تجددت الاحتجاجات الاجتماعية في فرنسا، بعد عام من مظاهرات السترات الصفراء، هذه المرة يقود الاحتجاج نقابات عمالية ومهنية، رافضة لمشروع التقاعد.
التحركات الأخيرة أكثر تنظيما وتماسكا، بحكم وجود قياديون لها ينتمون إلى مؤسسات عمالية، فضلا عن أنها تختلف عن السترات الصفراء في كونها محدودة في مطالبها، فهي من نوع الاحتجاج ذي الهدف الواحد، أعضاؤها أغلبهم متجانسون، لكن القانون المطروح لا ينفصل عن خلفية احتجاجات السترات الصفراء، وهو الأمر الذي أعلنه رئيس الوزراء الفرنسي يوم 10 ديسمبر/ كانون الأول.

وسواء كان قانون التقاعد أو الضريبة المفروضة على الوقود والتي مثلت شرارة انطلاق مظاهرات السترات الصفراء، إلا أن كليهما يأتي ضمن سياقات البرنامج الإصلاحي الذي أعلنه إيمانويل ماكرون بداية سبتمبر/ أيلول 2018، والذى يتضمن خططا لتعويض عجز الموازنة، وزيادة معدلات النمو.

ويعتمد البرنامج بشكل أساسي على إجراءات تقشفية، سيتحمل شرائح من الفقراء والعمال والطبقة الوسطى عبأها، ككل إجراءات التقشف، التي تبدأ بتقليص بنود الرعاية الاجتماعية وزيادة الضرائب على السلع والخدمات، سياسات ضريبية واجتماعية ظالمة، منها، حسب ما أعلنت الحكومة، خفض العاملين في قطاعات الدولة، وزيادة الاستثمارات عبر تحرير رأس المال والمستثمرين من القيود المتعلقة بظروف وساعات العمل والأجور، مما يضر بالعمالة ويجعل ظروف عملها صعبة.

على جانب أخر تتضمن الخطة منح إعفاءات ضريبية للشركات الكبرى ورؤوس الأموال، وهو ما بدأت تنفيذه فرنسا فعليا خلال 2018، ووعدت بتخفيض الضرائب على المستثمرين بقيمة 10 مليارات يورو مع بداية 2020 .

منطلقات الاحتجاج

السترات الصفراء والتحركات النقابية كلا النموذجين وغيرهما من تحركات أخرى طلابية وفلاحية كبيرة عرفتها فرنسا، في سنوات سابقة، تؤشر بأن البلد الذي يعد من الدول ذات الدخل المرتفع، حسب تصنيف البنك الدولي، تواجه فيه فئات عديدة، مشكلات وتحديات اقتصادية واجتماعية، في القلب منها ما يراه المحتجون تهديداً لوضعهم المعيشي وانخفاض القوة الشرائية، الذى يبدو محركا أساسيا للاحتجاج، يعيدنا ذلك إلى ضرورة تحليل أوضاع البلدان بأدوات طبقية، تأخذ في الاعتبار اوضاع الفئات الاجتماعية وليس وحسب الارتكاز على مؤشرات النمو وحجم الاستثمارات، أي العودة إلى السؤال الأساسي: من يجني ثمار النمو، ومن يملك ومن لا يملك، أين تذهب الثروات والأرباح.

ليست مظاهر أزمة شرائح طبقية واسعة، من عمال ومتقاعدين وطلاب وشباب، قاصرة على فرنسا، بل تمتد لمناطق أخرى في أوروبا، وهي ليست محل اهتمام حركات مناهضة الرأسمالية، بل تقلق متخذي القرار في أوروبا أيضا، يبحثون عن أفق للحل، زيادة الاستثمارات، توفير فرص عمل، مواجهة الفقر، لكنهم غالبا ما يطبقون ذات السياسات التي تنتج الأزمة ببرامجهم التقشفية.

ديمقراطية لا تنتج اقتصادا عادلا

تكشف الحركات الاحتجاجية ذات المطالب الاقتصادية عن أزمة الديمقراطية الليبرالية، والتي تفرز في فرنسا وغيرها حكومات لا تمثل ناخبيها، ولا يستطيع الناخبون توصيل أصواتهم ومطالبهم، خاصة الاقتصادية، إلى متخذي القرار، مما يدفعهم للاحتجاج، ومع غياب قوى تمثل الفئات المتضررة تقف حركات كالسترات الصفراء أو النقابات لتكون حاملا وعنوانا للاحتجاج، وينضم إليهم طلاب ومهنيون وعمال.

كذلك لا ينفصل المشهد الاحتجاجي الذي بدا ملفتا في فرنسا، عن تحركات مشابهة في بعض بلدان أوروبا، منذ إقرار ما تمكن تسميته بموجة التقشف الكبيرة التي اتخذتها حكومات عديدة في أوروبا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية.

كان 2010 عاما للسياسات التقشفية، حيث شهدت عدة دول أوروبية منها فرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان وإيطاليا وبريطانيا مظاهرات غاضبة وتكررت في ما بعد، ورغم وعود الحكومات بالإصلاح والتغيير، إلا أن الحصاد المر يتكرر، تمارس الأحزاب خدعتها بل ويصعد اليمين المتطرف في أكثر من بلد ويعد بحلول للأزمة.

لا تختلف سياسات التضييق وحصار وتفتيت قوى الاحتجاجات الاجتماعية في الديمقراطية الغربية عن غيرها من ممارسات أشد قسوة بالوطن العربي، يمكن أن تسمح الحكومات الغربية بتنافس بين حزبين، لكنها لا تسمح بتكتل اجتماعي طبقي ضد الفئات الحاكمة والأثرياء من مالكي الاقتصاد والمتحكمين أيضا في صياغة العملية السياسية.

تسببت اعتداءات الشرطة على المتظاهرين بإصابة الآلاف، ورد المتظاهرون العنف على الشرطة، وتم توقيف واعتقال آلاف آخرين، تتفاوت الأرقام المعلنة بشأن المصابين ومن أحيلوا للمحاكمة، فقد أعلنت وزيرة العدل نهاية مارس/ آذار 2019 " أن نحو ألفي شخص صدرت بحقهم أحكام في فرنسا، من بين أكثر من 8700 موقوف على ذمة التحقيق، منذ بدء حركة احتجاج "السترات الصفراء".

أزمات أجيال جديدة

بلغت نسبة البطالة في فرنسا 8.5% خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2019، غير توسع الأعمال الهشة، هذا يؤشر على وجود جيل جديد يعاني ازمات لم تعرفها أجيال سابقة، وهذه الفئات جزء من حركة الاحتجاج التي لم تقتصر على سائقي الشاحنات الذين احتجوا ضد ضريبة الوقود، الذي رفعت الحكومة أسعاره، وبالتالي قللت دخولهم.

صحيح القرار سيق في إطار ضريبة تستهدف الحد من استخدام الوقود، وتوجيه جزء منها لمعالجة أثار التلوث البيئي، لكن ذلك لا يلغي العبء الاقتصادي، ولا يمكن أن نعتبر هدفا نبيلا كالحفاظ على البيئة منوطا بسائقي الشاحنات في الوقت الذي تعفى الشركات الرأسمالية الكبرى المسببة بدرجة أكبر في التلوث من الضرائب بدعوى زيادة النمو والاستثمارات وتحسين مناخ الأعمال.

مع ارتفاع معدلات الفقر (14% من السكان حسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية) خصصت الحكومة 9.3 مليارات دولار، ضمن خطة لمواجهة الفقر تستغرق أربع سنوات، خصصت بعض بنودها لإنشاء حضانات للأطفال وتنفيذ برامج تدريب للتأهيل للعمل، لكن ذلك لا يحل الأزمة، ولا يخفي تناقض السياسات الاقتصادية الذي يخلق تناقضا اجتماعيا.

ماكرون الذي يحابي الشركات الكبرى ويزيد من أرباحها عبر خفض الضرائب، لا يمكن أن يمتلك حلولا حقيقية، وهو جزء من مشهد عالمي يزداد فيه الاثرياء ثراء، والفقراء فقراً، وهي ليست مقولة كلاسيكية بقدر كونها حقيقة تؤشر عليها تقارير توزيع الثروة.

تتعاظم مظاهر الفقر بين الشباب والأطفال والمتقاعدين، فهؤلاء اغلبهم خارج سوق العمل، واحتياجاتهم أكبر، في ظل ضعف او انعدام الدخل، وأمام هذه التحديات لأجيال جديدة، يتحصن المحتجون بالتضامن، ينظمون أنفسهم عبر نقابات أو اشكال تنظمية جديدة يساهم في تشكلها التقدم في وسائل الاتصال التي تستخدمها فئات مفقرة وشباب غاضبون ضد منظومة الاقتصاد السياسي التي تستبعدهم أحيانا أو تهددهم بالاستبعاد.

استطاعت مظاهرات السترات الصفراء حشد نحو 300 ألف متظاهر في بدايتها، وهو ذاته الرقم الذي تظاهر في مايو/ أيار الماضي خلال احتفالات عيد العمال، من غير المتظاهرين هناك ملايين يؤيدون مطالب السترات الصفراء حسب استطلاعات الرأي، واستطاعت السترات الصفراء تحقيق مكاسب منها التراجع عن ضريبة الوقود، وضريبة جديدة كان مقررا تحصيلها من المتقاعدين، أعفي منها من تقل أجورهم عن ألفي يورو، وكذلك زيادة الحد الأدنى للأجور مائة يورو.

أصبحت السترات الصفراء، كحدث تظاهر أسبوعي لمدة عام، ظاهرة لافتة ونموذج مهم في الحركات الاجتماعية، والمقاومة الاقتصادية.

صحيح الحراك خفت لكنه مرشح للعودة، طالما ظلت أسباب اندلاعه قائمة، ووجدت مجموعات تحشد للتظاهر وتقوده، وأيضا تبقى التجربة ملهمة لآخرين، وتفتح باباً لفهم انعكاسات السياسات الاقتصادية، وأزمة علاقة النظم بالشعوب.