يوميات نصراوي: مدمن الخمر والقس

نبيل عودة
2019 / 12 / 18

حدثني والدي عن صديق له كان مدمنا على شرب الخمر. حتى انه يشرب الخمر صباحا بدل الحليب او القهوة وقبل خروجه للعمل، وكان يسافر بباص للعمال يشتغلون في حيفا.
صعد قسيس الى الباص، وكان يسافر بنفس الباص مرتين كل أسبوع، للقيام بخدمات دينية في حيفا. كان على معرفة بذلك الشخص، بصفته أحد أبناء طائفته في الناصرة، وكثيرا ما حاول ان يقنعه بتخفيف المشروب حفاظا على صحته، خاصة انه انسان مؤمن وياتي للصلاة بالمناسبات، ولا يليق به ان يأتي لأي صلاة دينية مخمورا تفوح من فمه رائحة الخمر. لكنه يدعي دوما انه لا يفقد وعيه ليعتزل عن الناس، وانه تعود على شرب الخمر منذ يفتح عينيه صباحا، "هذا حليب الرجال" كما كان يقول، وانه هكذا يجدد نشاطه مستعدا للسفر والعمل في حيفا، وربما تتوقف أنفاسه اذا كف يوما ما عن شرب الخمر.
تفاجأ القسيس في أحد الأيام، عندما صعد للباص ورأى ذلك الشخص يتصفح بإنجيل وجده على مقعد الباص. قال له القسيس متفاجئا:
- مبارك اسم الرب، هذا انجيلي فقدته أمس، واحمد الله انك وجدته وتقرأ به، هل هو قرار منك بالتوبة عن معاقرة الخمر وطلب الغفران؟
- وهل انا أخطأت بحق انسان حتى اطلب التوبة والغفران؟ هل شرب الخمر جريمة؟
- شرب الخمر بلا توقف هو تصرف لا يليق بالمؤمنين.
- المسيح نفسه قال قليل من الخمر يسعد قلب الانسان، فهل تنكر قوله؟
- نسب هذا القول للمسيح، والمسيح لم يقله، هذا القول ورد بالتوراة، ولكن لنفرض ان هذا صحيح، انت لا تكتفي بالقليل من الخمر؟
- يا ابونا والله انا لا املأ كاسي الا بالقليل من الخمر كلما افرغت كأسا؟
- اجل اعرف.. لكنك تملأه عشرات المرات بالقليل من الخمر، فيصبح كثير جدا من الخمر؟
- الا تعرف ان الشاعر عاشق الخمر أبو نواس قال وداوني بالتي كانت هي الداء؟
- ما شاء الله وتحفظ الشعر أيضا؟
- أبو النواس شاعري المفضل.
- الطيور على اشكالها تقع، حسنا أخبرني هل افادك الانجيل الذي وجدته على المقعد بان ينورك قليلا فتكف عن كثرة الخمر وتكتفي حقا بالقليل؟ لعل الله أرادني ان أنسى انجيلي لتجده انت وتنور ايمانك به، وتصوب طريقك في الحياة؟ ماذا تقرأ بإنجيل المسيح؟
-هناك سبب وجيه يا قسيس يجعلني اتصفح الانجيل، يوجد لدي بجوار البيت بئر ماء وابحث عن عجيبة المسيح في قانا الجليل عندما حول الماء الى خمر، لعلي احول ماء البئر الى خمر!!

عجيبة تحويل الماء الى خمر في ايامنا

حضرت قبل سنوات برنامجا تلفزيونيا عن الكاميرا الخفية. أحد الممثلين تنكر بلباس كاهن وذقن كثيفة ممتدة حتى الصدر، وهو عريض المنكبين، طويل القامة، عينيه تلمعان كقطة في الليل، صوته جهوري، والجدية تبدو على ملامحه.
كان يقف بجانب براد ماء للشرب، وكلما شرب أحد الأشخاص يقول له هل تريد ان تشرب بعض الخمر بدل الماء، كما فعل المسيح بعجيبة تحويل الماء الى خمر في قانا الجليل (كفر كنا)؟ وهي خمر مقدسة وانا اعرف سر تحويلها الرباني؟
البعض كان يدخل بارتباك ويطلب ان يرى كيف بإمكانه تحويل الماء من البراد الى خمر، فيقوم الكاهن الشاطر بحركات اداء الصلاة ويحرك يديه ويصلب وينظر للسماء ويهتف باسم الله قائلا أبانا الذي في السماء، هبني القدرة التي وهبتها لأبنك الوحيد أن أحول ماء البراد الى خمر لأضمن ان يؤمن بك غير المؤمنين من الضالين. ويكون عدد الناس حولة قد تكاثر متأملين حركاته وصوته الجهوري، ثم ينظر لمتابعي حركاته، والمنتظرين بشك كبير لما يقول، ومن قدرته على تحويل ماء البراد الى خمر، وبعد التصليب والحركات المختلفة ركوعا ورجاء من السماء واستجداء ربه ان يسانده كما ساند ابنه الوحيد، يقف ويقول بصوته الجهوري: تفضلوا الماء الآن بالبراد اصبحت خمرا،مثل خمر قانا الجليل. وهكذا يتقدموا بتردد للشرب مرة أخرى، فاذا البراد يخرج نبيذا أحمرا، فيذهلوا من العجيبة.
البرنامج استمر لأكثر من ساعة والجمهور اذهله تكرار تحويل الماء الى خمر لكثر من مرة.
فيما بعد جرى الكشف بانه يجلس داخل البراد شاب، وهو يغلق قاطع الماء ويفتح قاطعا للنبيذ، فينذهل الناس من العجيبة.
ترى بماذا تختلف هذه العجيبة عن العجائب الخرافية التي سطلونا فيها ونحن اطفال صغار؟
طبعا لا علاقة بعجيبة المسيح في قانا الجليل، والكاميرا الخفية التي ربما نفذها اشخاص لا تربطهم بالمسيحية أي رابط. لكن البرنامج ترك الكثيرين بحالة ذهول قبل ان يكشف الكاهن عن الخدعة، بوجود شاب يساعده على تحويل الماء الى نبيذ أحمر.