وعد بلفور، ما قبل وما بعد (5)

خليل اندراوس
2019 / 12 / 13



هناك دول اخرى شريكة في ارتكاب جريمة النكبة ضد الشعب الفلسطيني وعلى رأس هذه الدول، السعودية، حيث قال اول ملك من آل سعود بانه لا مانع لديه من اعطاء فلسطين لليهود المساكين، فهذا التصريح جريمة قام بها آل سعود وهم مستمرون بالقيام بدورهم المتآمر والعميل والمجرم من خلال سياستهم الاستراتيجية لا بل حلفهم الاستراتيجي العميل مع الامبريالية البريطانية سابقا والآن الامريكية، ومع الصهيونية العالمية. ويأتي احد المسؤولين السعوديين ويصرح "بان الشراكة العسكرية (لا بل الخيانة د.خ) مع الولايات المتحدة تعتبر امتدادا تاريخيا للعلاقات الاستراتيجية والتوافق في الاهداف لضمان الامن والسلام الدوليين".

ويتناسى هذا السعودي "المسؤول" جرائم الاحتلال والاستيطان الكولونيالي الاسرائيلي، ويتناسى رفض اسرائيل لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ورفض حق العودة، مع ان الاعتراف باسرائيل بموجب قرارات الامم المتحدة مشروط بحق العودة. وما تقوم به انظمة الخليج من سياسات تسعى الى التطبيع مع اسرائيل ما هي الا جريمة جديدة ترتكب من قبل انظمة الخيانة في الخليج الامريكي ضد الحقوق الانسانية المشروعة للشعب الفلسطيني، وكل من يشارك سياسات التطبيع هذه من خلال زيارات وفود من اسرائيل ومن خلال لبس الثوب والظهور في مؤتمر يحمل اسم "السلام" في الامارات، والتي تمارس جرائم الحرب ضد الشعب اليمني وبمشاركة بعض رجال السلطة الفلسطينية المستفيدين ماديا وبتنسيق مع اسرائيل، يرتكب خطأ كبير وهناك من يرتكب الخيانة تجاه شعبه وقضيته العادلة – أي القضية الفلسطينية الانسانية الكوكبية العادلة.



لقد كان لوعد بلفور آثار كبيرة وطويلة الامد وكثيرة حيث ادى الاعلان الى ازدياد الدعم للحركة الصهيونية في اوساط المجتمعات اليهودية في انحاء العالم، وقاد الى فرض الانتداب البريطاني على فلسطين. وهذا الوعد كما قيل سابقا ادى الى ارتكاب جرائم النكبة ضد الشعب الفلسطيني، وخلق دولة لا بل شركة رأسمالية اسمها اسرائيل تخدم الامبريالية العالمية في منطقة الشرق الاوسط، والآن عندما لا يسمع حكام اسرائيل وقوى اليمين السياسي الصهيوني عامة والاسرائيلي خاصة، صرخة وعذاب ومأساة الشعب الآخر، أي الشعب الفلسطيني، فهم من أب هو "ابليس" العنصرية والشوفينية والغطرسة، من اب ابليس الارهاب والعدوان والاحتلال. والعدوان المتكرر على سكان غزة وقتل الاطفال والنساء والابرياء واستمرار الحصار والعدوان الاخير على غزة لأكبر دليل على ذلك، وعندما يمارسون هذه السياسات فانهم يمارسون شهوات ابيهم "الابليس" الايديولوجية الصهيونية، محور الشر في المنطقة لا بل وفي العالم أجمع، محور الشر القتّال للناس، للبشرية من البدء أي بداية المؤامرة الامبريالية – الصهيونية العالمية ضد شعوب المنطقة وخاصة ضد الشعب العربي الفلسطيني، منذ اعلان وعد بلفور المشؤوم.

وكلام حكام اسرائيل والولايات المتحدة عن السلام كاذب وديماغوغي، وعلى رأس هذا الكذب الآن مؤامرة "صفقة القرن" والتي تعتبر جريمة جديدة بحق الشعب الفلسطيني والتي لا بد وان تفشل بفضل صمود وتضحيات الشعب الفلسطيني، وفشل المؤامرة على سوريا ووجود محور المقاومة في منطقة الشرق الاوسط والدور الايجابي الذي تلعبه ايران والصين وروسيا في المنطقة. ان فشل "صفقة القرن" امر محتوم وانتصار القضية العادلة للشعب الفلسطيني تاريخيا امر محتوم والصهيونية مصيرها مزبلة التاريخ.



وكلام وحديث الولايات المتحدة عن السلام، ليس في كلامهم حق وهم عندما يتكلمون بالكذب فإنما يتكلمون مما لديهم، لأنهم كاذبون وآباء الكذب منذ وعد بلفور وعندما يتحدث المتدينون الصهاينة عن الوعد الإلهي وارض الميعاد يتحدثون بالكذب "لأنكم لستم من الله" بل من الشيطان. ولو كنتم ابناء لإبراهيم لكنتم تعملون اعمال ابراهيم الخليل الانسانية المتسامحة، ممارساتكم الصهيونية العنصرية الشوفينية ممارسات الاحتلال والاستيطان هي من افعال واعمال شياطين ومصاصي دماء الشعوب، الامبريالية العالمية، والصهيونية العالمية ومن اعمال حكام اسرائيل خدمة وعملاء وعبيد الامبريالية.

الشعب العربي الفلسطيني المتجذر في هذه الارض والباقي الى أبد الآبدين فيها يستطيع ان يقول لهؤلاء الذين يستغلون اكاذيب ارض الميعاد يستطيع ان يقول لهؤلاء بانه قبل ان يكون ابراهيم او غيره هو كائن على هذه الارض، والشعوب المضطهدة كالشعب الفلسطيني سيبقى طريق ونور العالم نحو الحرية والعدالة. وعلى حكام اسرائيل ان يغسلوا ويزيلوا عن عيونهم طين وأوساخ وجراثيم المفاهيم والايديولوجية الصهيونية، لكي يبصروا عدالة ومصداقية القضية الفلسطينية الانسانية الكونية برأي كاتب هذه السطور مصير كوكبنا مرتبط بحل القضية الكونية الفلسطينية، من خلال طرح سؤال موضوعي انساني حضاري وهو هل نختار نموذج المجتمعات المغلقة وفكر وايديولوجية الغيتو الصهيوني والأفكار الغيبية المسيحية الصهيونية التي تتحدث عن نهاية العالم "كسابقة" لمجيء المسيح، هذه الافكار التي تلد الآن وفي المستقبل دولا تحمل غيبيات وخرافات دينية تخدم طبقة رأس المال والتي تخلق الآن وستلد في المستقبل دولا متجابهة تقوم على توازن الرعب النووي، وهذا ما تفعله اسرائيل من خلال ممارسة سياسات غطرسة القوة وامتلاك السلاح الذري، ام نختار نموذج المجتمعات المنفتحة والمتقبلة للآخر، والرافضة للاحتلال والاستيطان، لكي نصل الى عالم حضاري انساني، عالم الحوار والاغناء الحضاري المتبادل لكي نبني عالما متجانسا متناغما عالم حرية الانسان، كل انسان.



نص وعد بلفور:

في الرسالة المؤرخة بتاريخ 2 نوفمبر عام 1917 كتب بلفور الى روتشيلد ما يلي:

"إن حكومة الملك تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على ان يُفهم جليا انه لن يؤتى بعمل من شأنه ان يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى".



في عام 1919 قال بلفور بصراحة في مذكرة الى الحكومة البريطانية ما يلي: "نحن في فلسطين لا نرى حتى التمسك بالشكل في استشارة رغبات السكان الحاليين في فلسطين، وان كانت اللجنة الامريكية قد شرعت في سؤالهم عن رغباتهم. فقد التزمت الدول الاربع الكبرى بعهودها تجاه الصهيونية، ولا ريب في ان الصهيونية سواء كانت على حق ام على باطل وسواء كانت طيبة ام شريرة، عميقة الجذور في تقاليدنا وفي حاجاتنا الراهنة، وفي آمالنا المقبلة، وهي اكثر اهمية لنا من رغبات السبعمائة الف من العرب الذين يقيمون الآن في البلاد العريقة واهوائهم.

منذ البداية عارض الشعب الفلسطيني وعد بلفور والانتداب البريطاني. فقد ذكر الجنرال كلايتون، كبير المسؤولين السياسيين في قوة المشاة المصرية البريطانية في برقية الى وزارة الخارجية في لندن في 18 نوفمبر عام 1918:

"العرب في فلسطين معادون للصهيونية بقوة وقلقون جدا من الاهداف الصهيونية، كانوا في السابق مؤيدين لبريطانيا في الايام الاولى للاحتلال، لكنهم يظهرون ميلا نحو ملك الحجاز (الشريف حسين) والحكومة العربية في دمشق ويرجع هذا الموقف الى القناعة المتنامية بان بريطانيا العظمى تتعهد بدعم البرنامج الصهيوني في مجمله".



لجنة تقصي الحقائق التي اقترحها الرئيس الامريكي ويلسون، الى الشرق الاوسط باسم عصبة الامم، زارت فلسطين في يونيو 1919 وقدمت تقريرها بعد شهرين، الذي جاء فيه:

"يجب ان نذكر ان سكان فلسطين غير اليهود – ما يقرب تسعة من عشرة من مجموع السكان – هم بالتأكيد ضد البرنامج الصهيوني برمته، تُبين الجداول انه لا يوجد هناك شيء واحد يتفق عليه سكان فلسطين اكثر من هذا الرفض.. وتجدر الاشارة ايضا الى ان هذا الرفض للبرنامج الصهيوني لا يقتصر على فلسطين فحسب، ولكن يشاركه ايضا بشكل عام الناس في جميع انحاء سوريا".

في تصريح لمكماهون المندوب السامي البريطاني في القاهرة والذي اجرى مراسلات طويلة من تموز عام 1915 وحتى كانون الثاني عام 1916 مع الشريف حسين في مكة، وبعد ان اصبح الشريف حسين ملكا على الحجاز طلب بعض التفسيرات حول وعد بلفور فأجابه المقيم العام البريطاني في مصر برسالة يؤكد له فيها (ان الاستيطان اليهودي في فلسطين لن يُسمح به الا بالمقدار الذي لا يناقض الحرية السياسية والاقتصادية للمواطنين العرب).

وحول هذا الموضوع صرح مكماهون في رسالة الى جريدة التايمز عام 1937 قائلا: "أرى من واجبي ان أعلن على نحو صريح ورسمي انه لم يكن في نيتي إدخال فلسطين في اطار المنطقة العربية المستقلة حينما قدمت الضمانات للشريف حسين".

وهكذا سلكت القوى الاستعمارية وخاصة البريطانية سلوك الخيانة والمكائد والغدر ضد الشعوب العربية رافعة الصهاينة على الاكتاف.

وزير آخر للخارجية البريطانية (اللورد غري) شهد مراسلات حسين – مكماهون صرح في مجلس اللوردات: "أنا مقتنع بان التصريح بتعهداتنا في الشرق والادعاء بأنها منسجمة – وهي ليست كذلك – ليس مسلكا شريفا. ولكن المسلك الأشرف يكون بنشر هذه التعهدات... وحينما نرى فيها التناقض لا بد من الاعتراف بذلك والبحث عن اسلوب آخر اصدق كي نخرج من الطريق المسدود الذي حصرنا انفسنا فيه". وهناك تصريح لصاحب الوعد اللورد بلفور يقول فيه: "يصعب علي ان افهم كيف يوفر الرئيس ويلسون قبوله بالصهاينة وبين مبدئه في حق تقرير المصير".



هذا هو النفاق الصريح، هذه هي الخيانة، هذه هي الجريمة البريطانية الامريكية الصهيونية التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني. جسدت صحيفة "غلاسكو هيرالد" البريطانية بعد صدور تصريح بلفور في 2 تشرين الثاني عام 1917 مباشرة، عمق هذا التداخل بين الصهيونية والامبريالية العالمية عندما سجلت: "ومن وجهة النظر البريطانية فان الدفاع عن قناة السويس يتم على افضل وجه بإقامة شعب في فلسطين ملتصق بنا، واعادة اليهود الى فلسطين تحت الرعاية البريطانية".

(انتهى)