ملاحظات علي هامش موضوع المديرة المنتقبة ..

حمدى عبد العزيز
2019 / 12 / 19

في موضوع مديرة قصر الثقافة المنتقبة حاول الإعلامي محمد إلباز في دفاعه المتهافت عن أحقية أن تتولي منقبه مديرة قصر ثقافة
يريد أن يقول :
لاتغضبوا شركائنا السلفيين ..
وهذا يعكسه عجزه عن أن يقدم منطق مترابط ..

وهذا نابع من إدراكه أن التيار السلفي جزء من مكونات الهيمنة السياسية ، وحليف لايمكن الإستغناء عنه للنخب السلطوية المهيمنة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتي تاريخه ، حتي ولو كان أساس التمسك بهذا الحليف في الحياة السياسية يكمن في وهم أنه تحت السيطرة الأمنية وعلي ذلك فلاضرر منه ، وأعرف جيداً أن محمد إلباز من الأنصار المؤمنين بوجهة النظر هذه ..

وهذا بالضبط مايلقي الضوء علي تلك الطريقة التي سلكها مسئولي وزارة الثقافة في قطاع غرب ووسط الدلتا في ترشيحهم للسيدة المنتقبة مديرة لقصر ثقافة كفر الدوار ، بل أن أحد الشعراء الكبار المدافعين عنها استشهد برضا المسئولين والأجهزة المعنية عنها في سياق تدليله علي كفاءتها ووطنيتها واستحقاقها لهذا الموقع ..

محمد إلباز دافع في برنامجه عن النقاب بوصفه (زي إجتماعي وليس ديني) !!!!

، ثم يتحدث في نفس الوقت عن وقوع حالات نصب وجرائم تتم بواسطة بعض مرتديات النقاب ..

فضلاً عن هذا المنطق المرتبك فإن الأستاذ إلباز الحاصل علي دكتوراه في الإسلام السياسي لايعرف أن النقاب يمثل قناعة لثقافة دينية محددة تقتنع لمن ترتديه أو تمثل قناعة بنفس الثقافة الدينية للرجل الذي طلب منها أن تنتقب أو أجبرها علي ذلك ..

وتلك الثقافة الدينية ترتكز علي فقه ابن تيمية وهو الفقه الذي تبنته الوهابية ، وتبناه بعد ذلك أبو الأعلي المودودي وسيد قطب وابن باز وآخرين من العمامات الشهيرة في تاريخ المشرق وكذا كل إمتدادات وتفرعات الفكر السلفي ..

والفكرة تقوم علي أن الكرة الأرضية عبارة عن إما ديار إسلام (إسلام بن تيمية والمودودي وسيد قطب وعمر عبد الرحمن وابن باز وابن عثيمين ، وبرهامي وحسان ، والحويني ، وغيرهم) ..

، وإما ديار حرب بمعني أن كل أرض لايحكمها (إسلامهم) هي ديار حرب يحق للطائفة المنصورة (التي هي هم ومن اتبعهم) قتال أهلها ويحل لهم نهب ممتلكاتهم ، وسبي نسائهم..

ماعلاقة هذا بالنقاب؟

العلاقة تكمن في فكرة (الطائفة المنصورة) أو الفرقة الناجية التي لها الحق في الملك والحكم والإمساك بمقدرات البشر بحكم الولاية ..

وهذه الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة هي وفقاً لابن تيمية واتباعه تنحصر في من إعادة استنساخ النموذج المنتقل إلينا عبر المرويات عن مجتمع الصحابة الأوائل والتابعين لفقه الأئمة الأربعة ويتقدمهم ابن حنبل وتلامذته مروراً بابن تيمية وابن القيم الجوزية إلي محمد بن عبد الوهاب ومن تبعه ومن تبع من تبعه إلي يومنا هذا ، ويسمي كل هؤلاء بمجتمع (السلف الصالح) ..

ولكي يتم استنساخ السلف الصالح أو مجتمع الصحابة الأولين والأتباع وأتباع الأتباع لابد من الإحتفاظ بجوهر هذا المجتمع وهو فكرة الحاكمية كحق إلهي خالد وقاصر علي أهل العقد والحل في الطائفة المنصورة ، ولابد من تمثل هذا المجتمع في أزيائه بالنسبة للنساء (كما وردت في المرويات) وفي إطالة اللحي وتقصير الجلابيب والسراويل بالنسبة للرجال ..

وفقه الطائفة المنصورة يحرم النحت وكذلك فنون التصوير التي تصور الإنسان والكائنات لأنهم يرونها منافسة لله في عملية الخلق ، ويحرمون الموسيقي والغناء (فيما عدا الإنشاد الإسلامي) وكذلك الشعر إذا ماخرج عن مقاصد مدح الإسلام والمسلمين ، وباتا يحرمون الرقص بكل أنواعه بدءاً من الرقص الشعبي وانتهاءً بالباليه ، كذلك فنون التشخيص وسائر الفنون البصرية والمسرح والسينما ..

وفي المبتدأ هم لايعترفون بالإبداع
فكلمة إبداع هي مرادف للبدعة في نظرهم ووفقاً لنموذج الطائفة المنصورة (التي يمثل النقاب رمزها النسائي وتمثل اللحية رمزها الذكوري) ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار كما ردد بن عبد الوهاب وردد من بعده سيد قطب..

إذن فالنقاب يؤدي وظيفة الشكل كما تؤديه اللحية والجلباب القصير ذو السروال المميز ..

وقضية المنتقبة التي تم إعلان تعيينها مديرة لقصر ثقافة كفرالدوار ثم التراجع عن ذلك بعد القضية التي فجرها صديقي الصحفي النابه محمود دوير ثم تتابعت تداعياتها عبر الفضائيات المختلفة ليست قضية نزاع علي أحقية موظفة في الترقي ، وإنما هي قضية مخالفة المنطق الذي يحكم هذا التعيين في موقع عمل ستتعامل فيه هذه المناسبة مع أنشطة ترفض الأسس التي قامت علي أساسها بحكم أن ذلك سيتعارض مع ثقافتها الدينية (التي دفعتها لارتداء النقاب أو الموافقة علي طلب من طلب منها ارتدائه) ، فماذا لو أحب أحد رواد قصر الثقافة مناقشة وعرض لوحات محمود سعيد ونسائه ، هل ستوافق علي عمل محاضرة تتناول أعمال مايكل انجلو ؟ ، وماذا عن بيكاسو ، وعن راقصات إدجار ديجا ، هل ستوافق علي ندوة تتناول فيلم أرض الخوف أو الريس عمر حرب مثلاً ، وهل لو تقدمت فتيات لتشكيل فرقة للرقص الشعبي في قصر ثقافتها هذا هل ستسمح به؟

كيف سستواصل مع كورال الأطفال مثلاً وكيف سيتعرف الأطفال علي تعبيرات وهي تشجعهم أي ماترسله لغة الوجه من عمق وبلاغة التشجيع؟

وبالنسبة لهؤلاء الأطفال وأترابهم من رواد قصر الثقافة في مجالاته المتعددة .. هل لن تحب هي أن يتخذوا من مطهرها قدوة في المستقبل؟
بل وماالذي يضمن أنها هي لن تعمل جاهدة علي ذلك؟

ثم كيف سستعامل مع إقتراح بوضع منحوتة هنا أو هناك ..

أتذكر أنه في بداية المد الوهابي في أحد قصور ثقافة للأقاليم أنني حضرت مناقشة لتخليد ذكري أحد المبدعين والذي توفي بشكل مفاجئ اقترح أحد زملائه التطوع بعمل منحوتة له توضع في قصر الثقافة فوقف أحدهم قائلاً أن التماثيل حرام شرعاً .. فأيده مسئول القصر وتم رفض المقترح من حيث هذا المبدأ ..

حادثة أخري أسوقها
عند استشهاد الدكتور فرج فوده علي يد الإرهاب الجبان بفتوي من تلك العمائم التي كانت تنادي بالإنتقاب للنساء ، وقف أحد الشعراء ليلقي قصيدة ينعي فيها مقتل الدكتور فرج فوده ، فقام أحد شعراء العامية (والذي كان ضيفا دائما علي أغلب قصور الثقافة في أقاليم مصر في ذاك الوقت) بمقاطعته والتلفظ علنا بلفظة "أتفو" وبآداء يمثل البصقة علي الشاعر مكملاً "عليك وعلي اللي علمك الشعر .. هذا كافر كفر بين " (كان هذا الشاعر من أبناء النوبة وكان يستغل هذا في الهيمنة علي النادي النوبي في الأسكندرية وإدارة مقره ثقافياً للترويج للفكر السلفي) ..

السلفيون وكل عناصر الإسلام السياسي يرفضون الفنون بشكل أم بآخر ، ومع ذلك يذهبون إلي قصور الثقافة باعتبار أن ذلك مجال هام لممارسة النشاط الدعوي والترويج للفكر السلفي ومهاجمة الأفكار التي تنتصر للتقدم والمدنية ، في أحد مضامرها المفضلة للمثقفين وهي قصور الثقافة والهيئات التابعة لوزارة الثقافة وإلا ماوجد الإخوان المسلمون من بينهم رجلاً يعينوه وزيراً للثقافة في أثناء هيمنتهم علي السلطة في مصر ..

والسيدة خريجة الدراسات العليا التي تتعامل مع وجه المرأة علي إعتبار أنه عورة ، وبالتالي هي تخفي وجهها بالإنتقاب لن تستطيع إدارة قصر ثقافة دونما أن تضع الموانع والمحرمات التي تري أنها شرعية من وجهة نظرها العقيدية ، حتي لو صبرت بعض الوقت لأن تلك هي معركتها اتساقا مع السياق الفكري الذي ألبسها ذلك النقاب ..

لم يقف أحد ضد حقها في العمل ، ولم يكن الموقف الرافض لتوليها منصب مديرة قصر الثقافة تنمراً بها كما أشاعت هي أيضا وأشاعت قنوات الإخوان الموجهة ..

والأمر لا يتعلق باضطهاد موظفة أو أنه موقف إقصائي ضد التنوع المجتمعي كما أراد محمد إلباز أن يدعي ، وإنما الأمر يتعلق بالإتساق المنطقي ، ومدي استعداد الموظف بتلبية مقتضيات وظيفته وماتتطلبه من ثقافة التشجيع علي الإبداع وضمان حرية المبدعين والمواهب أيا كانت وفقاً للمعايير الفنية والإبداعية البحتة ..

ومن ناحية أخري ثم أن الذين يدافعون عن حق ارتداء النقاب الذي يغطي كامل الوجه في الأماكن العامة يغفلون أن هذا يضر بمواطنين آخرين وبالصالح المجتمعي العام ..

فمثلاً لو كان واحد منهم صرافا في بنك وتقدمت إليه منقبة كيف سيسلمها نقوداً هي عهدته ومسئوليته ،أو يقبل منها نقوداً دون أن تكشف عن وجهها ؟ ، وكيف سيتم التأكد من شخصيتها عند توقيعها علي أية مستندات ، إلا إذا عينت الجهات الخدمية موظفات وأماكن في كل مبني وهيئة ومكتب خدمي لوظيفة محددة خاصة بالتعامل مع المنقبات فتصبح لدينا أفرع في البنوك والشركات والهيئات أسمها أفرع المنقبات ، كما ابتدعت البنوك ووافقت الدولة (في ظل توجهات السوق وهيمنة رأسماليو الإسلام السياسي علي كثير من القطاعات المالية والإقتصادية) علي إفتتاح أفرع المعاملات الإسلامية للذين يعتبرون أن التعامل بنظام الفائدة حرام ..

ماذا لو ارتكبت إحدي المنتقبات جريمة ما وانصرفت من مسرح الجريمة ، كيف سيحدد الشهود أوصافها ؟ ..
وهكذا ..
فالمسألة أيضًا ليست حرية إرتداء زي هنا .. المسألة أيضاً مدي إضرار هذا الزي بالصالح العام ..

ولذلك فإن هذه القضية ينبغي أن تفتح قضية أخري مسكوتا عنها وهي قضية إرتداء النقاب في الأماكن العامة والخدمية ..

الملاحظة الأخيرة في هذا الموضوع هي أن ذلك يشير إلي خلل يجب إصلاحه لدي وزارة الثقافة يتعلق بمعايير الترشح وطريقة انتقاء المرشحين لهذه المواقع ، فلايعني التراجع عن القرار تحت ضغط مواقع السوشيال ميديا إلا أن قرارا خاطئاً قد اتخذ ، وفقاً لإجراءات لم تكن صحيحة أنتجها فكر إداري وثقافي يعاني من خلل يستوجب المعالجة