فيلم -حارس المرمى- حكاية حامي الهدف الالماني النازي الذي صار اسطورة الدوري الانكليزي

علي المسعود
2019 / 12 / 16

الرياضة هي الشيء الوحيد الذي يجمع الشعوب ببعضها رغم اختلافهم في باقي الأشياء وهي قبل كل شيء محبة وتآخي ومودة بين الشعوب قبل أن تكون مسابقة رياضية ، وتستطيع الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص أن تلعب دوراً كبيراً في التقريب بين الشعوب والإضاءة على القضايا المحقّة، لما تحمله من قيم ومعان سامية. ففي كرة القدم يسعى اللاعبون نحو هدف واحد هو تحقيق الفوز، وهو فوز مشروط بالتعاون وتفاني الفرد في خدمة المجموعة وتنفيذ الدور الموكل إليه بدقة، مع التأكيد على مفاهيم تقبّل الخسارة واحترام الخصم والامتثال لقوانين اللعبة. وكأن الميدان صورة مصغّرة لما يجب على المجتمع أن يكون عليه. وتساهم الشعبية الجارفة للعبة حيث يتخطى عدد مشاهدي بعض المباريات المليار أحياناً، في استخدامها لتقريب المسافات بين المختلفين. فهي منبر قادر على إيصال الرسائل السياسية أو الإنسانية والإضاءة على القضايا الاجتماعية. وبالفعل، تنامى في السنوات الماضية دور روابط المشجعين واتسعت دائرة المواضيع التي تعنى بها متخطيةً الأمور الكروية إلى السياسة والمجتمع والثقافة وغيرها. لقد أصبحت لعبة كرة القدم أحد أشهر الالعاب التي تستمتع بها الشعوب وتسعى الى مشاهدتها ومتابعة اخبارها بل وممارستها في كثير من الأحيان، ومن المفترض ان الرياضة تلعب دورا هاماً في تعزيز علاقات الاخوة وأواصر الاخوة بين الشعوب خاصة اذا ما كانت تلك الشعوب تلتقى فعليا في أشياء ومشتركات كثيرة، فالرياضة حقيقة أداة من أدوات تعزيز العلاقات الدولية بين الشعوب بعيداً عن الصراعات السياسية او المصالح الضيقة. الرياضة هي احد الجسور التي تربط الشعوب ببعضها و هي جسر محبة وتواصل بين الشعوب لما تحمله من أهداف قيمة و روابط أنسانية ، لذا فإنها تزيل كل المطبات والعقبات وتودد العلاقات بين الشعوب، لذلك فالرياضة غالباً ما تصلح ما أفسدته السياسة وتخبطاتها، وبأتت الرياضة اليوم وسيلة ذو حدين ، إما تقارب وتقوية العلاقات بين الشعوب أو إنها مصدرا لإثارة مشاعر الكراهية وتوتير العلاقات بين الشعوب في بعض الأحيان ، وكما يقول الخبيرالفرنسي باسكال بوني فيس في مقال عنوانه الجغرافية السياسية للرياضة " فإن الرياضة قد تنعش مشاعر الأخوة في العلاقات بين الشعوب أو العكس"، أي ان الرياضة تعمل بوجهين الوجه الأول يقرب ويودد العلاقات بين الشعوب ، والوجه الثاني الذي ينشر الكراهية والعنف ويبدد العلاقات الودية بين الشعوب "، ولأن الرياضة لها أهمية كبيرة في العلاقات بين الشعوب لذلك علينا الحرص على أن تكون هي التي تجمع بين الشعوب وتوطد العلاقات بينهم ، لا أن تزرع الحقد والكراهية وتفسد العلاقات بينهم، من المفروض أن تهدف المسابقات الرياضية إلي نشر أواصر المودة بين الشعوب وأن تسعي للقضاء على الخصال السيئة في الإنسان كالتعصب والعدوانية والعنصرية إذا كانت الرياضة قد أنشئت في الأصل، لتمتين العلاقات بين الشعوب وفتح قنوات اتصال غير رسمية بين البلدان التي توجد بينها خلافات سياسية. هذه المقدمة هي المدخل للحديث عن فيلم " حارس المرمى " أو حامي الهدف الذي أنتج في عام 2018 وعرض بشكل رسمي في حزيران عام 2019 والذي يتناول السيرة الذاتية لحامي الهدف " بيرت تراوتمان" النازي الالماني الذي اصبح اسطورة نادي مانجستر سيتي في خمسينيات القرن الماضي. وهي قصة ترتكز فكرتها الاساسية على موضوع الغفران بشري، ونحن جميعًا قادرون عليه، ولابد وأن سعينا جميعًا إلى ذلك في مرحلة ما من مراحل حياتنا. انها ليست دائما واضحة على الرغم من ؛ رغم أن بعض الأفعال و الجرائم كبيرة ومظلمة للغاية وملتوية حتى أن مسامحتها يتطلب جهداً هائلاً. واحدة من أهم الأمثلة على قوة المغفرة هي قصة حارس المرمى الالماني" بيرت تراوتمان" ويقوم بدوره الممثل (ديفيد كروس). عندما وصل تروتمان إلى بريطانيا لأول مرة ، كان أسير حرب تم القبض عليه في الحرب العالمية الثانية. وهو الذي التحق بالجيش النازي بمحض إرادته و نال التكريم خلال خدمته بالجيش النازي وهو "الصليب الحديدي". إذا كان شخص ما يعرف هذا عن بيرت فقط ولا شيء غيره، لذافإن وسام الإمبراطورية البريطانية الذي مُنِح له في عام 2004 ، سيكون بمثابة الجنون التام. فيلم السيرة الرياضية يحمل اسم ( الحامي) أو ( ذا كيببر)، عبارة عن بقعة ضوء على كرة القدم ولكنها مغلفة بالدراما، كان نص الفيلم في بعض الجوانب الحياتية لحياة "بيرت ترومان" حارس المرمى الاسطورة مع التركيز على مدى صعوبة مسامحة شخص ما لكونه عمل لخدمة أقسى نظام في تاريخ البشرية. وتعد الزوجة مارجيت (فريا مافور) زوجة بيرت المثالية ، مثالاً رائعًا على ذلك ، في البداية هي تكره بيرت النازي وحاقدة على كل الماني ، وهي بهذا تقف إلى جانب الرجال الذين لاينسوا ابدا ضحايا ذالك النظام النازي الذي سرق أرواحًا لا تحصى من الرجال البريطانيين وارتكبوا العديد من الفظائع الأخرى. إن مغفرة مارغيت هي جوهر هذه القصة مثل بيرت نفسه ، وهذا يعزز الفيلم إلى ما لا نهاية. إنها التمثيل المثالي لكيفية تقبل العالم له وتسامحه معه ، والتسامح هو القوة الموحدة للرياضة وهي الجزء الأكثر تأثيرأ في الفيلم الرياضي. رحلة حارس المرمى المظلي الألماني إلى المجد والشهرة وفيها محطات من حياته العائلية مع زوجته وإبنه. يمتد الفيلم لأكثر من مجرد لحظة صنع فيها تاريخًا رياضيًا ، معتمداً على علاقته بزوجته الأولى ، مارغريت فريار (فريا مافور) ، ومصالحة وقته في الحرب بإرادة أن يصبح بطلاً بريطانياً. الفيلم يبرز أن الروح التي يجب ان تسود لعبة كرة القدم روح المحبة و التسامح ، هذا هو الشخص الأكثر كرهًا في مانشستر ليصبح بطلاً لمانشستر سيتي على الرغم من 20000 شخص ، كثير منهم كانوا يهودًا ، يحتجون عندما وقع حارس المرمى الالماني تراوتمان الذي اشتهر في بريطانيا في الخمسينيات للنادي. ولد بيرت تروتمان في 22 أكتوبر 1923 بمدينة "بريمن" الألمانية.. 5 سنوات بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وعندما أصبح في سن الـ12 انضم لمنظومة شباب أدولف هتلر مستشار ألمانيا حينها، ولما صار في الـ18 انضم لسلاح الجو النازي وحارب على الجبهة الروسية وحقق العديد من البطوﻻت فنال أرفع الأوسمة - الصليب الحديدي - وللاستفادة منه تم نقله للجبهة الغربية في إنجلترا!، وقع الحدث الذي غير مجرى حياة تروتمان للأبد، فقد تم أسره وسجنه في أحد المعتقلات حتى نهاية الحرب العالمية التانية. أكتشفت موهبته تراوتمان (ديفيد كروس طويل القامة ومتين) من معسكر أسير الحرب الذي يقضي فيه وقته ، للعب كرة القدم في عطلات نهاية الأسبوع من قبل جون هينشو مدرب فريق سانت هيلين في عام 1944. جون هينشو وهو مدرب الهواة ذوو القلب الكبير (والد زوجته في المستقبل) ، جاك فريار ، يطارد لاعب كرة القدم الشاب ويؤسس إحساسه بالأولويات وهي مصلحة الفريق في الفوز. بعد إنتهاء الحرب ، عرض عليه تبادل للأسرى والعودة لبلاده، ولكنه رفض لأن العرض أشعره بالضعف، فرفض وبقى في إنجلترا وعمل فلاحا. وفي عام 1948، لعب لفريق البلدة التي كان يعمل فيها، سانت هيلين تاون، لمدة عام، عند عودته من ألمانيا لزيارة اهله، اكتشف أن الصراع وصل لذروته بين أندية الدرجة الاولى للتعاقد معه!، كانت نقلة كبيرة في مسيرته، صحيح أن موهبته لا تخطئها العين ، في النهاية، مانشستر سيتي هو النادي الذي ظفر بتوقيعه وكان ذالك في أكتوبر من عام 1949. اشتعلت مدينة مانشستر بغضب شعبي عارم للتوقيع مع جندي سابق في الجيش النازي، أكثر من 20 ألفًا من مشجعي نادي مانشستر سيتي احتشدوا في مظاهرة أمام ملعب "ماين رود" الخاص بالفريق، حاملين لافتات مزخرفة بالصليب المعقوف، الكثير من ملاك التذاكر الموسمية هددوا بالمقاطعة، تعالت أصوات الجماعات اليهودية في المدينة، أصبح الناس وأمسوا يلعنون هذا النازي الذي جاء ليعكر صفو لعبتهم كرة القدم الجميلة. تلقى النادي سيلا جارفا من خطابات التنديد والكراهية، وامتلأت الصحف المحلية بمراسلات الجماهير الغاضبة، في حين أن المتشككين رفضوا تروتمان بسبب أصوله ، وطردوه على الفور باعتباره "خائناً نازياً"، عمل لاعب كرة القدم على أن ينأى بنفسه عن هذه الأيديولوجية ، معترفًا بأنه ذهب إلى الحرب في سن مبكرة ، قبل أن يدرك ما كان يدخله ، أو من هو كان يقاتل من أجلّ!. وصل تروتمان مع سيتي لنهائي كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1955، وأحضر والديه ليشاهدوا أول ألماني يحرز البطولة في حضرة ملكة إنجلترا، ولكنه خسر سرعان ما عاد للنهائي في العام التالي، وخلال أدائه المبهر في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي لعام 1956 لقب "رجل مدينة الأسطورة"، أدى تصادم عنيف إلى إصابة تروتمان في ألم شديد ، لكنه استعاد وواصل اللعب و اكسب أدائه المميز الفوز لفريق مانجستر سيتي في تلك السنة. الذي جعله أسطورة السيتي، ليس لفوزهم علي برمنجام 3-.1، ولكن في الدقيقة 73 ارتطم بيتر ميرفي مهاجم نادي برمنغام سيتي بقدمه في عنق بيرت، وأصيب بيرت إصابة بالغة في عنقه لم يعرف بها إﻻ بعد 3 أيام كاملة وكانت كسر بالعنق، بعد تاكده من الإصابة بعد 3 أيام، غاب لعدة شهور ولكنه كسب احترام الجمهور وفاز بجائزة أحسن ﻻعب في أنجلترا عام 1956 واصبح اللاعب الوحيد الألماني حتي الآن الذي يحصل على هذه الجائزة، وأول ألماني يحقق كأس الاتحاد الإنجليزي.أينما ذهب بيرت تراوتمان ، يسأله الجميع عن إصابته( كسر في العنق ) قبل سبعة عشر دقيقة من نهاية اللعبة، وعندما توجه الى المستوصف الملكي في مانشستر، حيث خضع لفحص بالآشعة على رقبته وأخبروه هناك بتعرضه لكدمة في فقرات الرقبة ستُشفى والتي تؤدي الى الشلل إذا ما خضع لبعضٍ من الراحة والعلاج، حين يتصل ترومان بزوجته في البيت وهو في المستشفى وأثناء حديثها معه، جذبها إبنها (جون) من تنورتها وأشار للجهة المقابلة حيث يقف بائع الحلوى بعربته ، سمحت مارجريت لطفلها ابن الست سنوات بعبور الطريق وحده ، اشترى جون الحلوى التي اشتهاها، لكنه لم يتناولها قط ، لم يعد عبور الطريق أبدًا، لأن سيارة صدمته في منتصف الطريق. كان هذا اليوم، هو اليوم الذي فقدا فيه طفلهما (جون ) وبعدها انهارت حياتيهما الزوجية في ذلك اليوم. نال الحارس ترومان الكثير من الجوائز وتم تشييد تمثال له في سيتي يمثل لحظة إصابته، عندما تم سؤال ليف ياشين حارس القرن عن أفضل حارس في العالم فقال "الآن لا يوجد إﻻ أنا والفتى الألماني بيرت تروتمان". أنهى تروتمان حياتة في موسم 1965-1966 مع نادي ولينجتنون تاون ، عين بعدها منسقا للعلاقات الألمانية – الإنجليزية، ودرب عدة منتخبات كليبيريا وبورما وباكستان وتنزانيا وذلك بتكليف من الفيفا. في عام 1964، كانت النهاية، بعد 545 مباراة بقميص السيتي، اعتزل كرة القدم، وودعه النادي بإقامة مباراة اعتزال أسطورية بين فريق مختلط من لاعبي مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد، في مواجهة مجموعة من اللاعبين الدوليين، حضر تلك المباراة 60 ألفًا من مشجعي مانشستر سيتي، هؤلاء الذين تظاهروا قبل 15 عاما لمنع ارتدائي قميص فريقهم، عادوا وتكدسوا وتدافعوا لينالوا مقعدا في مباراة الاعتزال. يقول الحارس بيرت ترومان في كتاب مذكراته "أدركت مع مرور السنوات، أن تعليمي بدأ يوم وطأت قدمي أرض بريطانيا، وأدركت معاني الإنسانية، والتسامح، والغفران". يُثير فيلم "حارس المرمى" الاهتمام لان رسالته تتجاوز نطاق مشجعي مانجستر سيتي ، برأي اكثر من مجرد فيلم رياضي بل كان درسا للمغفرة والمثابرة والتسامح بين البشر. الفيلم إنتاج بريطاني / ألماني مشترك ، ومن إخراج ( ماركوس روزنمولر) و تمثيل الممثل الالماني ( ديفيد كروس )بدور " بيرت تروتمان" و تشاركة البطولة الممثلة الانكليزية ( فريا مافور ) بدور الزوجة ماركريت والممثل ( جان هنشو) بدور المدرب " جاك فرير".الفيلم يروي حكاية عن الغفران و والحب والقوة الموحدة لكرة القدم ، سواء كنت تحب اللعبة أو تكرهه.
قصة بيرت تروتمان ملهمة للغاية، فلا تعرف هل هو أسطورة لقدراته البارعة في حراسة المرمى، أم لأنه اختار كرة القدم لانه اراد أن يعوض عن عجزه وضعفه من ظروف الاسر القاهرة و سوء معاملة ضابط المعتقل ، أم لأنه خاض 17 دقيقة من نهائي بطولة كبيرة بعنق مكسورة؟.

المملكة المتحدة