عام على ثورة الشعب فى السودان .. خبرات ودروس

رياض حسن محرم
2019 / 12 / 20

لم تأت ثورة ديسمبر 2018 من فراغ، بل سبقتها مجموعة من الهباّت والإنتفاضات والثورات أكسبتها خبرات متراكمة عبر السنين، ما جعل الشعب السودانى يملك رصيدا متميزا من التجارب وضعه على قمة صنع الثورات السلمية فى العالم العربى وإفريقيا على السواء، ليس نضالا سلبيا على طريقة "غاندى"، ولكن كفاح جماهيرى منظم يصل الى العصيان المدنى الشامل، واضعا مجرى مستقل فى إطار ثورات التحرر الوطنى فى العالم.
أول هذه الهبات الثورية كانت عام 1964 ضد نظام حكم الفريق إبراهيم عبود، فقد اندلعت ثورة أكتوبر سنة 1964 ضد نظام الرئيس السوداني الفريق إبراهيم عبود مطيحةً بنظامه وقد انطلقت الثورة من جامعة الخرطوم، بعد مقتل الطالب بالجامعة أحمد القرشي، وكان تشييعه شرارة الثورة. وما يزال السودانيون يذكرون هذه الثورة الشعبية بكثير من التقدير والحفاوة، بينما قامت الثورة الثانية فى أبريل 1985 ضد نظام الرئيس السوداني "جعفر نميرى" بعد يومين فقط من إعلانه حالة الطوارئ التي تلت أيامًا من التظاهرات في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم والمدن الإقليمية الرئيسية مثل الأُبيِّض و ود مدني و عطبرة، وجاءت تلك الثورة بعد موجة من رفع أسعار السلع الغذائية وأسعار الوقود، واطيح بجعفر النميرى أثناءها بينما كان فى زيارة لمصر.
ومنذ أن قام "عمر حسن البشير" رئيس جمهورية السودان السابق (1989 - 2019)، ورئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وصوله إلى السلطة بانقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي عام 1989، وتوليه منصب رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني فى نفس العام حتى أطيح به فى ثورة ديسمبر2018، وتعد فترة حكمه الأطول في تاريخ السودان الحديث، إن ما حدث في ثورة ديسمبر- التي بدأت باحتجاجات محدودة تطالب بتوفير الخبز، ثم توسعت لتعم أنحاء السودان، وتطالب برحيل النظام،- كان عملاً غير مسبوق في تاريخ البلاد، لأسباب عدة أبرزها التزامها بالسلمية، والمشاركة الواسعة واللافتة للشباب والنساء، وشموليتها مدناً ومناطق السودان كافة،وبعد احتجاجات واسعة في الشارع السوداني
لقد شكل يوم 25 ديسمبر علامة فارقة في الثورة الشعبية، إذ صحت الخرطوم على أقدام دعوة بثها تجمع المهنيين السودانيين الذي يضم النقابات المهنية الكبرى من أطباء ومهندسين ومحامين وصحافيين وصيادلة وبيطريين وغيرهم للتظاهر، وجدت مؤازرة وتجاوباً شعبياً غير مسبوق، وكانت الدعوة بمثابة تحدٍ كبير للحكومة من جهة وللمنظمين أنفسهم الذين تفاجؤوا باتسعاع التأييد الشعبى، وبدأ الهدف المعلن للتجمع في قلب الخرطوم فكرة تقديم مذكرة من النقابات احتجاجاً على سياسات الحكومة الاقتصادية، لكن تطور الأوضاع السياسية المتسارع جعل النقابات ترفع من سقف مطالبها إلى تسليم القصر الرئاسي مذكرة تدعو صراحة إلى استقالة الرئيس البشير، ولكن الحكومة، واستشعاراً منها بأن ما يجري هو أخطر هبة شعبية تنتظم في كل مدن السودان الكبيرة منها والصغيرة، جعلها تعيش تحت وطأة الضغوط، فتميل تارة إلى المراوغة وإظهار المرونة، وتارة إلى استخدام سلاح القمع والقوة المفرطة كنهج دأبت عليه طوال فترة حكمها التي امتدت ثلاثة عقود من الزمن.
بعد مدةأعلن الجيش السوداني تولي المجلس العسكري برئاسة وزير الدفاع (أحمد عوض بن عوف (مقاليد السلطة في 11 أبريل 2019، ولكن الجماهير أجبرت بن عوض على الرحيل ليحل محله الفريق أول "عبد الفتاح البرهان"، وتخلل فترة حكم الإخوان المسلمين "الإنقاذ" سلسلة متصلة من الإحتجاجات الجماهيرية، فى تلك الفترة التى امتدت 30 عاما قام نظام الإنقاذ بفصل الآلاف من الموظفين في كل القطاعات، وصاغ لذلك قانوناً أطلق عليه «قانون الصالح العام»، بموجبه أدخل عناصر «الجبهة الإسلامية» إلى كل المناطق الحساسة في الدولة (كما حاول لاحقا اخوان مصر خلال السنة التى اعتلوا فيها السلطة)، دون مراعاة للكفاءة أو المؤهلات، وفي ذات الوقت شرد مئات الآلاف من الخبراء والكفاءات، ما أفسد جهاز الدولة، بل أصبحت الدولة هي «الجبهة الإسلامية»، والجبهة هي الدولة، فضعفت الخدمة المدنية، وسهل الاعتداء على المال العام، الذي أصبح يوزع بين المحاسيب وأهل الثقة بعيدا عن أصحاب الخبرة والكفاءة، واستمر الإعتصام السلمة أمام مقر "وزارة الفاع" بالخرطوم بقيادة " تحالف ميثاق الحرية والتغيير" وفى القلب منه "تجمع المهنيين السودانيين"، تمثلت وحشية السلطة في مجزرة محاولة فض الاعتصام في الثالث من يونيو والتي شهدت أبشع الممارسات في تاريخ السودان الحافل بالثورات الشعبية.
أهم ما ميّز الثورة السودانية هو المُشاركة النسائيّة الواسعة– والتي تُعدّ نادرة في مجتمع محافظ كالسودان –تلك المشاركة التى فأجأت النظام الحاكم والمراقبين والعالم أجمع، وعلى غرار "حسنى مبارك" فى مصر فقد وعد رئيس البلاد انذاك، عمر البشير، القيام بإصلاحات متحدثا عن مؤامرة خارجية تحاك ضد البلاد ورفع شعار "أنا أو الفوضى"، تلك الأحابيل التى لم تجدى نفعا أمام صلابة الثوار وصمودهم، كما صكّ الثوار شعارا للثورة، قصير فى مضمونه لكنه حاد وباتر "يسقط بس"، كما تواكب مع الإعتصام (ككل الإعتصامات فى مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن..الخ الخ)، على الرغم من القمع الاعتقالات والدم المسفوك، إلى كرنفالات عامة ومهرجانات للفرح والبهجة والتآخي والتضامن والتعاون والغناء والأناشيد والنشوة والرقص، هى إذن الحياة تولد من قلب الموت، والفرحة من الحزن، والنشيد من رحم النشيج، إن الفعل الثورى يبعث إحساساً لا مثيل له بالسعادة العامة.
رغما أن الثورة فى السودان لم تحقق غاياتها بعد، فالقصاص للشهداء لم يصل، والسلام لم يؤن، والإقتصاد ما زال يترنح، ولكن الشعب السودانى بدأ طريق الحرية، والخلاص من ربقة الإسلام السياسى تمضى رويدا، ولكن الشعب متفاؤل أنه قادر على النهوض والسير قدما الى الأمام، وقيادة ثورته تلتزم باكمال المشوار، فقد تعهد تجمع المهنيين بأن يظل حارسًا للثورة حتى تبلغ غاياتها، وذكر أن تحقيق العدالة والقصاص من قتلة الشهداء دينُ واجب السداد، وأن تفكيك دولة التمكين خطوة أولى في طريق بناء الدولة المرجوة، وتحقيق سلام عادل يخاطب جذور المشكلة بعيدًا عن المحاصصات التي لا تجلب سلامًا بقدر ما أنها ترسل رسالة خاطئة في بريد المتضررين الحقيقيين، بجانب بناء جيش وطني واحد مهمته حماية الشعب، بعد تفكيك ما وصفها بالمليشيات وتسريحها، وبناء اقتصاد وطني قوي يضع السودان في مكانه الذي يليق به ويجعل المواطن السوداني يعيش كريمًا كما ينبغي. السلام عليكم.