الماركسيّة كعلم – الماديّة الجدليّة و ليس المثاليّة الميتافيزيقيّة ( مقتطف 2 من الفصل الأوّل من كتاب بوب أفاكيان - إختراقات الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعية الجديدة خلاصة أساسيّة - )

شادي الشماوي
2019 / 12 / 16


إختراقات
الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعية الجديدة
خلاصة أساسيّة
تأليف بوب أفاكيان
[ ملاحظة : الكتاب بنسخة بى دى أف متوفّر للتنزيل من مكتبة الحوار المتمدّن ]
تمهيد من المترجم :
نضع بين أيدى القرّاء باللغة العربيّة كتاب في منتهى الأهمّية ألّفه بوب أفاكيان رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة الشهير بمهندس الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة ، ففيه يشرح بدقّة و بشيء من التفصيل الإضافات التي ساهمت بها الشيوعية الجديدة في تطوير علم الشيوعية اليوم الذى لا مناص من التسلّح به إن رمنا تفسير العالم تفسيرا علميّا و تغييره تغييرا ثوريّا من وجهة نظر البروليتاريا الثوريّة و مهمّتها التاريخيّة : تحرير الإنسانيّة من كافة ألوان الإضطهاد و الإستغلال و تحقيق المجتمع الشيوعي العالمي .
و قد أسالت الشيوعية الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان الكثير من الحبر بين مناصر و معارض و قد وثّقنا في كتبنا السابقة عددا لا بأس به من نصوص هذه الجدالات صلب الحركة الشيوعية العالمية ؛ و بهذا الكتاب الجديد ، نتطلّع إلى دفع مزيد النقاش الجدّي ، العميق و الشامل لهذه الشيوعية الجديدة التي تطرح نفسها تجاوزا إيجابيّا ، نظريّا و عمليّا لمفترق الطرق الذى توجد به الحركة الشيوعية منذ مدّة الآن .
و لمن لم يطّلع / لم تطّلع بعدُ على النقاشات حول الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة ، نذكرّ بتعريف مقتضب لها صاغه بوب أفاكيان ذاته : " تعنى الخلاصة الجديدة إعادة تشكيل و إعادة تركيب الجوانب الإيجابية لتجربة الحركة الشيوعية و المجتمع الإشتراكي إلى الآن ، بينما يتمّ التعلّم من الجوانب السلبية لهذه التجربة بابعادها الفلسفية والإيديولوجية و كذلك السياسية ، لأجل التوصّل إلى توجه و منهج و مقاربة علميين متجذّرين بصورة أعمق و أصلب فى علاقة ليس فقط بالقيام بالثورة و إفتكاك السلطة لكن ثمّ ، نعم ، تلبية الحاجيات المادية للمجتمع و حاجيات جماهير الشعب ، بطريقة متزايدة الإتساع ، فى المجتمع الإشتراكي – متجاوزة ندب الماضى ومواصلة بعمق التغيير الثوري للمجتمع ، بينما فى نفس الوقت ندعم بنشاط النضال الثوري عبر العالم و نعمل على أساس الإقرار بأن المجال العالمي و النضال العالمي هما الأكثر جوهرية و أهمّية ، بالمعنى العام – معا مع فتح نوعي لمزيد المجال للتعبير عن الحاجيات الفكرية و الثقافية للناس ، مفهوما بصورة واسعة ، و مخوّلين سيرورة أكثر تنوّعا و غنى للإكتشاف و التجريب فى مجالات العلم و الفنّ و الثقافة و الحياة الفكرية بصفة عامة ، مع مدى متزايد لنزاع مختلف الأفكار و المدارس الفكرية و المبادرة و الخلق الفرديين و حماية الحقوق الفردية ، بما فى ذلك مجال للأفراد ليتفاعلوا فى " مجتمع مدني " مستقلّ عن الدولة – كلّ هذا ضمن إطار شامل من التعاون و الجماعية و فى نفس الوقت الذى تكون فيه سلطة الدولة ممسوكة و متطوّرة أكثر كسلطة دولة ثورية تخدم مصالح الثورة البروليتارية ، فى بلد معيّن وعالميا و الدولة عنصر محوري ، فى الإقتصاد و فى التوجّه العام للمجتمع ، بينما الدولة ذاتها يتمّ بإستمرار تغييرها إلى شيئ مغاير راديكاليا عن الدول السابقة ، كجزء حيوي من التقدّم نحو القضاء النهائي على الدولة ببلوغ الشيوعية على النطاق العالمي. ( القيام بالثورة و تحرير الإنسانية ، الجزء الأوّل ، جريدة " الثورة " عدد 112، 16 ديسمبر 2007 ).
و محتويات الكتاب هي ، عقب المقدّمة التفسيريّة المقتضبة للمؤلّف ،
كارل ماركس : لأوّل مرّة في التاريخ ، مقاربة و تحليل علميّين جوهريّا لتطوّر المجتمع الإنساني و آفاق تحرير - I الإنسانيّة
الإختراق المحقّق بفضل الماركسيّة -
- الماركسيّة كعلم – المادية الجدليّة ، لا المثالية الميتافيزيقيّة
- الشيوعية الجديدة : مزيد الإختراق بفضل الخلاصة الجديدة II
- العلم
- إستراتيجيا ... ثورة فعليّة
- القيادة
- مجتمع جديد راديكاليّا على طريق التحرير الحقيقي
+ هوامش
[ ملاحق الكتاب - 3 - ( من إقتراح المترجم ) ]
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الماركسيّة كعلم – الماديّة الجدليّة و ليس المثاليّة الميتافيزيقيّة

مثلما وضع ذلك ماو بصفة لاذعة ، الماركسيّون ليسوا متكهّنين بالغيب . الماركسيّة علم يجب تطبيقه بإستمرار تطبيقا حيويّا على الواقع الذى يوجد في سيرورة تغيّر و تحوّل مستمرّين ، و الإقرار بذلك من أهمّ العناصر الجوهريّة للماديّة الجدليّة الماركسيّة .
خطّ ماركس ( في رسالة إلى جوزيف وايدماير ، سنة 1852) تلخيصا مقتضبا هاما فكتب :
" و فيما يخصّنى ، ليس لى لا فضل إكتشاف وجود الطبقات فى المجتمع المعاصر و لا فضل إكتشاف النضال فيما بينها. فقد سبقنى بوقت طويل مؤرّخون برجوازيون بسطوا التطوّر التاريخي لهذا النضال بين الطبقات ، و إقتصاديون برجوازيون بسطوا تركيب الطبقات الإقتصادي . و إنّ الجديد الذى أعطيته يتلخّص فى إقامة البرهان على ما يأتي:
1- إنّ وجود الطبقات لا يقترن إلاّ بمراحل تاريخية معينة من تطوّر الإنتاج،
2- إنّ هذه الديكتاتورية نفسها لا تعنى غير الإنتقال إلى القضاء على كلّ الطبقات و إلى المجتمع الخالي من الطبقات. إن الحمقى الجهلاء ، من طراز هينتسين ، الذين لا ينكرون النضال الطبقي فحسب ، بل وحتى وجود الطبقات ذاته ، لا يبرهنون بذلك إلاّ على أنهم ، بالرغم من ولولتهم الضارية المدعية بحب الإنسان ، يعتبرون الظروف الإجتماعية التى ترتكز عليها سيطرة البرجوازية ، بمثابة النتاج الأخير أو ...للتاريخ ، يبرهنون على أنهم ليسوا أكثر من خدم للبرجوازية " .
[ التسطير في النصّ الأصلي ]
يقول العديد من الناس " آه ماركس ، لا يكفّ عن الحديث عن الصراع الطبقي . إعتقد قدّم شيئا كبيرا بإكتشاف وجود الطبقات و صراع الطبقات ". و مع ذلك ، هنا ، ماركس ، سنة 1852 ، يشرح أنّ ذلك ليس جوهر و أهمّ ما قدّمه كشيء جديد - لقد مضى أبعد كثيرا من مجرّد الحديث عن وجود الطبقات و الصراع الطبقي .
و في ما يخصّ كلمة " بالضرورة " عليّ أن أقول أنّه من غير الواضح تماما بالنسبة إليّ ما كان يقصده ماركس ب " الضرورة " في ذلك السياق إلاّ أنّ العلاقة - و بالخصوص الإختلاف - بين " الضرورة " و " الحتميّة " مسألة ذات أهمّية كبرى و سأتولّى الحديث عنها بصفة مباشرة أكثر عند تناول الشيوعية الجديدة بالنقاش . و في الوقت الحاضر ، دعونى أذكّر بموقف غاية في الأهمّية ورد في جدال " آجيث – صورة لبقايا الماضي " : (22)
" و الحتمية تعنى " لا يمكن تفادى شيء " . و تشير إلى مسار قار للتطوّر مع عدم وجود أي مخرج آخر . و الضرورة شيء آخر ، تحدّد الضرورة و تهيكل و تعيّن الإمكانيات و المسارات لكنّها لا تفرز دائما نتيجة وحيدة . و يشمل مفهوم الضرورة القوانين السببيّة ، أنّ هناك علاقات " سبب و نتيجة " لكنها ليست خطّية و لا محدّدة مسبّقا – إنّها سيرورة ديناميكية . "
[ التشديد في النصّ الأصلي و يوجد هذا المقتطف في الجزء السابع ، " الثورة الشيوعية ضرورية و ممكنة لكن ليست حتميّة...و يجب إنجازها بوعي "، و خاصة في قسم " ماركس و أفاكيان بصدد " الترابط المنطقي " في التاريخ الإنساني".]
و مجدّدا ، لدي المزيد بصدد هذا الموضوع لاحقا ، لكن لنرجع هنا إلى مسألة الدكتاتورية – و الديمقراطية – لأنّ ماركس يتحدّث عن كيف يفضى صراع الطبقات بالضرورة إلى دكتاتوريّة البروليتاريا . بداية ، الديمقراطية في ظلّ الرأسماليّة شكل من الدكتاتوريّة ، دكتاتورية الطبقة الرأسماليّة ( البرجوازية ) : إنّها الديمقراطية في ظلّ ظروف الرأسماليّة و هيمنة الطبقة الرأسماليّة الحاكمة على الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسيّة ، و على حقل الثقافة و الأفكار . و يمضى هذا إلى جوهر ماهيّة الدكتاتوريّة . ليست ضرب شخص على الطاولة قائلا " ستفعلون ما أقوله ! " ، الدكتاتوريّة دكتاتوريّة طبقة ، دكتاتوريّة في مصلحة طبقة و في خدمة نظام خاص فيه تلك الطبقة الأساسيّة وهي تعبير مركّز عنه . جوهر الدكتاتوريّة – أي نوع من الدكتاتوريّة ، مهما كانت الطبقة - هو إحتكار السلطة السياسيّة و إبعاد الآخرين عن أيّة ممارسة حقيقيّة للسلطة السياسيّة . و هذا بدوره ، يتكثّف كإحتكار ليس للقوّة المسلّحة و العنف عامة فحسب بل أيضا لما يعتبر قوّة مسلّحة و عنف " شرعيّين ". و بالتالى ، حينما يذهب الجيش إلى الحرب ، يكون إمتداد لتلك الدكتاتوريّة و قوّتها المسلّحة و عنفها " الشرعيّين " ، عالميّا . و حينما يسرق أحد مغازة – يكون ذلك قوّة و عنفا غير شرعيّين . يطلق شرطي النار على أحد السود في الشارع - و الطبقة الحاكمة تريد أن تعلن أنّ ذلك قوّة مسلّحة و عنف شرعيّين و تسعى إلى تمرير ذلك الحكم كلّما و أينما إستطاعت ذلك ، بينما لو دافع أحد عن نفسه ضد ذلك ، يكون عمله قوّة و عنفا " غير شرعيّين ". و كلّ هذا إنعكاس ليس لبعض الأصناف المجرّدة من الشرعيّة / اللاشرعية ، جاءت بطريقة ما من السماء ( أو وجدت أبديّا ) و إنّما كإنعكاس للعلاقات الإجتماعيّة الفعليّة و جوهريّا علاقات الإنتاج الجوهريّة ، وما يتناسب معها من نظام حكم ، أي ، دكتاتوريّة الطبقة الرأسماليّة .
و من جديد ، الدكتاتوريّة في نهاية الأمر و جوهريّا دكتاتوريّة طبقة تخدم مصالح نظام تكون تلك الطبقة تعبيرا عنه . و ليست دكتاتورية فرد أو مجرّد مجموعة صغيرة تحكم بمجرّد فرض إرادتها بصرف النظر و بمنأى عن علاقات الإنتاج و العلاقات الاجتماعية الفعليّة الكامنة .
و هنا نلج مكوّنا هاما آخر من الفهم العلمي الماركسي : العلاقة بين القاعدة الإقتصاديّة للمجتمع و البنية الفوقيّة السياسيّة و الإيديولوجية ( الهياكل و المؤسّسات السياسيّة ، و الثقافة و الأفكار السائدة ) . و في نهاية المطاف و جوهريّا ، - يجب على البنية الفوقيّة للمجتمع أن تتناسب مع العلاقات الاقتصادية الكامنة . القاعدة الاقتصادية للمجتمع ، " نمط / أسلوب الإنتاج " - كيف يقوم المجتمع عمليّا بإنتاج و إعادة إنتاج المتطلّبات الماديّة للحياة و يسمح للناس بإعادة إنتاج البشر- و هذا يحدّد إطار المؤسّسات و السيرورات السياسيّة و الأفكار و الثقافة السائدة . و قد شرحت مثلا في " العصافير ليس بوسعها أن تلد تماسيحا لكن بوسع الإنسانيّة أن تتجاوز الأفق " (23) مسألة أنّ البنية الفوقيّة إن كانت بأيّة طريقة ذات دلالة و خلال أيّة فترة من الزمن في قطيعة بأي معنى جوهري مع القاعدة الإقتصاديّة سيتحرّك المجتمع بعسر و يتوقّف عن السير . وهذا هام جدّا للفهم فهو وثيق الصلة بكيفيّة سير المجتمع بما في ذلك دور الانتخابات في مجتمع حيث توجد انتخابات. إنّ كامل الطريقة التي يشكّل بها المجتمع البشر، بمجرّد سير المجتمع ، وكذلك البنية الفوقيّة السياسيّة و الإيديولوجيّة السائدة، تحدّد عمليّا ، بمعنى السير ، كيف يردّون الفعل سياسيّا ، و ما هي الأفكار السائدة في تفكيرهم الخاص . هناك ترابط بين الإثنين ، هناك نوع من " الحياة الخاصة " للأفكار و الثقافة في المجتمع و للمؤسّسات و السيرورات السياسيّة غير أنّها أيضا متداخلة عن كثب مع و في النهاية محدّدة بالإنتاج و العلاقات الإجتماعيّة . و مرّة أخرى ، لئن كانت البنية الفوقيّة بأيّة طريقة جوهريّة و في أيّة فترة زمنيّة في قطيعة مع علاقات الإنتاج الكامنة ، سيتسبّب ذلك في إيقاف سير المجتمع و بالتالى ستتدخّل قوى ستحاول إعادة تركيز " النظام " بوسيلة أو أخرى بما فيها الوسائل الأكثر تطرّفا . تصوّروا، على سبيل المثال، إذا تمّ إنتخاب حزب سياسي في مجتمع رأسمالي و قال هذا الحزب " سنغيّر تدريجيّا التناقض الأساسي للرأسماليّة بين الإنتاج ذي الطابع الاجتماعي و التملّك الفردي و ذلك من خلال مصادرة تدريجيّة لكافة المؤسّسات الرأسماليّة و جعلها ملكا للمجتمع ككلّ عبر الدولة " ، ثمّ طفق يطبّق ذلك . حتّى و إن لم يحدث على الفور تمرّد سياسي و عسكري للطبقة الرأسماليّة و ممثّليها المسلّحين ، ستنجم عن ذلك فوضى في المجتمع لأنّ القاعدة الكامنة ستسير بشكل ما ثمّ ستوجد هذه التحرّكات السياسيّة لمحاولة إدخال التغييرات ، شيئا فشيئا ، بيد أنّه لن تقع على أساس إفتكاك السلطة من البرجوازية و إمتلاك برنامج شامل للتغيير العملي للقاعدة الاقتصادية و كذلك للعلاقات الإجتماعيّة . و بدلا من ذلك ، وجود الحكم ( أو جزء منه ) بيد الناس الذين يسعون إلى إنجاز هكذا تغييرات أو بعض مظاهر منها ، تدريجيّا ، و دون تحطيم سلطة دولة الطبقة الرأسماليّة – لن يعارض هذا فورا فحسب من قبل القوى السياسيّة و العسكريّة البرجوازية و إنّما سيرمى أيضا بكلّ شيء إلى الفوضى لأنّ المجتمع سيتحرّك " مرّة بهذا الإتّجاه و مرّة بالإتّجاه الآخر ، سيكون حتّى أكثر فوضى من " السير العادي " للمجتمع الرأسمالي .
في المدّة الأخيرة ، وقع بثّ مسلسل تلفزي " محتلّون " [ أوكوبايد ] تدور أحداثه وفق سيناريو أنّ الحكومة في النرويج تحرّكت لإلغاء إنتاج النفط و الغاز الطبيعي - و سرعان ما جرى إحتلال البلاد من طرف روسيا في تحالف مع الإتحاد الأوروبي . و أضحت الحكومة النرويجيّة غير قادرة على الحفاظ على قرارها بإيقاف إنتاج هذه المحروقات الأحفوريّة – أو صيانة سيادتها - لأنّ هذه البلدان الرأسماليّة - الإمبريالية الأخرى لم تستطع تسيير شؤونها دون نفط و غاز طبيعي كانت النرويج تنتجهما ، و من ثمّة تحرّكت لتفرض على النرويج مواصلة هذا الإنتاج . و على الرغم من أنّ هذا يجرى في قصّة و ينطوى على قدر غير ضئيل من الخيال ( أن يفترضوا نرويج الرأسماليّة بإقتصاد قادر على السير دون نفط و دون غاز طبيعي ) ، فإنّ هذا يصوّر طرقا عبرها قرار سياسي حتّى من قبل حكومة بلد رأسمالي صغير ، في نزاع مع الديناميكيّة الأساسيّة للنظام الرأسمالي - الإمبريالي العالمي - و فيه إقتصاديّات بلدان رأسمالية - إمبريالية مختلفة ، و كذلك تلك البلدان التي يهيمنون عليها في ما يسمّى بالعالم الثالث ، مترابطة ترابطا وثيقا و متداخلة العلاقات - سيؤدّى إلى وضع فوضوي و إلى تدخّل من طرف الدول الإمبريالية الأقوى لإجبار البلد على التراجع إلى الإطار و الديناميكيّة المركّزين .
و ما يجسّده هذا كذلك أنّه ليس بوسعكم القيام بهذا شيئا فشيئا - ليس بوسعكم تغيير المجتمع دون إفتكاك السلطة في البنية الفوقيّة بإلحاق الهزيمة و تفكيك المؤسسات التي تفرض بالقوّة دكتاتوريّة الطبقة الرأسماليّة ، و تركيز مؤسّسات ثوريّة جديدة توفّر وسائل تغيير القاعدة الإقتصاديّة تمام التغيير ، إبتداءا من مصادرة أملاك الرأسماليين الكبار و مشركة وسائل الإنتاج الكبرى ، و الدفاع عن الثورة ضد محاولات قوى أجنبيّة و / أو " محلّية " ، للإنقلاب على هذه الثورة . و إن حاولنا القيام بذلك جزئيّا و شيئا فشيئا ، سنخلق لخبطة و فوضى و من ثمّة ستقفز قوى أخرى " لتعيد الأمور إلى نصابها " على أساس رأسمالي .
و مثال آخر عن الطريقة التي يجب بها على البنية الفوقيّة السياسيّة و الإيديولوجية أن تكون في إنسجام أساسي مع القاعدة الإقتصاديّة الكامنة ، إستخدمت مثال " حقّ الأكل " - وهو حقّ لا يوجد و لا يمكن في الواقع أن يوجد في ظلّ الرأسماليّة ( حقّ حتّى و إن أُعلن و نصّ عليه القانون ، لا يمكن عمليّا تكريسه في مثل هذا المجتمع ). ولنوسّع ذلك إلى أبعد من مجرّد حقّ الأكل ، ليشمل الأمر كافة الحاجيات الأساسيّة للحياة : تصوّروا إن كان النظام السياسي و كانت القوانين تسمح للناس ببساطة بإمكانيّة تناول كلّ ما يحتاجون إليه كحاجيات أساسيّة للحياة ، دون مقابل مالي . لو جرى تطبيق هذا ، بينما لا يزال الاقتصاد يسير وفق مبادئ و ديناميكيّة الرأسماليّة ، أين تنتج الأشياء كسلع يتمّ تبادلها مع سلع أخرى ( و بالخصوص المال، بشكل ما ) – ( بإختصار يتمّ شراء الأشياء ) ، عندئذ سيتداعى بداهة الاقتصاد و بالأحرى بسرعة . و هذا جلي تماما إلى درجة أنّ عديد الناس سيعترضون فورا قائلين " طبعا ، لا يمكنكم القيام بذلك ، و من السخافة إقتراح مثل هذا الشيء . إلاّ أنّ مثل هذه الإجابة في حدّ ذاتها جوهريّا إنعكاس للتعوّد على العمل و التفكير ضمن حدود العلاقات السلعيّة الرأسماليّة بحيث من العسير تصوّر مجتمع و عالم مغايرين راديكاليّا ، عالم شيوعي أين يمكن بالفعل و ستوزّع الأشياء على الناس على أساس الحاجة – أين الإنتاج و التبادل السلعي ( ومعهما ، المال كمساوى عالمي للسلع ) يكون قد وقع تجاوزه و إلغاؤه، و الشعار الشيوعي " من كلّ حسب قدراته ، إلى كلّ حسب حاجياته " يكون مبدأ مكرّسا .
( أمّا بالنسبة إلى الحجّة التي يمكن أن تُقدّم ، أنّ المسألة ليست مسألة أشخاص يسعون إلى تلبية حاجياتهم الأساسيّة عبر مجرّد تناول الأشياء ، و إنّما هي مسألة توفير الحكومة لهذه الحاجيات الأساسيّة : في " التحوّل الأوّلي إلى رأس مال ... و وضع نهاية للرأسماليّة " ، لا سيما في القسام " ليس بوسع الحكومة أن " تعدّل " الديناميكيّة الجوهريّة للرأسمليّة " و " لماذا " الحياة غير عادلة في ظلّ الرأسماليّة ... لماذا العالم كما هو ، و كيف يمكن أن يكون مختلفا رادكاليّا " – حلّلت أنّه حتّى إن وُجدت حكومة تعمل ، في ظلّ هذا النظام ، على إستخدام مواردها لتوفير " حقّ الأكل " ، أو بصورة أوسع ، لتلبية الحاجيات الساسيّة للحياة ، للجماهير الشعبيّة ، فإنّ العلاقات الجوهريّة و ديناميكيّة الرأسماليّة ، و ليس في بلد معيّن فحسب ، بل على النطاق العالمي ، ستحاصر و تقوّض و في نهاية المطاف تطيح بأي مسعى من هذا القبيل .)
أو لنفكّر في ما قد يحصل إذا حاولنا عمليّا أن ننتخب حزبا يقول : " سنلغى تفوّق البيض ". أنظروا ما حدث بعدُ في الولايات المتحدة ، مثلا . تنازلات صغيرة للنضال ضد تفوّق البيض و التفوّق الذكوري كانت عاملا من أهمّ عوامل صعود شكل فاشي من الحكم ، إذ وقع إنتخاب فاشي عبر نظام معهد الانتخابات - إنتخب إلى أعلى الوظائف - و الحزب الجمهوري الذى هو في الجوهر حزب فاشي عند هذه النقطة يهيمن على هياكل الحكم : وكلّ هذا إلى حدّ كبير ردّ على حتّى تنازلات صغيرة في بضعة مجالات الجندر و العلاقات الجنسيّة و تفوّق البيض . لذا يمكن أن تشاهدوا ما يمكن أن يجدّ إن كانت البنية الفوقيّة حقّا غير منسجمة راديكاليّا مع علاقات الإنتاج والعلاقات الإجتماعيّة الكامنة : ستنتج فوضى ، و سيكون ذلك دافعا لقوى تكون مهمّتها إعادة تركيز النظام ، ذات طبيعة فاشيّة مثلما حدث بعدُ في الولايات المتحدة اليوم .
المسألة المستخلصة من كلّ هذا هي أنّ الديمقراطية ليست فكرة عظيمة وُجدت في روح الشعب و في رؤوس رجال عظماء منذ اليونان القديمة إلى المجتمع الأمريكي المعاصر ، مع بعض الإنقطاعات في المسار لسوء الحظّ ، المجتمعات العبودية و الإقطاعية . الديمقراطية عمليّا جزء من ماذا ؟ إنّها جزء من البنية الفوقيّة . إنّها جزء من ما هو في نهاية المطاف قائم على و محدّد بالقاعدة الإقتصاديّة للمجتمع و الشكل الخاص للديمقراطية في أي مجتمع معطى يتحدّد بطابع الإنتاج الكامن و ما يناسبه من العلاقات الاجتماعية . و من هنا ، إن كانت لدينا قاعدة إقتصادية رأسماليّة ، سيكون لدينا شكل رأسمالي من الديمقراطية . و بكلمات أخرى ، ستكون لدينا ديمقراطية برجوازية . ستكون لدينا ديمقراطية برجوازية في إطار النظام الرأسمالي ، تتناسب و مصالح الطبقة الرأسماليّة التي تهيمن على نظام الإنتاج و العلاقات الإجتماعيّة .
الديمقراطية البرجوازية - التي هي في الواقع الشكل الديمقراطي للدكتاتوريّة البرجوازية – هي في " الأوقات العادية " ، شكل حكم يمكن أن يتناسب أكثر مع المجتمع الرأسمالي لأنّه يسمح للطبقة الرأسماليّة الحاكمة بأن تحافظ عل وهم في صفوف الناس ، وهم أنّهم القوّة الحاكمة في المجتمع في حين أنّ في الواقع ، البرجوازية هي التي تحكم فيهم وتتحكّم فيهم . وعليه ، من مصلحة الطبقة الرأسماليّة ، في " الأوقات العادية " أكثر أن تحافظ على هذا الشكل من حكم الطبقة الرأسماليّة ضد الجماهير الشعبيّة و تحافظ على و تخدم مصالح النظام الرأسمالي الكامن ليس في البلاد فحسب و إنّما عالميّا بما في ذلك الحروب .
لكن كما تمّت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن الحاجة إلى ترحيل نظام ترامب / بانس عبر تعبأة جماهيريّة غير عنيفة و مستمرّة : في إطار تناقضات عميقة و حادة تؤكّد نفسها بطرق تمزّق النسيج نفسه و تعمّق الإنشقاقات في أسس المجتمع، و في الآن نفسه ، بما انّ الطبقة الرأسماليّة الحاكمة تواجه تحدّيات جدّية عالميّا ، الفاشيّة حلّ ممكن لها ، في إطار هذا النظام و طبقته الحاكمة ، حتّى و هذا فظيع بالنسبة للإنسانية ز الفاشيّة دكتاتوريّة سافرة صارخة للطبقة الرأسماليّة التي تدوس و تلغى " ضوابط " الحكم الديمقراطي البرجوازي ، بما فيها حكم القانون و الحقوق المدنيةّ الأساسيّة و القانونيّة ، و بوجه عام تعنى شلّ حركة و / أو سحق قوى الطبقة الحاكمة " السائدة "أكثر عادة من قبل فئة فاشيّة من الطبقة الحاكمة ( و يمكن رؤية هذا من التجربة الفاشيّة في إيطاليا و التجربة النازيّة في ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى ؛ و في الزمن الأكثر معاصرة ، نظام ترامب / بانس في الولايات المتحدة و أنظمة و قوى شبيهة في أوروبا أمثلة ساطعة لحكم أو صعود الفاشيّة.)
و الخطوة أو القفزة الضروريّة الحيويّة الأولى ، في تجاوز كلّ هذا هي الإطاحة بدكتاتوريّة البرجوازيّة ( بأي شكل كانت ) و تعويضها ، في البلد تلو البلد ، بدكتاتورية البروليتاريا - و هدفها الجوهري هو بلوغ الشيوعيّة ، عبر العالم ، مع إلغاء كافة علاقات الإستغلال والإضطهاد و ما يتناسب معها من تناقضات إجتماعية تناحريّة . و دكتاتوريّة البروليتاريا جوهريّا نقيض لدكتاتورية البرجوازية : إنّها ديمقراطية بالنسبة للجماهير الشعبيّة العريضة في إطار نظام إشتراكي ينجز في مجالات الاقتصاد و السياسة و العلاقات الإجتماعية و الأفكار تغييرا للمجتمع نحو هدف الشيوعيّة .
و مثلما أكّد ماركس ، بطريقة مكثّفة للغاية ، في " صراع الطبقات في فرنسا ، 1848-1850" ( في صيغة أضحت معروفة ب " الكلّ الأربعة " ) ، دكتاتوريّة البروليتاريا هذه مرحلة إنتقاليّة ضروريّة نحو إلغاء كلّ الإختلافات الطبقيّة ، و إلغاء كلّ علاقات الإنتاج التي تقوم عليها الإختلافات الطبقيّة ، و إلغاء كلّ العلاقات الإجتماعيّة المتناسبة مع علاقات الإنتاج هذه ، و تثوير كلّ الأفكار الناجمة عن هذه العلاقات الإجتماعيّة . و لو قلبنا هذه الصيغة ، صيغة " الكلّ الأربعة " و شدّدنا على الحفاظ على علاقات الإنتاج و العلاقات الاجتماعية الرأسمالية و الأفكار و الثقافة و الإختلافات الطبقيّة السائدة ، سيكون من الواضح جدّا لماذا لا يمكن أن تكون لدينا قاعدة و بنية فوقيّة متنافرين ، لأنّ علاقات الإنتاج و العلاقات الاجتماعية ، مرّة أخرى ، ستملى طريقة معيّنة في سير المجتمع وهذا سيملى علينا جوهريّا كيف سيتفاعل الناس مع الأحداث في المجتمع. و طالما أنّ هذا النظام في الحكم و يفعل فعله ، حتّى إن نزع الناس نحو برنامج أكثر راديكاليّة سيتجه صوب إلغاء العلاقات الإستغلاليّة و الإضطهادية لهذا النظام ، سيُدفعون إلى الخلف ، بعيدا عن ذلك بفعل سير النظام نفسه ، و يُقدّم ذلك إليهم بصيغة مكثّفة من قبل ممثّلى الطبقة الحاكمة الذين سيقولون : " ليس بوسعكم القيام بذلك في ظلّ هذا النظام . و إن قمتم بذلك ستتسبّبون في الفوضى . إن قمتم بذلك ، سيكون لديكم ما تعملونه . إن تحرّكنا بإتجاه إلغاء التفوّق الذكوري و تفوّق البيض معا ، سيخلق ذلك فوضى في المجتمع و ببساطة سنحصل على الفاشيّة . لذا من الأفضل لكم التصويت للحزب الديمقراطي و صيانة الأمور كما هي ".
و هكذا بوسعنا رؤية كيف أنّ كلّ هذا مترابط معا – هذه " الكلّ الأربعة " - الإختلافات الطبقيّة و علاقات الإنتاج التي تقوم عليها و العلاقات الاجتماعية التي تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و الأفكار الملائمة لعلاقات الإنتاج و العلاقات الاجتماعية هذه . تتداخل جميعا و إمّا هذا أو ذاك : إمّا التحرّك بإتّجاه إلغاء كلّ هذا - و الخطوة الكبرى الأولى هي مجدّدا إفتكاك السلطة من يد الطبقة الرأسماليّة و القضاء على دكتاتوريّة البرجوازية - أو تأثير و فعل هذه " الكلّ الأربعة " في ظلّ النظام الحالي ( علاقات الإنتاج و العلاقات الاجتماعية السائدة و الإختلافات الطبقيّة و الأفكار ) ستدفع الناس بإستمرار إلى الخلف لتعزيزالنظام القائم . و لهذا عندما يتجه الناس إلى صناديق الإقتراع ، الشيء الواقعي الذى يجدون انفسهم مجبرين على القيام به ، في ظلّ هذا النظام ، سيكون التصويت من أجل أشياء ستوطّد النظام . و إلاّ ستحدث فوضى سيعانى منها الناس، و لن يوجد عدد قليل من السياسيين البرجوازيين الذين سيشيرون إلى ذلك بسرعة كبيرة . و بالتالى ، ينبغي أن نطيح إطاحة تامة بهذا النظام ما سيمكّننا بعدئذ من الإنتقل و النضال من أجل تغيير هذه " الكلّ الأربعة ".
إنّ الإختراق التاريخي لماركس هو الأساس الذى عليه جرى تطوير الشيوعيّة العلميّة كنظريّة ترشد النضال الحيوي لبلوغ " الكلّ الأربعة " و التقدّم بالمجتمع الإنساني إلى عصر جديد تماما – ليس كمجتمع مثالي يتميّز بغياب التناقض و إنّما كمجتمع ، عالم من البشر المتحرّرين من التناقضات الإجتماعيّة العدائيّة و هيمنة الأفكار المناسبة و الطريقة التي بها قد عرقل كلّ هذا و شوّه وجود المجتمع الإنساني و التفاعل الإنساني مع بقيّة الطبيعة - على هذا الأساس العلمي و بهذا الفهم العلمي صرّح ماركس بقولة صارت شهيرة و مفادها أنّه ليس بوسع البروليتاريا تحرير نفسها دون تحرير الإنسانيّة قاطبة.
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++