الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة - العلم ( مقتطف 1 من الفصل الثاني من كتاب بوب أفاكيان - إختراقات الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعية الجديدة خلاصة أساسيّة - )

شادي الشماوي
2019 / 12 / 23

الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة
- العلم ( مقتطف 1 من الفصل الثاني من كتاب بوب أفاكيان
" إختراقات
الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعية الجديدة
خلاصة أساسيّة " )

الماويّة : نظريّة و ممارسة
عدد 35 / نوفمبر 2019
شادي الشماوي
إختراقات
الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعية الجديدة
خلاصة أساسيّة
تأليف بوب أفاكيان
[ ملاحظة : الكتاب بنسخة بى دى أف متوفّر للتنزيل من مكتبة الحوار المتمدّن ]
تمهيد من المترجم :
نضع بين أيدى القرّاء باللغة العربيّة كتاب في منتهى الأهمّية ألّفه بوب أفاكيان رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة الشهير بمهندس الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة ، ففيه يشرح بدقّة و بشيء من التفصيل الإضافات التي ساهمت بها الشيوعية الجديدة في تطوير علم الشيوعية اليوم الذى لا مناص من التسلّح به إن رمنا تفسير العالم تفسيرا علميّا و تغييره تغييرا ثوريّا من وجهة نظر البروليتاريا الثوريّة و مهمّتها التاريخيّة : تحرير الإنسانيّة من كافة ألوان الإضطهاد و الإستغلال و تحقيق المجتمع الشيوعي العالمي .
و قد أسالت الشيوعية الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان الكثير من الحبر بين مناصر و معارض و قد وثّقنا في كتبنا السابقة عددا لا بأس به من نصوص هذه الجدالات صلب الحركة الشيوعية العالمية ؛ و بهذا الكتاب الجديد ، نتطلّع إلى دفع مزيد النقاش الجدّي ، العميق و الشامل لهذه الشيوعية الجديدة التي تطرح نفسها تجاوزا إيجابيّا ، نظريّا و عمليّا لمفترق الطرق الذى توجد به الحركة الشيوعية منذ مدّة الآن .
و لمن لم يطّلع / لم تطّلع بعدُ على النقاشات حول الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة ، نذكرّ بتعريف مقتضب لها صاغه بوب أفاكيان ذاته : " تعنى الخلاصة الجديدة إعادة تشكيل و إعادة تركيب الجوانب الإيجابية لتجربة الحركة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي إلى الآن ، بينما يتمّ التعلّم من الجوانب السلبية لهذه التجربة بابعادها الفلسفية والإيديولوجية و كذلك السياسية ، لأجل التوصّل إلى توجه و منهج و مقاربة علميين متجذّرين بصورة أعمق و أصلب فى علاقة ليس فقط بالقيام بالثورة و إفتكاك السلطة لكن ثمّ ، نعم ، تلبية الحاجيات المادية للمجتمع و حاجيات جماهير الشعب ، بطريقة متزايدة الإتساع ، فى المجتمع الإشتراكي – متجاوزة ندب الماضى ومواصلة بعمق التغيير الثوري للمجتمع ، بينما فى نفس الوقت ندعم بنشاط النضال الثوري عبر العالم و نعمل على أساس الإقرار بأن المجال العالمي و النضال العالمي هما الأكثر جوهرية و أهمّية ، بالمعنى العام – معا مع فتح نوعي لمزيد المجال للتعبير عن الحاجيات الفكرية و الثقافية للناس ، مفهوما بصورة واسعة ، و مخوّلين سيرورة أكثر تنوّعا و غنى للإكتشاف و التجريب فى مجالات العلم و الفنّ و الثقافة و الحياة الفكرية بصفة عامة ، مع مدى متزايد لنزاع مختلف الأفكار و المدارس الفكرية و المبادرة و الخلق الفرديين و حماية الحقوق الفردية ، بما فى ذلك مجال للأفراد ليتفاعلوا فى " مجتمع مدني " مستقلّ عن الدولة – كلّ هذا ضمن إطار شامل من التعاون و الجماعية و فى نفس الوقت الذى تكون فيه سلطة الدولة ممسوكة و متطوّرة أكثر كسلطة دولة ثورية تخدم مصالح الثورة البروليتارية ، فى بلد معيّن وعالميا و الدولة عنصر محوري ، فى الإقتصاد و فى التوجّه العام للمجتمع ، بينما الدولة ذاتها يتمّ بإستمرار تغييرها إلى شيئ مغاير راديكاليا عن الدول السابقة ، كجزء حيوي من التقدّم نحو القضاء النهائي على الدولة ببلوغ الشيوعية على النطاق العالمي. ( القيام بالثورة و تحرير الإنسانية ، الجزء الأوّل ، جريدة " الثورة " عدد 112، 16 ديسمبر 2007 ).
و محتويات الكتاب هي ، عقب المقدّمة التفسيريّة المقتضبة للمؤلّف ،
كارل ماركس : لأوّل مرّة في التاريخ ، مقاربة و تحليل علميّين جوهريّا لتطوّر المجتمع الإنساني و آفاق تحرير - I الإنسانيّة
الإختراق المحقّق بفضل الماركسيّة -
- الماركسيّة كعلم – المادية الجدليّة ، لا المثالية الميتافيزيقيّة
- الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة II
- العلم
- إستراتيجيا ... ثورة فعليّة
- القيادة
- مجتمع جديد راديكاليّا على طريق التحرير الحقيقي
+ هوامش
[ ملاحق الكتاب - 3 - ( من إقتراح المترجم ) ]
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
II – الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة
هنا أودّ أن أتناول بالحديث ما أنجزتُه كشيء جديد ، بناءا على ما أحدثه ماركس من إختراق و على مجمل المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي ، ماضيا أبعد من ذلك في جوانب هامة .
في " بوب أفاكيان – السيرة الذاتيّة الرسميّة " يجرى التأكيد على أنّ الخلاصة الجديدة للشيوعية ( المشار إليها كذلك بالشيوعية الجديدة ) " إستمرار لكنّها تمثّل أيضا قفزة نوعيّة تجاوزت و في بعض الجوانب الهامة قطعت مع " " النظريّة الشيوعية كما تطوّرت قبلا " ( 24). و تذكر هذه السيرة الذاتيّة الرسميّة أوّل الستّة القرارات الصادرة عن اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية حول المسألة الحيويّة حيث أعربت عن أنّ الخلاصة الجديدة :
" تمثّل و تجسّد حلاّ نوعيّا للتناقض الحيوي الذى وُجد صلب الشيوعية فى تطوّرها إلى هذه اللحظة ، بين منهجها و مقاربتها العلميّين جوهريّا من جهة و مظاهر من الشيوعية مضت ضد ذلك ." (25) [ التشديد في النصّ الأصلي ]
قبل عدّة سنوات من الآن ، في " كسب العالم ؟... " (26) ، في بدايات ثمانينات القرن العشرين ، و في غيره من الأعمال الأخرى مذّاك ، تعمّقت كثيرا في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية و المجتمع الإشتراكي ، منذ زمن ماركس ( و إنجلز ) ، و تحدّثت عن واقع أنّ ماركس و إنجلز كانا يملكان نظرة ثاقبة إلى أقصى حدّ ، و في عديد الطرق و بالمعنى الجوهري ، كانا ، في الآن نفسه ، و ليس هذا مفاجئا ، محدودين و حتّى بأشكال معيّنة ساذجين ، في بعض الجوانب الثانوية على دلالتها - و هذا إن أعملتم فيه الفكر ، صحيح بشأن جميع المقاربات و المناهج العلميّة ، في تعارض مع النظرات الميتافيزيقيّة كالدين . و متحدّثا عن النظرات الميتافيزيقيّة و الدينيّة ، عندما نُشر أوّل ما نُشر " كسب العالم ؟... " ، وُجد البعض داخل الحركة الشيوعية العالمية الذين قالوا إنّ هذا يقدّم الشيوعيّة كراية ممزّقة ؛ و وُجد حتّى موقف أنّ الحديث ليس عن الأخطاء فحسب التي إقترفت و إنّما أيضا عن بعض المشاكل في جزء من مفاهيم و مقاربات القادة العظام الحقيقيين للحركة الشيوعية بمن فيهم مؤسّساها ، ماركس و إنجلز ، نوعا من الممنوعات - كان يتمّ التعاطى معه كأنّه كفر . حسنا ، هذا الصنف من المواقف و المقاربات يمضى تماما ضد ، و كان سيلقى الإشمئزاز من ماركس و إنجلز أنفسهما ، قبل أي شخص آخر . و على أيّة حال ، وُجدت الموجة الأولى من الثورة الشيوعية و أدّت إلى التجربة الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي ( من 1917 إلى أواسط خمسينات القرن العشرين ) ثمّ في الصين ( من 1949 إلى 1976 ) و التي وقع الإنقلاب عليها مع صعود القوى البرجوازية إلى السلطة و إعادة تركيز الرأسماليّة ، أوّلا في الإتّحاد السوفياتي و تاليا في الصين عقب وفاة ماو تسى تونغ سنة 1976 . و تحتاج هذه الموجة الأولى من الثورة الشيوعية و التجربة الإشتراكية إلى التعلّم منها بعمق ، بيد أنّنا نحتاج التعلّم منها بتوجّه علمي و منهج و مقاربة نقديّين ، في تعارض مع التوجّه و المنهج و المقاربة الدينيّين . وهذا بالذات ما شرعت في القيام به في " كسب العالم ؟... " و واصلت القيام به في أعمال متنوّعة مذّاك . فكان هذا هو المكوّن الأكبر و قوّة الدفع الأكبر في تطوير الشيوعية الجديدة .
و التعبير المكثّف للكثير من الجديد في الشيوعية الجديدة متوفّر في " الخلاصة الجديدة للشيوعية : التوّجه و المنهج و المقاربة الجوهريّين و العناصر الأساسيّة – خطوط عريضة ". و هنا سأتطرّق لبعض أساسيّات ذلك مستخدما كتاب " الشيوعية الجديدة " – عنوانه الكامل هو " الشيوعية الجديدة ، علم و إستراتيجيا و قيادة ثورة فعليّة ، و مجتمع جديد راديكاليّا على طريق تحرير حقيقي " – كإطار أساسي و مرشد في القيام بهذا .

العلم :

مرّة أخرى ، ليست الشيوعية دينا و ما هي بفلسفة أو إيديولوجيا بالمعنى الخاطئ ( أي الذاتي ، غير العلمي ) ، شيء لا مرساة له و في النهاية في تنافر مع منهج و مقاربة علميّين . إنّها جوهريّا و أساسيّا منهج و مقاربة علميّين لتحليل و تلخيص تطوّر المجتمع الإنساني و آفاقه . لكن صلب الشيوعية تطوّرت نزعات غير علميّة مضت إلى درجة هامة ضد أساسها العلمي جوهريّا . الشعبوية و الأبستيمولوجيا الشعبويّة : مهما كانت أفكار الشعب - سواء أغلبيّة الشعب أم مجموعة إجتماعيّة خاصة نمنحها قدرة خاصة على " تكهّن " الحقيقة ( و أستخدم كلمة " تكهّن " هنا عمدا ) - مهما كان ما تفكّر فيه، في أي زمن معطى ، فهو الحقيقة أو المساوى الوظيفي للحقيقة . تسرّب كلّ هذا المفهوم للشعبوية و الأبستيمولوجيا الشعبوية إلى درجة ذات دلالة إلى ، وإلى درجة ذات دلالة أفسد ، الحركة الشيوعية و حاجتها إلى أن تكون علميّة . و ترافق هذا مع عبادة عفويّة الجماهير و التذيّل لها و مع مفهوم " الخطّ الجماهيري " - تجميع أفكار الجماهير ثمّ تركيزها و إعادتها إلى الجماهير في شكل خطّ و سياسة - وهو شيء قد صاغه ماو لكن كما أشرت إلى ذلك آنفا ، لم يمثّل عمليّا كيفيّة تصرّف ماو بالمعنى الأساسي في تطوير الخطوط و السياسات و الإستراتيجيّات ، و في تحديد ما هي التناقضات الأساسيّة التي يجب التركيز عليها في زمن معطى ، في العمل الثوري . لقد أنجز ماو هذا أساسا على قاعدة علميّة و ليس بصياغة و تركيز أفكار الجماهير و إعادتها إليها .
و إلى جانب هذا ، نمى التجسيد و معناه إتّخاذ الظاهرة العامة للبروليتاريا ( و مجموعات مضطهَدة أخرى ) و تقليصها إلى كيف يكمن هذا إفتراضيّا في بروليتاريين أفراد أو أشخاص من مجموعات مضطهَدَة أخرى ، كما لو أنّ لها ، مرّة أخرى، باع خاص ( بكلمات زمنها ) على الحقيقة ، و أنّ شيئا كامنا في هذه المجموعة المضطهَدة أو تلك يسمح للمنتمين إلى تلك المجموعة ببلوغ الحقيقة عفويّا ، أو على الأقلّ بلوغ " قصّة " تكون تعويضا مقبولا للحقيقة . و يمضى هذا إلى جانب مفهوم آخر خاطئ و ضار جدّا له رواجه صلب الحركة الشيوعية ، أنّ للحقيقة طابع طبقي – أنّ هناك حقيقة برجوازية و حقيقة بروليتارية . و قد تسرّب هذا حتّى إلى التوجيهات القياديّة للثورة الثقافيّة في الصين و ذهب عكس طابعها الإيجابي الغالب كنضال جماهيري ثوري مقاد على أساس شيوعي . ثمّ هناك مفهوم " الحقيقة السياسيّة " الذى ترافق مع مفهوم أنّ للحقيقة طابع طبقي ؛ و " الحقيقة السياسيّة " كشكل من " الحقيقة المناسبة " ، فكرة أنّ كلّ ما يعتبر جيّدا للمصالح و الأهداف الملموسة للشيوعيين ، أو بعض الشيوعيين ، في أي زمن معطى ، حقيقة – سواء كانت عمليّا حقيقة أم لا . و قد إتّخذ هذا أحيانا شكلا جدّ فجّ من " السياسة الواقعيّة " ( التي سأتحدّث عنها لاحقا ).
بالنسبة للخلاصة الجديدة - الشيوعية الجديدة ، و مزيد تطوير الشيوعية من خلالها - من المهمّ التركيز على الأبستيمولوجيا، نظريّة المعرفة . مسألة ما هي نظريّتك للمعرفة و كيف تتصرّف لتحدّد الحقيقة – أو إن كنت تعتقد حتّى في وجود مثل هذا الشيء كالحقيقة الموضوعيّة . أمر بداهة محوريّ و مركزيّ في ما إذا كنت ستمتلك أم لا مقاربة علميّة للأشياء . و موقفى التالى الموجود في كتاب " ملاحظات حول الفنّ و الثقافة ، و العلم و الفلسفة " ، يكثّف قدرا كبيرا ، بما في ذلك خطوط التمايز الجوهريّة في الأبستيمولوجيا و المقاربة الشاملتين للواقع و تغييره راديكاليّا : " كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية ." (27)
و قد ردّ البعض الفعل تجاه هذا بقول : " ما القضيّة الكبرى ، فلان و علاّن يقولان يجب البحث عن الحقيقة – كلّ شخص يفعل ذلك ". و قال أحد الإنتهازيين : إذا دخلت إلى مركّب جامعي و قلت : " سنبحث عن الحقيقة ، نعتقد أنّ على الجميع البحث عن الحقيقة " ، أتظنّ حقّا أنّ هذا سيكون قضيّة كبرى ؟ حسنا ، بادئ ذي بدء ، هذا قضيّة كبرى . فمثلما أشرنا في الردّ على هذا الإنتهازي ، في المركّبات الجامعيّة في هذه الأيّام فكرة البحث عن الحقيقة الموضعيّة ليست بالضبط الفكرة التي تلقى أكبر رواج . هناك كافة أصناف الأفكار المعارضة لها ، كافة أصناف المفاهيم النسبيّة في خدمة سياسات الهويّة و ما إلى ذلك – و حجج أنّ هناك روايات مختلفة و " حقائق " مختلفة ، أنّه ليست هناك حقيقة موضوعيّة ، و حتّى أنّ فكرة أنّه لا ينبغي أن يوجد شيء كالحقيقة الموضوعية . لذا ، أجل ، بادئ ذي بدء ، سيكون ذلك قضيّة جدال حاد على أكبر المركّبات الجامعيّة هذه الأيّام .
لكن أبعد من ذلك ، التشديد على أنّنا يجب أن نبحث عن الحقيقة بالوسائل العلميّة - نبذل جهدنا لنفهم فهما صحيحا الواقع المادي كما هو عمليّا ، و كما يتحرّك و يتغيّر – مهما كانت أهمّية ذلك ، ليس هذا كلّ شيء و ليس حتّى جوهر ما يكثّف في موقفى ذاك . ولننظر مجدّدا في ما يقوله : " كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية " . هناك هدف محدّد تتمّ الإشارة إليه هنا . هذا الموقف ليس حول مجرّد البحث عن الحقيقة - رغم أنّه كذلك و هذا مهمّ جدّا . إنّه موقف أكثر جوهريّة و أساسيّة حول العلاقة بين البحث عن الحقيقة و التقدّم بالنضال في سبيل الشيوعية . إنّه موقف حول الأبستيمولوجيا و علاقتها بالتغيير الراديكالي للعالم . و من المهمّ فهم أنّ هذه السيرورة معقّدة للغاية ، البحث عن الحقيقة و التقدّم بالنضال في سبيل الشيوعية .
فهناك الكثير من الحقائق - ما أحلت عليها على أنّها حقائق مزعجة لنا - على المدى القصير، تقف حجر عثرة أمام النضال في سبيل الشيوعية . لكن ما يتمّ التأكيد عليه هنا هو أنّ حتّى الأشياء التي يتكشّف أنّها نقائص أو مظاهر سلبيّة للنضال في سبيل الشيوعية ، أو في ما هو عليه تفكيرنا الراهن ، يمكن أن توفّر وجهات نظر ثاقبة ، يمكن أن تشكّل جزءا من المضيّ نحو إستيعاب أعمق للواقع الذى يمكن بدوره أن يسمح لنا بأن نتقدّم بشكل أفضل بالنضال في سبيل الشيوعية ، لأنّه لا يمكننا القيام بذلك ، جوهريّا و في نهاية المطاف ، إلاّ على أساس علمي .
و ما يجرى الحديث عنه هنا هو العلاقة الجدليّة و أحيانا المتناقضة بحدّة بين البحث عن الحقيقة و التقدّم بالنضال في سبيل الشيوعية ، و التأكيد على أنّه حتّى ، على المدى القصير ، البحث عن الحقيقة يمكن أن يكون جرّاء تسجيل تراجعات و جرّاء المزيد من الصعوبات ، فإنّه علينا القيام بذلك و إلاّ لن نقدر أبدا على بلوغ هدف الشيوعية و يتّصل هذا بالعلاقة بين أن نكون علميّين و أن نكون أنصارا لقضيّة الشيوعية ( التي ستكون موضوع حديثنا لاحقا و لو بإقتضاب ) . المسألة كلّها هنا هي أنّ البحث عن الحقيقة و التقدّم صوب الشيوعية في وحدة جوهريّا لكن هنالك تناقضات و أحيانا، على المدى الأقصر، هناك تعارض ، و أحيانا ، حتّى حاد ، و من واجبنا أن نقاتل عبر ذلك ، من واجبنا أن نحافظ على توجّه و منهج البحث عن فهم الواقع كما هو و كما يتحرّك و يتغيّر ، و إلاّ لن نقدر بتاتا على التقدّم صوب الشيوعية - مهما كانت المكاسب المؤقّتة التي نحقّقها ستنقلب و سنتراجع أكثر لو حدنا عن الطريق القويم و سلكنا طريقا مختصرا لمحاولة إصطناع الحيلة بخصوص مسألة الحقيقة ، أو خلق حقائق أو " حقائق سياسيّة " من مثل الحقائق الملائمة التي ليست صحيحة البتّة .
موقف أنّ كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ليس صحيحا على الدوام بالمعنى الأكثر فوريّة و بالمعنى الضيّق. فالأشياء الحقيقيّة قد تكون سيّئة بالنسبة لنا بالمعنى الفوري جدّا و بالمعنى الضيّق غير أنّها ضروريّة – و الخوض في هذه الحقائق و إستيعابها علميّا و إدماج ذلك في فهمنا الشامل للعالم ، و نضالنا القائم على ذلك ، أمر حيويّ للتمكّن من التقدّم صوب الشيوعية، و لن نستطيع التقدّم بغير ذلك. ومن هنا يصاغ هنا موقف تام جدّا مكثّف بطريقة مصقلة في هذه الصيغة: " كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية ". حسنا ، ثمّة بعض الحقائق بشأن تاريخ الحركة الشيوعية ليست لطيفة جدّا. و مع ذلك ، يمكن أن تساعدنا على بلوغ الشيوعيّة إن كانت مقاربتنا لها عمليّا مقاربة علميّة ، و من هنا يمكن أن نعمّق فهمنا لكلّ من المنهج العلمي ذاته و تطبيقه على العالم لتغييره بإتجاه الشيوعيّة .
و قد ألمحت سابقا إلى أنّ على المركبات الجامعيّة و في غيرها من الأماكن ، لا سيما في صفوف الأنتلجنسيا ( مستخدما المصطلح نوعا ما بأناة ) ، ثمّة مفهوم ، مفهوم مستشرى إلى حدّ كبير ، مفاده أنّ مفهوم الحقيقة ذاته ، في تعارض مع مختلف الروايات و مختلف " الحقائق " مفهوم شمولي جوهريّا - فكرة أنّ أي شخص بوسعه إمتلاك الحقيقة شيء شمولي وهو على وشك أن يكون ، إن لم يكن بعدُ ضمن ، إطار الشموليّة . حسنا ، شيء ما يقع تسريبه هنا ، وهو فكرة غير علميّة عن ما هي الحقيقة . ما يقال حقّا هنا أو موضوعيّا ما ينعكس هنا هو مفهوم أنّ الحقيقة مجرّد رواية أخرى و أنّه عندما نقول إنّنا نمسك بالحقيقة ، نحاول أن نفرض روايتنا على شخص آخر ، و لا يجب على أي شخص أن يسعى إلى فرض روايته على أنّها الرواية التي تشمل كلّ شيء . جوهر المسألة و ما هو على كفّة الميزان هنا هو تحديدا : ما هي الحقيقة ؟ الحقيقة هي إنعكاس عملي صحيح للواقع ، بما في ذلك الواقع في حركته و تطوّره . و طبعا ، صحيح أنّ لا أحد بوسعه أبدا أن يمسك بالحقيقة كلّها . و هذا جزء من فهم الواقع فهما صحيحا ، جزء من المنهج العلمي . لكن ، في تعارض مع هذا الإنكار العبثي ( و الخادم للذات ) من قبل أناس أمثال روبار أ. روبين ، صحيح أنّه بوسعنا أن نبلغ تحديدات معيّنة و نهائيّة حول واقع عديد الأشياء الخاصة ، حتّى و علينا دائما أن ننفتح على مزيد التعلّم ، و على إمكانيّة أن بعض ما إعتقدنا أنّه صحيح يمكن أن يتكشّف أنّه ليس صحيحا ، أو تحدث تطوّرات جديدة تعنى أنّ العالم قد تغيّر على نحو يفرض على فهمنا التعديل . و كلّ هذا جزء من المنهج العلمي كذلك . حين نتحدّث عن الحقيقة ، لا نتحدّث عن الحقيقة كحقيقة مطلقة و نهائيّة و لكنّنا لا نتحدّث كذلك عن رواية . نتحدّث عن مقاربة علميّة لفهم الواقع و من ثمّة ، على هذا الأساس ، تغييره . و المقاربة العلميّة لهذه السيرورة من تحليل الواقع و تلخيصه يمكن أن تتوصّل إلى إستنتاجات نهائيّة هامة ، حتّى و هذه السيرورة المستمرّة لا تكتمل أبدا لأنّه ليس بإمكاننا أن نستوعب الواقع كلّه - بما فيه لأنّه في تغيّر مستمرّ و لأنّه ستوجد دائما مظاهر من الواقع لن يكون البشر بعدُ قد توغّلوا فيها حتّى في أي زمن معطى ، فما بالك بالتوصّل إلى فهمها . لذا تسرّبت هذه الفكرة عن الحقيقة على أنّها مفهوم شمولي و كلياني ضمن حزمة كاملة من المفاهيم و المقاربات التي هي ذاتها غير علميّة وغير صحيحة.
لكن لنعد إلى موقف أنّ " كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية " و لنقارنه مع نقيضه . و المعنى و الأهمّية الفعليين لهذا يمكن أن يفهما بصورة أتمّ إذا وضعنا ذلك في علاقة بنقيضه، أي ، " كلّ ما هو جيّد للبروليتاريا حقيقة ، كلّ ما يساعدنا على بلوغ الشيوعيّة حقيقة " . و إن نظرنا إلى الأمر على هذا النحو، إن عقدنا مقارنة بين كلّ شيء جيّد بالنسبة للبروليتاريا حقيقة و الموقف الصحيح فعلا بأنّ كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، يمكن أن نحصل على فهم أفضل للأهمّية العميقة لهذا . صيغة لها صلة بالمنهج العلمي و تطبيقه ، و الصيغة الأخرى غير علميّة و ذاتيّة بعمق و ستؤدّى في النهاية إلى كافة أنواع الأخطاء و حتّى أحيانا ، الفظائع.
من المهمّ تفحّص علاقة " الليبراليين " و الفاشيين بالحقيقة . و مثال بارز لهذا يوفّره لنا بعض التعليق لجاس كونى مدير الأفبى أي سابقا في رواق المدينة ، البرنامج الذى شارك فيه على قناة السى أن أن في الجزء الأوّل من 2018. كان يتحدّث عن كيف أنّ ترامب يكذب بإستمرار - و هذا طبعا حقيقة . و عند الحديث عن كيف كان ترامب يكذب بإستمرار، إتّبع كونى، على طريقته ، المنهج الأداتي لتحديد الهدف أوّلا ثمّ " هيكلة الأحداث " ( صيغة لى ) لخدمة هذا الهدف ، حاجج كونى أنّ هذا ليس الطريقة التي ينبغي التصرّف وفقها - يجب علينا عمليّا النظر إلى الوقائع ، الدلائل . و تاليا تطبيق التفكير العقلي لرؤية ما تشير إليه الوقائع و الدلائل . لذا ما قاله كان صائبا ، إلى هذا الحدّ . غير أنّ كونى إسترسل ليتحدّث عن كيف أنّه من الخاطئ حقّا مهاجمة تطبيق القانون و وكالات المخابرات و القوّات المسلّحة لهذه البلاد لأنّها كانت على الدوام قوّة خير و كانت تبحث على الدوام عن الحقيقة ! و هنا ، من جهة ، يعرض مقاربة تقريبا صحيحة ثمّ يناقضها تماما و يمزّقها إربا في موقف مثل ذاك ( و قد نستغرق لا أدرى كم من الوقت ، و الأكيد أنّه أكثر ممّا لدينا ، فقط لصياغة قائمة أوّليّة لكلّ هذه الأكاذيب حول تطبيق القانون و وكالات المخابرات و القوات المسلّحة للولايات المتحدة الأمريكيّة ، و كافة جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانيّة التي إقترفوها و نفّذوها عبر العالم قاطبة ).
هنا ، نلاحظ شيئا معروضا في خطوطه العامة بحدّة : الليبراليّون و على وجه الخصوص " ليبراليّو " الطبقة الحاكمة ، سيتحدّثون عن الحقيقة لكن سيكذبون و يشوّهونها بصفة متكرّرة كلّما كان الواقع " غير مناسب " لهم و يذهب ضد " روايتهم" و أهدافهم العزيزة عليهم ، حتّى في وقت على الأقلّ ( و خاصة عندما يكون ضرب الحقيقة عرض الحائط يتمّ على نحو يجدون أنّه هجومي و ضار ، و الأمر بارز بصورة خاصة ) ، سيعلنون بقوّة الإنخراط في أهمّية الحقيقة و الإنطلاق من الوقائع و الدلائل إلخ . و في الآن نفسه ، يتحدّى الفاشيّون صراحة و بصفة متكرّرة و يدوسون العلم و المنهج العلمي و البحث عن الحقيقة على هذا الأساس . لذلك من الهام فهم هذا لأنّه بالخصوص في إطار صعود نظام ترامب / بانس إلى السلطة ، تستمعون إلى أناس يتحدّثون تكرارا عن أهمّية الحقيقة . و تضيف السى أن أن إعلان أنّ : " هذه تفاحة ، إنّها دائما تفّاحة ، و هناك الكثير من التفّاح ، و التفّاح تفّاح " . بكلمات أخرى، الوقائع وقائع - الوقائع تهمّنا، الحقيقة تهمّنا . و تاليا ، تلفونهم يكذبون و يشوّهون كافة أنواع الأشياء كلّما كانت مصالح الطبقة الحاكمة لهذا النظام كما يرتأونها ، حقّا على المحكّ . ثمّ ، إن كان الكذب يخدم هذه المصلح ، سيزدهر كذبهم .
هذا هو نوع " الحقيقة السياسيّة " التي لسوء الحظّ قد سقط فيها بعض الشيوعيين و التي يجب على الشيوعيين أن يقطعوا معها كلّيا و نهائيّا . ليس الأمر أنّنا لا نقترف أخطاء - بالطبع سنقترف أخطاء ، كلّ إنسان يقترف أخطاء . لكن ، كنقطة حيويّة في التوجّه و المنهج ، ينبغي أن نقطع تماما مع مفهوم أن ما يمكن أن يكون ملائما في لحظة ما جيّد مثلما الحقيقة جيّدة - تكذبون على الناس ، تحجبون الأشياء لأنّه بذلك تجد أناسا ينفّذون ما ترغبون في أن ينفّذوه و كلّ شيء سيكون جيّدا في النهاية . لا ! من واجبنا أن نقطع قطعا تاما مع كامل هذا المفهوم و مع كامل هذه المقاربة .
و هكذا ، هذا جزء هام من أبستيمولوجيا الشيوعية الجديدة ، كما تحدّثت عن ذلك ، و من معرضتها للنسبيّة و " الحقيقة كرواية " . و إليكم هنا موقفان من " الأساسي من خطابات بوب أفاكيان و كتاباته " في منتهى الأهميّة :
الأوّل من " الأساسي ..." ، 4 : 11 :
" ما يفكر فيه الناس جزء من الواقع الموضوعي ، لكن الواقع الموضوعي لا يتحدّد بما يفكّر فيه الناس . " [ التشديد في النص الأصلي ]
و هذا موقف هام جدّا . ما يفكّر فيه الناس هو جزء من الواقع الذى نتعاطى معه ، الواقع الموجود موضوعيّا . و إذا لم نعترف بذلك ، لن نقدر على الإعتراف بالحاجة إلى تغيير جحيم ما يفكّر فيه الناس ، لأنّ غالبيّة الناس و اقعين تحت تأثير العلاقات البرجوازية و البنية الفوقيّة البرجوازية ، و لا يعرفون أي شيء و يغرسون رؤوسهم في الرمل . و هذا لا يعنى أنّهم لا يقدرون على التعلّم ، لكن هذا هو الواقع الراهن . و من المهمّ الإعتراف بأنّ هذا جزء من الواقع الموضوعي ، ما يفكّر فيه الناس ؛ يجب أن نفهم ذلك و نناضل من أجل تغيير ما يفكّرون فيه كلّما كان ذلك بعيدا عن الواقع الفعلي - و هذا إلى درجة كبيرة ، هو كذلك عفويّ . لكن مجدّدا ، الواقع الموضوعي ليس محدّدا بما يفكّر فيه الناس - ليس مثل، " حسنا ، هذه حقيقتك و لدي حقيقتى ، و ليس بوسعك قول إنّ حقيقتك أفضل من حقيقتى ". لا وجود لشيء إسمه حقيقة شخص ما. لا يجب أن ترتبط الحقيقة بشخص . الحقيقة موضوعيّة .
ثمّ هناك " الأساسي ..." 10:4 :
" من أجل أن تتجاوز الإنسانية حالة فيها " القوّة تولّد الحقّ " – و فيها الأشياء فى النهاية تنتهى إلى محض علاقات قوّة – لا بدّ كعنصر جوهري فى هذا التقدّم ، من مقاربة لفهم الأشياء (أبستمولوجيا ) تقرّ بأنّ الواقع و الحقيقة موضوعيين و لا يتبدّلان وفقا أو تبعا لمختلف " الروايات " أو مدى " السلطة " التى تنطوى عليها فكرة ( أو " رواية " )، أو مدى السلطة و القوّة اللتان يمكن أن يتصرّفا بإسم أية فكرة أو " رواية " خاصتين فى أية نقطة معيّنة . " [ التشديد في النصّ الأصلي ]
و هذا في منتهى الأهمّية أيضا - العلاقة بين النسبيّة و" القوّة تولّد الحقّ " . لنقل مثلا ، أنّك جزء من مجموعة مضطهَدَة. لديك رواية عن إضطهادكم . لكن إن جرى تقليص النضال الشرعي جدّا و العادل ضد هذا الإضطهاد – ضد جرائم الشرطة في حقّ السود و السُمر و السكّان الأصليين لأمريكا ، مثلا - إلى مسألة رواية ، إلى مسألة ما يساوى نظرة ذاتيّة للعالم ( " نعلم ما يعنيه هذا ، نعرف من أين أتى و ما يجب القيام به لأنّنا خبرناه ، كجزء من هويّتنا الجماعيّة الخاصة " ) - إن كانت هذه هي الأبستيمولوجيا التي تتقدّمون بها ، حسنا ، عندئذ ، ما الذى يجرى حين تواجهون مجموعة أخرى أقوى منكم، كالشرطة – لديها أبستيولوجيتها و روايتها أيضا : " جميعكم ركام من الحيوانات ، يجب سجنكم ؛ و إن تجرّأتم على إستفزازنا بأية طريقة ، من حقّنا قتلكم ". هذه هي روايتها . و هذه العنصريّة منصوص عليها في قانون هذا المجتمع و دكتاتوريّته البرجوازية . ماذا أقصد بذلك . ماذا يقول القانون في معظم الولايات؟ لو شعرت الشرطة ب" خوف معقول " من سواء إلحاق ضرر بها أو بأي شخص آخر ، لديها حقّ إستخدام القوّة بما في ذلك القوّة القاتلة . ثمّ ، لدينا العنصريّة منصوص عليها بالذات هنا، لأنّ أغلبيّة الشرطة تنظر إلى السود بوجه خاص الشباب السود الذكور( ليس فقط هؤلاء بل بوجه خاص الشباب السود الذكور) كتهديد ، كخطر . لذا، عقلنة قتل الشرطة للسود مبنيّة صلب القانون ، لقد نصّوا على العنصريّة في القانون . هذه هي روايتهم التي تلقى دعما من الدولة ما يفسّر لماذا لا تقع تقريبا أبدا محاكمتهم عن هذه الجرائم، المرّة تلو المرّة تلو المرّة.
و إلى ذلك ، هناك جيش في العالم ، و يحتاجون إلى إستخدام هذه القوّة لغرض النظام لأنّ ذلك يخدم الخير الأكبر . و لديهم قوّتهم العسكريّة لدعم هذه الرواية . و إذن ، إن كانت هذه جملة من الروايات ، عندئذ كلّ من يملك القوّة الأكبر لدعم روايته سيسيطر في نهاية المطاف .
و يؤدّى بنا هذا إلى نقطة تعرّض لها ماو في " ضد الليبراليّة " وهي في حدّ ذاتها مهمّة و لها أهمّية تطبيقيّة هنا . قال ماو إنّ إصدار موقف للترهيب تكتيك شائع جدّا في صفوف بعض الناس . في مواجهة العدوّ ، أشار ، لا فائدة منه مطلقا ، و في صفوف الشعب يلحق ضررا كبيرا . فكّروا في هذا : إن كنتم في هذه الحلقات الضيّقة أين السائد هو سياسة الهويّة ، ربّما بوسعكم الغلبة بالتأكيد على روايتكم على حساب رواية غيركم . لكن في العالم الأرحب ، و بخاصة ضد العدوّ ، الطبقة الحاكمة ، لا يعير روايتكم أيّة أهمّية ، لا يهتمّ البتّة بهويّتكم . لديه مصالحه و لديه الكثير من القوّة تقف وراء مصالحه ، و أنتم تتقدّمون بهويّتكم ولا فائدة مطلقا منها ، لا أهمّية لها ضد ذلك . و ينسحب هذا حتّى أكثر على حال النظام الفاشي الذى يمسك الآن بمقاليد السلطة . طبعا ، ليس الحال أنّ الفاشيّة صعدت و أمسكت بالسلطة بسياسة الهويّة و الأبستيمولوجيا المناسبة لها . المسألة هي أنّ هؤلاء الفاشيّين يرغبون في توطيد و تشديد العلاقات الإضطهادية التي تبحث سياسات الهويّة عن معالجتها بطريقة مشوّهة و على أساس رخو ، و تضلّل سياسات الهويّة هذه و تنزع سلاح الناس إيديولوجيّا و تجعلهم أقلّ قدرة على التعاطى معه . و مثل سياسات الهويّة هذه و الموقف المصاحب لها في الغالب الأعمّ ، ليست " مفيدة " إلاّ ضمن الذين يقع ترهيبهم بهذا ، و بالفعل مثل هذا الترهيب يتسبّب في ضرر كبير . هذا ما قصده ماو عندما قال إنّ هذا النوع من الأشياء يحدث ضررا كبيرا في صفوف الشعب . ترهيب الناس بدلا من كسبهم إلى فهم علمي للواقع ، و ما يجب القيام به بهذا الشأن ، لا يمكن إلاّ ان يلحق الضرر في صفوف الشعب ، و لا فائدة ترجى منه مطلقا ضد الذين يمسكون حقّا بالسلطة .
و من هنا ، مرّة أخرى ، هناك قدر كبير مكثّف في " الأساسي ..." 4 : 11 بمعنى العلاقة بين الأبستيمولوجيا و التقدّم أبعد من وضع تصنع فيه القوّة الحقّ . و لمزيد شرح هذه المسائل المبدئيّة و المنهجيّة الهامة المعنيّة ، دعونى أذكر التالى من " نقاش مع الرفاق حول الأبستيمولوجيا " مشيّدا على التجربة التاريخيّة للحركة الشيوعية :
" واحدة من المسائل الكبرى هي : " هل نحن حقّا أناس يحاولون البحث عن الحقيقة ، أم هل أنّ الأمر مجرّد " حقيقة كمبدأ منظّم " ؟ لقد نقد لينين هذا نقدا فلسفيّا – " الحقيقة كمبدأ منظّم " – و يمكنكم نقده لنبذ الدين و الإنتهازية الذين لا تجدونهما مفيدين بوجه خاص ، لكن يمكن أن تنتهوا أنتم أنفسكم إلى تطبيق ذلك بشكل آخر ...
أتناول بالحديث الخلاصة الجديدة – أبستيمولوجيا ماديّة أتمّ . كتب لينين " الماديّة و مذهب النقد التجريبي " حيث حاجج ضد هذه الأشياء ( من قبيل " الحقيقة السياسيّة " أو " الحقيقة كمبدأ منظّم " ] غير أنّ لينين العملي أحيانا وقف في طريق لينين الفيلسوف . و قد ساهمت المتطلّبات السياسيّة التي فُرضت في نشوء وضع حيث جانب من الطريقة التي عالج بها لينين التناقضات كان لها مظهر من ستالين (* - ملاحظة مضافة من المؤلّف : الإحالة على " مظهر من ستالين " صيغة مقتضبة للحديث عن الجانب السلبي لدى ستالين - بالخصوص نزعته عند معالجة التناقضات التي كانت واقعيّة جدّا و عادة حادة ، نحو التعويل على قمع الدولة ، من ذلك الإعدام ، بدلا من الصراع الإيديولوجي ( الممزوج مع التأكيد على الإنخراط في الإنضباط ، و أقلّ عقاب لتجاوز الإنضباط ، فى أوضاع يتطلّبها ذلك . ) وهناك عدّة أمثلة عن ذلك في كتاب " الغضب" [ ذي فوريس ، وهو كتاب عن الثورتين الفرنسيّة و الروسيّة ألّفه أرنو ماير ] . في مناسبات كانت للبلاشفة نوع من مقاربة " المافيا " في مناطق معيّنة ، لا سيما إبّان الحرب الأهليّة التي تلت ثورة أكتوبر 1917. و أحيانا ، حينما كان الناس ينظّمون من قبل الرجعيين للقتال ضد البلاشفة ، كان البلاشفة يردّون الفعل على نطاق واسع و بلا رحمة . أو كانوا يقتلون الناس ليس لفرارهم فقط من الجيش الأحمر بل حتّى لسحب أرجلهم من القتال في الحرب الأهليّة . و فيما يكون من الضروري أحيانا ، في غضون الحرب ، إتّخاذ إجراءات متطرّفة ، عموما هذه ليست الطريقة الفضلى لمعالجة هذه التناقضات ... لقد قرأت عن هذا و فكّرت " هذا ليس صحيحا ". هناك مسائل أبستيمولوجيّة ذات صلة بكلّ هذا ." ( 28)
و هنا نلاحظ أنّ الترابط الوثيق بين الأبستيمولوجيا و الأخلاق . توجّه و مبدأ " كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية " وثيق الإرتباط بمقاربة مفهوم " الغاية تبرّر الوسيلة " – مفهوم و ممارسة تنبذهما تماما الشيوعيّة الجديدة وهي مصمّمة على إجتثاثهما من الحركة الشيوعية مؤكّدة عوضا عن ذلك على أنّ"وسيلة " هذه الحركة يجب أن تنبع من و تنسجم مع " الغايات " الجوهريّة لإلغاء كافة الإستغلال و الإضطهاد عبر ثورة تُقاد على أساس علميّ .
و الآن ، بالنسبة بالشيوعيّة الجديدة و الاقتصاد السياسي ، كجزء من المقاربة العلمية للواقع و تغييره ، ألمحت آنفا إلى مسألة الفوضى كشكل شامل رئيسي لحركة التناقض الأساسي للرأسماليّة . و هذه مسألة خلافيّة جدّا في صفوف من يعتبرون أنفسهم شيوعيين لأنّه ، إلى جانب تجسيد الجماهير الشعبيّة و التذيّل لها ، هناك فكرة أنّ المركزي في كلّ شيء يجب أن يكون الصراع الطبقي ( أو بصفة أعمّ نضال المضطهًدين ضد المضطهِدين ). و الآن ، طبعا ، الصراع الطبقي و مجمل النضال ضد الإضطهاد ، قوّة محرّكة للمجتمع و تغييره . لكن المسألة هي : ما الذى يقوم عليه هذا ، ما الذى ينبع منه ؟ ما هي الظروف الماديّة التي ينشأ عنها و تأثّر و تشكّل هذا الصراع ، و بإتّجاه أي هدف يمكن لهذا الصراع أن يتجه ، على أساس التناقضات الراهنة التي يقوم عليها ؟ بكلمات أخرى ، هذه مسألة ماديّة و ماديّة جدليّة مقابل المثاليّة ( طبخ أفكار في الرأس لا تكون لها أيّة صلة حقيقيّة بالواقع ) و الميتافيزيقا ( مفهوم الإطلاقيّات التي لا تتغيّر ). و بالنسبة لبعض الذين يعتبرون أنفسهم شيوعيين ، علينا دائما أن نقول إنّ الشيء المفتاح هو الصراع الطبقي ، الصراع ضد الإضطهاد ، على حو يفصل هذا عن أي أساس مادي . ثمّ يصبح من جديد مسألة دينيّة ( نظرة و مقاربة معادلة لدوغما دينيّة ) بدلا من مقاربة علميّة لأجل القيادة العمليّة لذلك الصراع بإتّجاه إلغاء الإضطهاد الطبقي و كافة أشكال الإضطهاد الأخرى .
و كي نتوغّل أكثر بقليل في هذا الموضوع ، مثلما تحدّثت عن ذلك سابقا ن شخّص إنجلز في " ضد دوهرينغ " شكلي حركة التناقض الأساسي للرأسماليّة – هذان الشكلان من الحركة هما التناقض الطبقي و تناقض فوضى / تنظيم . بهذا المضمار ، في مقال " حول " القوّة المحرّكة للفوضى " و ديناميكيّة التغيير " ذكر ريموند لوتا موقفى التالي :
" فى الواقع فوضى الإنتاج الرأسمالي هي القوّة المحرّكة لهذه السيرورة حتى و إن كان التناقض بين البرجوازية و البروليتاريا جزء لا يتجزّأ من التناقض بين الإنتاج الإجتماعي و التملّك الفردي . و فى حين أنّ إستغلال قوّة العمل هو الشكل الذى به و من خلاله يُنتج فائض القيمة و يتمّ تملّكه ، فإنّ العلاقات الفوضوية بين المنتجين الرأسماليين ، و ليس مجرّد وجود البروليتاريين الذين لا يملكون شيئا أو التناقض الطبقي فى حدّ ذاته ، هي التى تدفع هؤلاء المنتجين إلى إستغلال الطبقة العاملة على نطاق أوسع و أشدّ تاريخيّا . قوّة الفوضى المحرّكة هذه تعبير عن واقع أنّ نمط الإنتاج الرأسمالي يمثّل التطوّر التام للإنتاج السلعي وقانون القيمة . " (29) [ التشديد في النصّ الأصلي ] .
ثمّ هناك هذه الفقرة الهامة للغاية :
" إن لم يكن الأمر أنّ هؤلاء المنتجين للسلع الرأسمالية منفصلون عن بعضهم البعض رغم أنّهم مرتبطون بسير قانون القيمة، لن يواجهوا ذات الحاجة إلى إستغلال البروليتاريا – يمكن تلطيف التناقض الطبقي بين البرجوازية و البروليتاريا . إنّه الإضطرار الداخلي لرأس المال للتوسّع هو الذى يفسّر الديناميكية التاريخية غير المسبوقة لنمط الإنتاج هذا ، سيرورة تغيّر بإستمرار علاقات القيمة وهي التى تؤدّى إلى أزمة . " (30)
و مثلما أشرت إلى ذلك في نقاش هذا في كتاب " الشيوعية الجديدة " ، هناك قدر كبير مكثّف هنا ( بداية من الجملة الأولى من المقتطف أعلاه ) ، و يمضى هذا مباشرة ضد الكثير من ما أصبح " أحكام تقليديّة " و أفكار مسبّقة سائدة داخل الحركة الشيوعية العالميّة . و المعنى هنا مرّة أخرى هو المسألة الجوهريّة لما إذا كانت الحركة الشيوعية ستعتمد على تحليل و تلخيص علميّين ، ماديين جدليّين للواقع كما هو فعلا و كما يتحرّك و يتغيّر على أساس تناقضات هذا الواقع ، أم على شيوعية مشوّهة و وقع إفسادها تنطلق أساسا من محاولات غير علميّة – و في الواقع مناهضة للعلم – لتفرض على الواقع أفكار مسبّقة ، دوغما و ما يساوى مخطّطات مثاليّة لا أساس واقعي لها .
هذا في منتهى الأهمّية و يشمل الكثير من القطيعة مع التجسيد و النزعات ذات الصلة و الخاطئة . لهذا السبب ، أودّ أن نركّز على وجه الخصوص على موقف " إن لم يكن الأمر أنّ هؤلاء المنتجين للسلع الرأسمالية منفصلون عن بعضهم البعض رغم أنّهم مرتبطون بسير قانون القيمة، لن يواجهوا ذات الحاجة إلى إستغلال البروليتاريا – يمكن تلطيف التناقض الطبقي بين البرجوازية و البروليتاريا . "
ماذا يعنى أنّها منفصلة عن بعضها البعض و في الآن نفسه مرتبطة بقانون القيمة ( " مرتبطة بسير قانون القيمة " )؟ حسنا، تحيل منفصلة عن بعضها البعض على واقع أنّها تراكم في مجموعات رأس مال منفصلة – لا يشكّل الكلّ جبلا كبيرا واحدا من رأس المال يتقاسمونه . هناك ملكيّة خاصة لأقسام مختلفة من الاقتصاد الرأسمالي ، و مجموعات رأس المال هذه تتنافس مع بعضها البعض . هي منفصلة عن بعضها البعض على هذا النحو . و مع ذلك ، هناك الجزء الآخر : هي مرتبطة بسير قانون القيمة . ما معنى ذلك ؟ ما هو قانون القيمة ؟ يعبّر قانون القيمة عن واقع أنّ قيمة أي شيء تتحدّد بالعمل الضروري إجتماعيّا المستغرق في إنتاجه . هنا لا يسعنى أن أتوغّل في كلّ هذا لكن ماركس بدأ عمله العظيم " رأس المال " بتفحّص السلعة . و رسم تطوّرها التاريخي ، كيف أنّ الإنتاج السلعي في المجتمعات البدائيّة الأولى قد كان بأنواع معيّنة من المقايضة ثمّ تطوّر إلى حيث أضحت أشياء كالبقر يجرى تبادلها بجملة من السلع الأخرى – لكن ذلك كان محدودا للغاية لأنّ ، بعد كلّ شيء ، البقر يموت و ثمّة مشاكل أخرى . و هكذا في النهاية ، تطوّر الأمر إلى حيث أمسى الذهب بإعتباره معدنا ثمينا و لا يُحطّم بسهولة ، أمسى بالفعل المعادل العالمي لكافة السلع الأخرى .
في كتاب جوناتان سويفت ، " رحلات جوليفار " ، في رحلة من الرحلات ( مغامرة من مغامرات جوليفار ) يقصد مجتمعا أين بدلا من إمتلاك لغة أكثر عالميّة يتحدّثها ذلك الشعب ، لديهم كلمات على لافتات كبرى و كان على الناس حمل هذه اللافتات الكبرى كلّما أرادوا التواصل مع شخص آخر ، وهو شيء بداهة ثقيل للغاية . و المقارنة التي أعقدها هنا تخصّ التبادل السلعي . تصوّروا إذا كان كلّ واحد يتبادل السلع عوض إستخدام المال ( أو شيء معادل للمال ) يكون علينا ان نحمل السلع التي سنتبادلها موضوعيّا – و سيكون ذلك مثقلا لكاهلنا و عمليّا غير ممكن . لذا تاريخيّا - ليس بقرار شخص جالس و يصنع القرارات بل تاريخيّا ، عبر المحاولة و الخطأ و هكذا - بلغ التطوّر أن الذهب أضحى المعادل العالمي . و أضحى المال تجريدا للذهب . و الآن لدينا تجريدات للمال - أمسى كلّ هذا طفيليّا و معقّدا للغاية - لكن في الأساس ، طوال فترة زمنيّة كاملة ، بات الذهب هو بديل لكافة السلع الأخرى .
و كما أشرت في " الشيوعية الجديدة " ، ما الذى يتبادله الناس عمليّا حينما يتبادلون السلع ؟ إنّهم يتبادلون قدرا من العمل - عمل ضروري إجتماعيّا - يستغرقه إنتاج هذه السلع . إذا كنت تستطيع صناعة شيء بسرعة كبيرة و يستغرق ذلك العمل أسبوعين من شخص آخر ، إذا تبادلوا ذلك معك ، سرعان ما سيجدون أنفسهم في وضع سيّء جدّا . لذا العمل الضروري إجتماعيّا هو ما يقع تبادله ، حتّى و إن كان مختفيا في العلاقات السلعيّة اليوميّة ، لا سيما الآن مع هذه المضاربة الماليّة الطفيليّة العالية بقمّة المضاربة الماليّة ( بالعملة الرقميّة بأعلى بقيّة ذلك). لكن هذا هو الشيء الكامن - تبادل العمل . و ليس بوسعنا إنشاء إقتصاد يسير و الناس ليس بوسعهم البقاء على قيد الحياة ، طوال أيّة فترة من الزمن ، إن كان تبادل العمل مجتزّا تماما .
وراء كلّ المضاربة الماليّة ، و كلّ ما يرتبط بها ، قانون القيمة يوحّد كافة الإنتاج و التبادل . و يتبيّن أنّه حتّى مع تدخّل الإحتكارات و جميع أصناف التعديلات السياسيّة و التعريفات و كافة بقيّة ذلك ، هناك نزعة لدى رأس المال للتوجّه نحو تلك المجالات الأوفر ربحا و نزعة معدّل الربح نحو التساوى لأنّه إن كان شيئا أوفر ربحا لفترة فإنّ المزيد من رأس المال سيلتحق بهذا المجال و تاليا ستحدث المزيد من المنافسة و سينخفض معدّل الربح او الفائدة . و هكذا ، ثمّة نزعة عامة لأنّ يصبح معدّل الربح موحّد ، حتّى و إن كان هذا بإستمرار يتمزّق بفعل فوضى الرأسماليّة . وراء ظهر الرأسماليّين ، إن أمكن قول ذلك ، أو حتّى بحساباتهم ، قانون القيمة يؤكّد نفسه و يعيد تأكيد نفسه بإستمرار إلاّ أنّ هذا يجرى عبر ذات فوضى الإنتاج و التبادل الرأسماليين . كان هذا من الأشياء التي ذكرها أيضا ريموند لوتا في مقاله ، ذكر أنّ فوضاها العامة هي نظامها . و هذا ما يتسبّب بإستمرار في محاولة إنتاج المزيد من الربح بالمزيد من تشديد إستغلال البروليتاريين برفع سرعة النسق للترفيع في الإنتاج في فترة زمنيّة معيّنة ، و بتحريك الإستثمار من جهة إلى جهة أخرى من العالم أين يكون بوسعه مزيد إستغلال الناس بشدّة و بيد عاملة رخيصة ، و بإدخال التكنولوجيا التي تخوّل الرفع من الإنتاجيّة لإنتاج ذات كمّية أو حتّى أكثر بعدد أقلّ من العمّال .
و كلّ هذا ، مرّة أخرى ، في منتهى التناقض لأنّنا الآن عدنا إلى رأس المال القار و رأس المال المتحوّل – حالما تدخل آلات جديدة ( رأسمال قار)، إذا ما إرتفعت نسبة الآلات نسبة لقوّة العمل ، بالتالى جزء رأس المال ( رأس المال المتحوّل) الذى يمكنك من إستخراج فائض القيمة قد تقلّص . و هذا يخفّض من معدّل الربح و تاليا سيكون عليك أن تحاول أن تتّخذ إجراءات تعويضيّة لموازنة ذلك . و مجدّدا ، يُوجّه كلّ هذا من قبل الرأسماليين المنفصلين ، لكن الذين عليهم في آخر المطاف أن يتنافسوا مع بعضهم البعض – ليس ضرورة في حساباتهم المباشرة بل في آخر المطاف - على أساس قانون القيمة .
هذا ما يدفعهم نحو تشديد إستغلال البروليتاريا . و لهذا يمكنك العمل لفائدتهم لمدّة 25 سنة و يتمّ تسريحك في اليوم التالى - و من هنا بوسعهم وعدك بشيء واحد اليوم و غدا ربّما لا شيء في ما يتّصل بالخدمات الصحّية مثلا ، و من هنا ، يأتون إلى العمّال و يقولون لهم : " إذا لم نخفّض من رواتبكم سيكون علينا تسريحكم جميعا ، أو إذا لم تتخلّوا عن هذه الخدمات الصحّية سنضطرّ إلى تسريح نصفكم ". و هذا ما يدفعهم إلى البحث بإستمرار عن مصادر جديدة لرأس المال المتحوّل ، و خاصة البشر الذين يمكنكم إستغلالهم بشدّة أكبر و بأجور أبخس .
و ينجم كلّ هذا عن كون الفوضى هي القوّة المحرّكة . هذا ما يعنيه الموقف القائل إنّه إن لم يكونوا مرتبطين معا بقانون القيمة بينما في الآن نفسه هم منفصلون إلى مجموعات تملّك خاص لرأس المال يضطرّوا إلى إستغلال العمّال هذا الإستغلال الكبير ، لكان بإمكانهم التخفيف من ذلك - بإمكانهم قول : " أكيد ، سنوفّر لكم ضمانا بموطن شغل مدى الحياة . أكيد ، سندفع لكم أجرا يمكّنكم من العيش حياة كريمة ". في الولايات المتحدة ، إبّان ذروة النقابات و ما إلى ذلك ، لفترة عقب الحرب العالميّة الثانية ، كان لدى عدد هام من العمّال الأجراء منزل و سيّارتان و قارب و عربة عطلة . حسنا ، بالنسبة للكثير منهم الآن إضمحلّ ذلك اليوم جرّاء سير الرأسماليّة اليوم في مجال مُعولم عالميّا بصورة متصاعدة .
و هذا " النظام الفوضوي " ليس سيرورة " محايدة " - فتبعاته فظيعة . و مثلما شدّدت على ذلك في " المشكل و الحلّ و التحدّيات التي نواجهها " ، الواقع العنيف هو أنّ هذه الفوضى ... تتسبّب في عذابات هائلة للشعوب و للبيئة على الصعيد العالمي ، و هذا النظام و ديناميكيّته الداخليّة قد أوصلاهما إلى نقطة حيث ذات مستقبل و وجود الإنسانيّة مهدّدان تهديدا جدّيا. ثمّ ، فوق كلّ هذا ، هناك تحطيم كبير ناجم عن الحروب والإنقلابات و الحركات الدمويّة الأخرى التي يقوم بها حكم هذا النظام الإضطهادي في كلّ ركن من أركان العالم ". (31)
و فهم هذا مسألة غاية في الأهمّية . التفكير ببساطة أنّ طريقة القضاء على الرأسماليّة مجرّد صراع طبقي ، يجهل الأساس الذى يجرى عليه الصراع الطبقي . يجهل التغيير المستمرّ لظروف جماهير الشعب الذى يجب أن نتعاطى معه لأجل كسبها و تعبأتها للقتال من أجل مصلحتها الأساسيّة الخاصة عبر الثورة التي تحتاجها .
لذا مرّة أخرى ، هي مسألة ما إذا كنّا نتصرّف علميّا أم نتصرّف على قاعدة الأفكار الذاتيّة و مجرّد مفهوم أنّ الصراع الطبقي نفسه ، المنفصل عن أيّة ظروف ماديّة كامنة في هذا الصراع ، سيقدر على أن يقودنا إلى الحلّ الضروري . لننظر إلى الطبقات و الهياكل الإجتماعيّة المختلفة عينها في هذه البلاد اليوم مقارنة بثلاثة أو أربعة عقود مضت . لننظر إلى الظروف المادية المختلفة للناس الذين يحتاجون إلى أن يكونوا معبّئين من أجل هذه الثورة . ماذا عن الناس الذين إشتغلوا في مصانع فولاذ الولايات المتحدة في غارى من ولاية أنديانا ، و الآن لا شغل لديهم تماما ، مع مصانع الفولاذ الكثيرة التي أغلقت أبوابها فأصبحت غارى بالأساس مدينة أشباح ؟ هل تعتقدون أن بوسعهم مجرّد قول " الصراع الطبقي " ، " الصراع الطبقي " ، " الصراع الطبقي " ؟ أين هم البروليتاريّون لخوض الصراع الطبقي ؟ إنّهم في وضع مغاير الآن - و لن يفيد التصرّف كما لو أنّنا لسنا في حاجة إلى التفكير في ذلك ، نحتاج فقط إلى قول " الصراع الطبقي ، النضال من أجل الإشتراكية " . لن يؤدّى ذلك إلى أي شيء جيّد . على هذا النحو لن نتوصّل حتّى إلى تحقيق القفزة الكبرى الأولى و الإطاحة بهذا النظام ، و بالتأكيد لن نقدر على تغيير المجتمع على نحو يعالج به " الكلّ الأربعة " بما في ذلك الإختلافات الطبقيّة و الإستغلال .
لا يكمن الأساس الموضوعي للثورة البروليتاريّة في الرغبة الكامنة لدى البروليتاريين في النضال ضد البرجوازية و الإطاحة بها . بالأحرى ، يكمن في ذات طبيعة النظام الرأسمالي و سيره ، في التناقضات الكبرى المركزيّة و الأساسيّة لهذا النظام لكنّها غير ممكنة الحلّ في ظلّه و البؤس الذى تتعرّض إليه الجماهير الشعبيّة عبر العالم قاطبة نتيجة لذلك . غير انّ هذا يجب أن يُفهم بالمعنى الواسع و ليس بمجرّد معنى ضيّق إقتصادوي . في موقفى الذى ذكره مقال ريموند لوتا و الذى مرّ بنا أعلاه ، يقال إنّ هذه السيرورة التي تحرّكها فوضى الإنتاج و المراكمة الرأسماليتين ، تغيّر بإستمرار علاقات القيمة و تفضى إلى أزمات . و هذه " الأزمات " التي تفضى إليها بصورة متكرّرة الرأسماليّة ليست مجرّد أزمات إقتصادية ؛ و على خلاف الكثير من عدم الفهم و التشويهات السائدين ، الفهم العلمي للشيوعية ليس أنّ الرأسماليّة " ستتداعى " بنفسها - يجب أن نطيح بها بواسطة العمل الثوري للجماهير الشعبيّة التي تعرّضها الرأسماليّة للبؤس المستمرّ و لأزمات متشعّبة و متنوّعة بما فيها الحروب و تحطيم البيئة المتجذّرين في التناقضات و الديناميكيّة الأساسيّين لهذا النظام .
و إنطلاقا من مزيد الإرتباط بالخلاصة الجديدة و تطويرها للشيوعيّة على أساس أصلب و أكثر إنسجاما علميّا ، أودّ أن أعود إلى مسألة الضرورة و الحرّية . في نقده لموقف لإنجلز مفاده أنّ الحرّية هي الإعتراف بالضرورة ، أوضح ماو تسى تونغ أنّه يجب أن نضيف شيئا آخر - يجب أن نفهم الحرّية على انّها الإعتراف بالضرورة و تغييرها . و قال ماو إنّه يجب أن نخوض صراعا . و هذه نقطة في غاية الأهمّية. و مع الخلاصة الجديدة تطوّر أكثر فهم العلاقة بين الضرورة و الحرّية.
دعونى أستهلّ الكلام بهذا الصدد بموقف صغته و إستشهدت به أرديا سكايبراك في كتابها " حول الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة " :
" لا ظهور النوع الإنساني و لا تطوّر المجتمع الإنساني إلى الوقت الحاضر كانا محدّدين مسبّقا أو إتّبعا مسارات محدّدة مسبّقا . لا وجود لإرادة أو عامل فائقين قد صوّرا و شكّلا كلّ مثل هذا التطوّر ، و الطبيعة و التاريخ لا يجب أن يعاملا على هذا النحو - كطبيعة و تاريخ . بالأحرى يحدث مثل هذا التطوّر من خلال التفاعل الجدلي بين الضرورة و الصدفة و فى حال التاريخ الإنساني بين القوى المادية الكامنة و النشاط و صراع الناس الواعيين ." (32)
و لنفكّك هذا بعض التفكيك . الصدفة ... و الضرورة . لهذه العلاقة صلة بالطبيعة اللامتناهية و المتحرّكة للمادة . إنّ الحتميّة الصارمة ( أي المطلقة ) – حجّة أنّ ، في النهاية ، لا وجود لشيء مثل " الصدفة " بل فقط سببيّة ( و إن كانت لديك القدرة على فعل ذلك . بوسعك رسم سببيّة كلّ ما وقع - و بصورة موسّعة كلّ ما سيقع ) - تؤدّى منطقيّا إلى " السبب الأوّلى " إلى إلاه - و في الردّ على ذلك و لدحضه ، دعونى أقدّم التالى كخبز/ مادة للتفكير . إنّ لأشكال خاصة من المادة في حركة بداية و نهاية ، لكن المادة عينها يجب أن تكون لها بداية ، و هذا سيتطلّب شيئا " قبل " المادة ، شيئا " خارجا " عن المادة ، شيئا ( إلاها ) اوجد المادة ( خلقها ). إنّ الوجود اللامتناهى للمادة بلا بداية و لا نهاية ، شيء قاسي جدّا بالنسبة إلى العقل الإنساني ( حتّى عقل إلى درجة كبيرة لا تعرقله و لا ترتّبه المثاليّة و الأفكار المسبّقة البرجوازية ) لإستيعابه أو حتّى التفكير فيه ( يصيب رأسك بالصداع ! ). لكن هذه هي الخلاصة الوحيدة التي يمكن بلوغها بتطبيق منهج و مقاربة علميين ، ماديين جدليين . إنّها الإستنتاج الوحيد الناجم عن و المناسب لما توجد عمليّا دلائل تؤيّده - وجود المادة - و ما ليس هناك أدلّة عليه – وجود قوى غير ماديّة و بالخصوص ما فوق الطبيعة ( و منها إلاه أو آلهة ). و إن المادة ( و نعنى بها كلّ ما له وجود مادي بأي شكل كان بما في ذلك الطاقة ) موجودة بلا نهاية و موجودة بإستمرار و بلا نهاية كمادة في حركة ، تشهد تكرارا تغييرات - وآخذين بعين الإعتبار أنّ هناك مستويات و أشكال مختلفة من المادة في حركة ، لها وجود متميّز نسبيّا و تتميّز بتناقضاتها المحدّدة الخاصة ، في كلّ زمن معطى – من كلّ هذا نستخلص أنّه لا وجود و لا يمكن أن توجد " سلسلة غير منكسرة من السببيّة " ولا سلسلة واحدة . لذا في الواقع المادي ، ثمّة سببيّة ، لكن ثمّة أيضا صدفة .
أمّا بالنسبة إلى الجزء الآخر من الموقف في ما يتّصل بالعلاقة بين القوى المادية الأساسية و النشاط و النضال الإنسانيين ، يعود هذا إلى موقف ماركس القائل بأنّ الشعب يصنع التاريخ لكن ليس بالطريقة التي يتمنّاها . يصنعه في إطار مجتمع يرثه، في إطار قاعدة خاصة إقتصادية للمجتمع ، قوى إنتاج المجتمع المتوفّرة و علاقات الإنتاج المتناسبة معها . و يقومون بذلك عبر قفزات راديكاليّة ، ثورات في المجتمع الإنساني ، حيث يغيّرون هذه الظروف الأساسيّة . لكنهم يقومون بذلك على أساس ما يوجد ، و ليس بإستحضار نوع من التغيير خارج من مخيّلاتهم . و هذا أيضا مقارنة صيغت في كتاب " العصافير و التماسيح " - مقارنة التطوّر مع العالم الطبيعي . يأتي التطوّر الطبيعي بتغييرات مستمرّة و تحوّلات نوعيّة ، منها ظهور أنواع جديدة لكنّه يقوم بذلك على أساس المادة الموجودة بعدُ ، و ليس بحقن شيء في السيرورة بفعل قوّة خارجيّة - و هذا ، مرّة أخرى ، سيكون إلاها ، أو " مصمّما ذكيّا " ( أو أي شيء تريدون تسميته به ) . و ينسحب الشيء ذاته على التطوّر و التغيير التاريخيين للمجتمع الإنساني . تصنع الشعوب التاريخ لكنّها تصنعه بالتأثير على الواقع المادي الذى تواجهه ، بتغيير ذلك الواقع المادي ، و ليس بإستحضار شيء من مخيّلتها لفكرة كيف ترغب أن يكون المجتمع ثمّ تفرض ذلك على الواقع .
في خطاب " الشيوعية و ديمقراطية جيفرسون " (33) تفحّصت كيف أنّ هناك نزعة محدّدة في النظريّة السياسيّة البرجوازيّة تعدّ بالأساس الحرّية كشيء سلبيّ – حرّية من شيء ، كقمع الدولة – كحرّية وحيدة إيجابيّة ( أغفروا لى اللعب على الكلمات الذى لم أستطع مقاومته ! ) . فمثل هذه النظريّة البرجوازية تنظر إلى محاولة الحرّية الإيجابيّة - تحمّس الناس إلى العمل من أجل بعض الأهداف - على أنّها متأصّلة في أو على ألقلّ في آخر المطاف قسريّة و تنزع نحو الكليانيّة . و هذا فهم جوهريّا خاطئ فاقد ل و في نزاع مع مقاربة علميّة ، ماديّة - جدليّة للواقع بما فيها العلاقات الإجتماعيّة الإنسانيّة. و دون المزيد من التوغّل في هذا بصفة أتمّ ، من الصحيح و الهام التشديد على أنّه يمكن أن توجد - و مع المجتمع الإشتراكي و حتّى أكثر مع المجتمع الشيوعي ، نهائيّا ستوجد - حرّية إيجابيّة ، جدّ إيجابيّة . و يرتبط هذا بالعلاقة بين الضرورة و الحرّية مرّة أخرى - الفهم الصحيح والعمل وفق فهم صحيح لهذه العلاقة .
و التالى من " الشيوعية و ديمقراطيّة جيفرسون " ينكبّ على بعض المظاهر الأساسيّة لهذا :
" جوهريّ لتقدير صحيح لهذا هو فهم أنّه لم يوجد أبدا و لا يمكن أبدا أن يوجد ، مجتمع أو عالم - لن يكون وجود إنساني ممكنا أبدا - دون ضرورة ، و لهذا ، دون قسر بشكل أو آخر . و المسألة هي : ما هي العلاقة بين الضرورة و القسر من جهة و الظروف الماديّة الأساسيّة من جهة أخرى ...؟
إلى جانب هذا ، هناك واقع أنّ ، في أي زمن معطى وبطريقة أو أخرى ، " سيتحدّد الإطار " . و هذه طريقة أخرى للحديث عن وجود الضرورة و دورها . " يحدّد الإطار" بالواقع الموضوعي بالمعنى الأشمل ، و سيحدّد أيضا ، أجل ، عبر النشاط الواعي للبشر – كأفراد و لكن أكثر أساسيّة و بـتاثير أكبر ، كقوى إجتماعيّة . و يتمّ التعبير عن هذا بعدّة طرق في المجتمع الرأسمالي . ثمّة الضرورة على مستوى قاعدي ، بالنسبة للناس ثمّة ضرورة العثور على شغل للتمكّن من الحياة ...
و لمزيد الأمثلة ، لنأخذ بعض أفضل تطلّعات بعض الأشخاص الأكثر تقدّميّة . إنّهم لا يحبّون – في الواقع ، تضجرهم و ربّما تضجرهم بعمق – عدّة مظاهر من اللامساواة الإجتماعيّة القائمة : تلك بين النساء و الرجال ، و في إضطهاد الأقلّيات القوميّة و في أشكال أخرى . إلاّ أنّ هذه الحدود قد حدّدها ، هذه العلاقات قد تركّزت و توطّدت ، نتيجة ذات و عبر ديناميكيّة هذا النظام ، و ليس على الناس مجرّد " الإختيار " لإلغائها نظرا لكرههم لها ، حتّى و إن فعلوا . يجد الناس أنفسهم مجبرين على التفاعل مع الظروف و الأطر المحدّدة و المفروضة عليهم من قبل قوى واقعة فوقهم كأفراد . و في الواقع ، سيكون هذا صحيحا دائما بالنسبة للبشر في أي مجتمع . و الإختلاف يكمن في أنّه في المجتمع الشيوعي ، الإنقسامات الطبقيّة و العلاقات الإجتماعيّة الإضطهاديّة الأخرى سيتمّ القضاء عليها ؛ هذه العلاقات و النظرة التي ترافقها لن يقفا حجر عثرة أمام و لن يتصادما مع جهود البشر - فرديّا و فوق كلّ شيء تعاونيّا و جماعيّا - للتفاعل مع الضرورة التى يواجهونها في أي زمن معطى . لكن في الوقت الحالي ، لا نزال في عهد تاريخ الإنسان حيث أيّة محاولات فرديّة أو جماعيّة للتفاعل مع الضرورة ليس عليها فحسب أن تواجه تلك الضرورة بالمعنى العام ، بل بمحاولة القيام بذلك تواجه عراقيلا تفرضها الإنقسامات الإجتماعيّة و الطبقيّة و الأفكار و النظرات المناسبة لها .
و الإختلاف الأساسي في ما يتّصل بالمجتمع الشيوعي ليس أنّه لن نواجه بعدُ الضرورة ، أو أنّه لن يحدّد إطار – ليس فقط من طرف الطبيعة بل أيضا من طرف المجتمع – لكن البشر ، أفرادا و فوق كلّ شيء جماعيّا ، سيتمكّنون من مواجهة و مقاربة تغيير هذه الضرورة دون عرقلة الإنقسامات الطبقيّة و العلاقات الإجتماعيّة الإضطهاديّة الأخرى و ما يتناسب معها من أفكار ، و منها الطرق التي بها يشوّه فهم الواقع من خلال الزجاج الموشور للعلاقات الإجتماعيّة و الطبقية التناحريّة ، و الأفكار و النظرات المتناسبة معها .
و كخلاصة لهذه النقطة ، الشيوعية لا ترتئى ببساطة أو بأكثر أساسيّة ولا تشمل " الحرّية السلبيّة " - أي الطرق التي بها سيقدر الناس في المجتمع الإشتراكي و كذلك في المجتمع الشيوعي ، بفضلها على إتّباع ميولات فرديّة خاصة دون تدخّل مؤسّسات المجتمع ، طالما أنّ هذا لا يضرّ بالآخرين ، أو بالمجتمع ككلّ ، بطريقة قد تحدّدت إجتماعيّا على أنّها غير مقبولة - و إنّما ، أبعد من ذلك ، ترتئى الشيوعية و ستجسّد بعدا جديدا كاملا من الحرّية الإيجابيّة : أناس يسعون و يكرّسون فرديّا لكن بالأخصّ بصفة مشتركة و من خلال تفاعلهم المشترك - بما في ذلك عبر الصراع غير العدائي - التغيير الجاري للمجتمع و للطبيعة ( و العلاقة بين الإثنين ) بإستمرار الحياة الماديّة و الفكريّة و الثقافيّة للمجتمع ككلّ و كذلك للأفراد الذين يكوّنون المجتمع " (34) [ التشديد في النصّ الأصلي ]
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++