المتغيرات الفلسطينية ما بعد أوسلو

غازي الصوراني
2019 / 12 / 22

في حالتنا الفلسطينية، كان بروز خطر المشروع الصهيوني مُحَفزًا لبروز الهوية العربية الفلسطينية بداية القرن العشرين في سياق تصادمها معه كخطر داهم يهدد الوجود الفلسطيني ذاته، وازدادت مفاعيل هذا الخطر بعد تعرض الشعب الفلسطيني لتهجير قسري وتطهير عرقي وضرب لوجوده المادي على أرض وطنه عام 1948، ومن ثم بداية مرحلة اللجوء والمنافي في ظل أنظمة عربية حَرَمتْ الفلسطيني من التعبير عن هويته الوطنية وتجسيدها، الأمر الذي أدى إلى التحاق الوطنيين الفلسطينيين ضمن الأطر والحركات القومية أو الشيوعية أو الدينية.
وقد تميز الاطار القومي في تلك المرحلة بقيادة الراحل جمال عبد الناصر إلى جانب حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي، باحتضان الهوية الوطنية الفلسطينية ودمجها مع الهوية القومية العربية التي التحمت بالوعي العفوي الجماهيري العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً، بصورة ما زالت –بهذه الدرجة أو تلك- ماثلة في أذهان شعبنا.
ثم جاءت هزيمة حزيران 1967، لتشكل حقلًا مختلفًا في التركيز على التعبير الكياني للهوية الوطنية الفلسطينية، من خلال ما مثلته منظمة التحرير الفلسطينية وانطلاق العمل الفدائي بالتزامن مع انتشار قواعد الفدائيين، وتصاعد النضال والخطاب الثوريين، بحيث أنه كلما تصاعد النضال ضد المشروع الصهيوني كلما تزايد وعي شعبنا بهويته الوطنية المعبرة عن طموحاته.
وفي هذه المرحلة، تجلت وترسخت الهوية الوطنية الفلسطينية، وتطورت في إطار النضال الوطني، وهذا ما حصل مع انطلاق الثورة الفلسطينية، ثم تجسدت من خلال الجماهير عبر اندلاع الانتفاضة الشعبية في العام 1987، حيث لوحظ التزايد المضطرد في التمسك بالهوية ورموزها ومختلف مكوناتها، والعكس صحيح، فكلما تراجع هذا النضال تراجع الإحساس بالهوية الوطنية، وحلت محلها هويات نقيضه، دينية وجهوية وعشائرية، وهذا ما جرى بعد اتفاق أوسلو الكارثي وقيام سلطة الحكم الإداري الذاتي التي لم تنجح في تحقيق الحد الأدنى من طموحات شعبنا في تحقيق أهدافه الوطنية، وترسيخ أسس الديمقراطية بعيداً عن الاستبداد وكافة مظاهر الفساد ، الأمر الذي راكم العديد من العوامل التي خلقت مناخات الصراع الفئوي بين حركتي فتح وحماس وصولاً إلى الانقسام البغيض في 14 حزيران 2007.
وفي ظروف الانقسام الفلسطيني والصراع على المصالح الفئوية الضاره بين حركتي فتح وحماس، بات من المعروف أن حركة فتح استمرت في التمسك باتفاق أوسلو الكارثي وخياره التفاوضي، إلى جانب مراهنتها على ما يسمى بالعملية السلمية في إطار المراهنة على الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب المراهنة على الأنظمة العربية الأكثر خضوعاً وتبعية للسياسات الأمريكية، ما يعني بوضوح أننا –في هذه المرحلة- قد نكون أمام "استحقاق" يمكن أن نطلق عليه وصف "أوسلو جديد" ينطبق من الرؤية الواقعيه الرثة التي يجسدها الرئيس أبو مازن وقيادة حركة فتح.
اما حركة حماس فقد اعتمدت بدرجة أساسية على تنظيمها الأم "الإخوان المسلمين" واستراتيجيته وتحالفاته المباشرة وغير المباشرة مع الغرب الرأسمالي من ناحية، وعلاقاته التاريخية من منظور المصالح الطبقية ذات اللباس الديني مع الأنظمة العربية الرجعية ودورها في تشجيع وتكريس الانقسام خاصة قطر ودويلات الخليج والسعودية، إلى جانب العلاقة العضوية مع النظام الاخواني في تركيا في سياق التآمر –من كل هذه الأطراف- على سوريا واليمن والعراق وليبيا والجزائر ومصر.. إلخ ، ولكن على الرغم من هذه المواقف، فإن حركة حماس استطاعت الحفاظ على العلاقة مع إيران التي لم تغلق الباب كلياً في وجه حماس حرصاً منها على دعم صمود شعبنا ومقاومته، على الرغم من رفض ايران للانقسام ودعوتها إلى استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية.
وفي هذا الجانب لا يمكنني تجاوز نزوع الإخوان المسلمين وحركة حماس على أن يكونوا بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعنصراً طارداً للهوية الوطنية الفلسطينية لحساب الهوية الاسلاموية ، وفي هذا الجانب فقد مثَّل ظهور "حماس" تحدياً للهوية الوطنية ولتعبيراتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، يؤكد على ذلك نصوص وثيقتها التي طرحت الهوية الدينية، بديلاً عن الهوية الوطنية ذات المضمون القومي الديمقراطي العلماني كما نص على ذلك ميثاق م.ت.ف، كما سعت حماس جاهدة إلى أسلمة المجتمع عبر عدد من مشاريع القوانين التي حاولت فرضها في قطاع غزة، بوهم إعادة صياغة الثقافة السياسية والمجتمعية والهوية الوطنية بالاستناد إلى ثقافة ترتكز على تراث الإسلام السياسي، معادية لمفاهيم الوطنية والقومية والثقافة والفنون المعبرة عنهما بصورة صريحة جسدت الأيديولوجية الدينية للحركة كما عَبّر عنها قادتها وشيوخها في ندوات وجمعيات وجوامع قطاع غزة.
وهنا بالضبط، أشير إلى أن استمرار حالة الانقسام، في إطار تشارك الكل في المسئولية عن أزمة النظام السياسي، يطرح تحديات كبيرة أمام الهوية والكيانية الفلسطينية، بتعرضهما للمزيد من التآكل والضمور والتشظي، وذلك نتيجة لغياب هدف وطني جامع يوحد الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم.
وهذا يطرح علينا في الجبهة الشعبية، وعلى كافة مكونات الحركة الوطنية مسئولية استنهاض الوطنية الفلسطينية بمعناها الهوياتي (الثقافي والرمزي) والكياني (السياسي)، من خلال تجديد بنى المشروع الوطني الفلسطيني، وتوليد رؤية وطنية جديدة تطابق بين شعب فلسطين وأرض فلسطين ومشروع حركتها الوطنية، وهذا يتطلب إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية (على قاعدة الوحدة والاختلاف)، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الذي يطابق بين الشعب والأرض والمشروع السياسي.
ما سبق يؤكد بأن السياق الطبيعي لتأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية وتطورها ايجابًا، لا يمكن تحقيقه إلا في إطار انهاء الانقسام واستعادة النظام الوطني الفلسطيني في إطار م.ت.ف. وفق قاعدة الوحدة الوطنية التعددية، بما يمكننا من الصمود في مواجهة كافة العوامل الخارجية، الأمريكية والإقليمية والعربية الرجعية من ناحية وفي تفعيل النضال الوطني الشعبي والكفاحي الكفيل وحده بإعادة الروح وتجسيد هويتنا الوطنية الفلسطينية، وبدون ذلك ستتعرض قضيتنا وهويتنا لمزيد من التصديع والتفكك لحساب المشاريع والمخططات التصفوية.
وفي هذا السياق، أشير إلى أن جماهير شعبنا الفلسطيني، على الرغم من كل ما تعرضت له من أوضاع وصراعات فئوية نقيضة لأهدافه وتطلعاته ومسيرة نضاله، إلا أن هذه الجماهير العفوية البسيطة، على الرغم من آلامها ومعاناتها، لم تستسلم لكل تلك الأوضاع ، ولكل مظاهر الاستبداد والقهر، وتفجر وعيها العفوي الذي تجلت سماته الجوهرية في قدرته على الحفاظ والتمسك بهويته الوطنية وبعدها القومي في روحها وعقلها مهما تفاقمت الأزمات التي تعرضت لها طوال التاريخ الحديث والمعاصر ، ذلك هو صمام الامان لهويتنا الوطنية الراسخة والمتحركة في خزان الوعي العفوي لشعبنا.
لكن ذلك لا يعني على الاطلاق تجاوز دور الوعي الطليعي الذي تجسده الثقافة الوطنية والقومية التقدمية، التي نعتز بدور جبهتنا الشعبية في رفع رايتها مع كافة الرفاق في الأحزاب والحركات القومية واليسارية العربية، كرافد أساس في تغذية الوعي الشعبي من ناحية وكرافد أساسي في تعميق الهوية الوطنية واثبات مقدرتها على الصمود في وجه العدوان الصهيوني ومقاومته من ناحية ثانية، ففي هذه العملية يكون الصراع التحرري هو المهد النموذجي الذي تتكون فيه الثقافة الوطنية التحررية الديمقراطية أو ثقافة الوحدة والهوية الوطنيتين –كما يقول فيصل دراج- "عبر القصة والراوية والشعر والفنون والأجناس الكتابية الأخرى"، إلى جانب جملة الوقائع العملية والنظرية التي تغذي الصراع التحرري وَتًؤَمِّن عوامل النصر والتقدم والانتشار والتمدد في عمقه العربي المحيط .
فإذا كان المنفى أو الشتات واللجوء، قد فرض على الفلسطيني معاناةً إضافية، فإن أبناء شعبنا في فلسطين 48 كما في الضفة وقطاع غزة، عاشوا تجربة أخرى وهي: تجربة الاحتلال والعدوان والاستيطان والجدار العازل والتمييز العنصري وتدمير القرى ونسف المنازل في محاولة يائسة يستهدف العدو الصهيوني من وراءها إلى ما أطلق عليه "كي الوعي" بِوَهَمْ إضعاف ذاكرة شعبنا التي تراكم في داخلها مزيداً من عوامل التحدي والصمود.
وهنا بالضبط تتجلى الروح الوطنية التوحيدية في مسيرة نضال شعبنا العربي الفلسطيني، الذي ما زال يشعر بوجوده وهويته المتميزة بشرف انتمائه، رغم كل عوامل العدوان والانقسام والتشرد والاضطهاد التي أدت إلى التباعد الإكراهي بين أجزائه المتناثرة داخل الوطن وخارجه .
فبالرغم من كل محاولات الدمج أو التوطين أو الأسرله، التي ترافقت مع العديد من صنوف القهر والقمع والتمييز العنصري، ظل شعبنا الفلسطيني سواء في الأراضي المحتلة 1948، أو في مخيمات المنافي، محافظاً على جوهر هويته الفلسطينية، متمسكاً بعناصرها، رغم بشاعة الممارسات الصهيونية وبعض الأنظمة العربية، وذلك ارتباطاً وانعكاساً لشعوره وإيمانه العميق بهويته الوطنية، التي تجسد عمق انتمائه التاريخي لفلسطين بوعي عفوي أسهم في تشكل الهوية الوطنية الراسخة والمتحركة في خزان الوعي الذاتي لشعبنا عموماً ، وفي أوساط شعبنا داخل "دولة" العدو الصهيوني خصوصاً .
فالذاكرة التاريخية بالنسبة لأبناء شعبنا في الوطن والشتات، هي ممارسة حاضرة، فهي تقوم بوظيفة تراثية وفولكلورية وأيديولوجية وسياسية ومجتمعية، تجسد الهوية الوطنية في إطار مسيرة النضال والكفاح الوطني التحرري ضد العدو الصهيوني ، وهو صراع مفتوح يعيد تجديد بما يؤدي إلى إعادة تطوير وتعميق الهوية الوطنية بكل ابعادها السياسية والمجتمعية .
ولا شك أن ذاكرة شعبنا تتجلى – في العديد من المنعطفات- بصورة جماعية في الوطن المحتل وفي كل مكان ، كذاكرة حية متمردة على الاضطهاد والاستغلال الصهيوني العنصري، لانها ذاكرة حيوية لم تقطع مع ماضيها في فلسطين المدينة والقرية والريف والمزارع والبيوت ، كما لم تقطع مع نضال الشعب ضد الاستعمار والهجرة الصهيونية والنضال والشهداء الذين ضحوا بأرواحهم ضد الغزوة الصهيونية ، لم تقطع رغم المعاناة والاضطهاد والتطهير العرقي والتشرد في مخيمات اللجوء وصولاً إلى اللحظة الراهنة ، لانها بالفعل ذاكره متمرده، ليس فقط على تاريخ صراعها مع الصهيونية والاستعمار والامبريالية ، بل متمردة أيضاً على تاريخ خيانة معظم النظام العربي منذ ما قبل النكبة وبعدها، بمثل ما هي حانقة ومتمردة على المصالح الفئوية والانقسام والصراع على المصالح بين حكومتي فتح وحماس غير الشرعيتين.
فبالرغم من مرور 72 عاماً على النكبة ظلت –وستظل- الذاكرة الفلسطينية الشعبية حافظة للهوية الوطنية وللوعي الوطني في كل محطات النضال، منذ ما قبل النكبة إلى يومنا هذا، وهي أيضاً ذاكرة التشرد والغربة والمعاناة التي تعرَّض لها أبناء شعبنا داخل الوطن المحتل كما في الشتات، وعززت لديهم روح الآمال الكبيرة في المستقبل الذي ستتحقق فيه الحرية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية عبر الممارسة الثورية لكافة أشكال النضال من أجل تحقيق أهدافنا في التحرر الوطني والديمقراطي في إطار النضال التحرري القومي الديمقراطي ، لذلك لم يكن غريباً أن تنصهر الهوية الوطنية ببعدها القومي داخل ذواتنا، نحن الفلسطينيون حاملة في رحمها، الذاكرتين معاً، ذاكرة الوطن المحتل، وذاكرة الغربة والشتات واللجوء، فلكل منها آلامها وآمالها الكبيرة لكي يتواصل نضال شعبنا تعبيراً عن هويته وأهدافه الوطنية الكبرى التي ضحى من أجلها.
وبالتالي فإن مركبات الهوية الوطنية الفلسطينية ، بمضمونها النضالي الديمقراطي ، ستظل تمثل بالنسبة لشعبنا جزءاً أصيلاً وجوهرياً من مكونات وعيه لذاته ووجوده ومستقبل نضاله وآماله واهدافه الوطنية التي لن تتحقق بمعزل عن هويته القومية الديمقراطية التوحيدية الجامعة لكل الهويات الوطنية القطريه.