مسلسل ممالك النار kingdoms of fire .. واحتلال الأتراك لمصر

رياض حسن محرم
2019 / 12 / 12

المسلسل من 15 حلقة، يتناول في إطار تاريخي الحقبة الأخيرة لدولة المماليك، وسقوطها على يد العثمانيين في القرن السادس عشر، وهو من تأيف " محمد سليمان عبدالمالك" المصرى، ومن إخراج المخرج البريطاني بيتر ويبر، المسلسل من إنتاج شركة "جينو ميديا" الإماراتية وبطولة عدد من الفنانين العرب على رأسهم الممثل "محمود نصر" فى دور سليم الأول و"خالد النبوى" فى دور طومان باى، وتم تصويره فى تونس.
شاهدت معظم حلقات ذلك المسلسل الذى يستعرض الصراع بين دولة المماليك فى مصر والشام وبين الغزاة العثمانيين بقيادة سليم الأول، ذكرنى المسلسل بكتاب قرأته فى مطلع الشباب للشيخ " أحمد بن زنبل الرمّال" أسماه مدققه الكاتب الصحفى الراحل "صلاح عيسى" باسم آخرة المماليك، وقد رافق الرمّال جيش المماليك بقيادة السلطان "قنصوة الغورى" الى منطقة مرج دابق بالقرب من حلب بسوريا وشهد هزيمة الغورى ومصرعه تحت سنابك الخيل هناك، ووصف عودة الجيش المهزوم الى مصر للدفاع عنها بقيادة "طومان باى" السلطان الجديد وابن أخ قنصوة الغورى الذى جمع ما تبقى من ذلك الجيش الذين يقدرهم الرمّال بسبعة الاف، وقد تلاقى الجيشان فى منطقة الريدانية قرب إمبابة بالجيزة حيث دارت المعارك بينهم لمدة ثلاثة أيام إستطاع العثمانيين بصعوبة الإنتصار على المماليك ودحرهم، بعدها نظّم طومان باى أول مقاومة شعبية من المصريين فى العصر الحديث إستطاعت أن تصد الجيش العثمانى لمدة 3 شهور قبل استيلائه على القاهرة والقبض على طومان باى واعدامه على باب زويلة، ويسهب المؤرخ فى وصف عملية شنق طومان باى، حيث يصف ذلك بالتفصيل فيقول فى كتابه " وفي يوم الاثنين الثالث عشر من أبريل سنة 1517 ميلادية، تحرك موكب طومانباى للمرة الأخيرة من معسكر سليم الأول بإمبابة، عابرا إلى بولاق مخترقا القاهرة، وانتهى الموكب الأخير لـطومانباى عند باب زويلة، شق شوارع القاهرة من الشرق إلى الغرب، وهو يسلم على أهل القاهرة المصطفين على جانبي الطريق، ولم يعلم أنه سيُشنق إلا عندما وصل وشاهد المشنقة منصوبة، فوقف على قدميه وقال للناس من حوله: «اقرأووا سورة الفاتحة ثلاث مرات»، وقرأ الناس معه، ثم قال للمشاعلي: «اعمل شغلك»، حيث شُنق هناك وسط صراخ الناس وعويلهم، فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف.وظلت جثته معلقة على باب زويلة ثلاثة أيام"، وأضاف الرمّال "من خياله طبعا" مناظرة طويلة "من عدة صفحات" بينه وبين سليم الأول معظمها شعرا حول التفاخر بالأنساب والألقاب مع التعرض للعورات والأمهات.
يقول مؤرخو تلك الحقبة أن سبب الهزيمة الأساسى يكمن فى خيانة كل من "خاير بك" - ةالى حلب - و "جانبردى الغزالى" وهما قائدين فى جيش المماليك، والسبب الثانى لتفوق الجيش العثمانى هو نوعية السلاح المتقدم الذى أحضروه معهم بينما كان يعتمد المماليك أساسا على السيوف والخيل.
وفى تقديرى أن السبب الرئيسى للهزيمة هو أن الجيش الذى كان يدافع عن مصر يتكون من مماليك مجلوبين من مختلف الأقطار "ليسوا مصريين"، بالإضافة الى كونهم مكروهين من العامة لظلمهم وفرضهم لضرائب باهظة على أهل البلاد الأصليين.
عاش فى تلك الفترة أيضا أحد كبار المؤرخين فى تاريخ مصر وهو "محمد بن إياس" صاحب كتاب( بدائع الزهور فى وقائع الدهور) وفى الكتاب يصف بالتفصيل تقدم العثمانيين واجتيازهم تخوم مصر من جهة سيناء وزحفهم الى القاهرة حيث كان بدو سيناء والشرقية يغيرون على جيش بنى عثمان ويقطعون بعض الرؤوس ويرسلونها الى القاهرة لتعلق على أبواب المساجد وسط تكبير الأهالى بينما هجرت الناس الأقاليم الى القاهرة خوفا من فظاعات العثمانيين التى سمعوا عنها، ويسجل ابن إياس محاولة عثمانية لاغتيال طومان باي، حيث دخل عليه خيمته شخص ملثم مسلح، فقبضه الجنود ليكتشفوا أنها امرأة تركمانية متأهبة بخنجر تحت ثيابها، فقتلوها وعلقوا جثتها الممزقة مع رؤوس العثمانيين، وفى منطقة الريدانية التحم الجيشان فمالت الكفة للماليك وكاد سليم الأول أن يقتل بينما لاقى وزيره "سنان باشا" مصرعه، وعندما عادت الكرّة استطاع العثمانيين التفوق على المماليك الذين فرّوا مدحورين بينما أصيب طومان باى فى ساقة فانسحب مع بضعة من جنوده الى طرة، ودخل الجيش العثمانى الى القاهرة لينهب البيوت ويغتصب النساء فصارت فوضى عظيمة انتهزها بعض الحرافيش والزعران للنهب والحرق " استمر النهب عمّالًا في ذلك اليوم إلى بعد المغرب»، وأخيرًا هاجموا شون القمح ببولاق واستولوا على ما بها من غلال".
وادخل العثمانيين معهم الى القاهرة الخليفة العباسى "المتوكل بالله" الذى اسروه من جيش المماليك فى مرج دابق وكذلك مشايخ المذاهب الأربعة، وعلى رأسهم الخائن "خاير بك" وهو من سينصبه العثمانيين واليا على مصر ليظل فى الحكم ثلاث سنين وثلاثة شهور ليسميه المصريون "على عادتهم" خاين بك، الذى أمر بأن يرفع النداء من فوق منابر المساجد بالدعاء للسلطان سليم الأول (سلطان العراقين- وخادم الحرمين الشريفين، الملك المظفر سليم شاه)، وبهذا تنتهي أحداث العام 922هـ التي يذيلها ابن إياس بقوله: "خُتِمَ العام بحرب وكدر.. وحصل للناس غايات الضرر.. وأتاهم حادث من ربهم.. كان هذا بقضاء وقدر"، بينما بادر طومان باى بمن بقى من جنوده ومعهم عموم المصريين من رحال ونساء واطفال الى الهجوم على معسكرات الأتراك وتحقيق انتصارات جزئية عليهم ولكن سرعان ما أعاد الجيش العثمانى السيطرة على القاهرة، واندفع جنود الجيش العثماني يعيثون في القاهرة فسادا ويحرقون المساجد التي كان المماليك يتحصنون بها ويقتلون من يقابلون من الأهالي حتى عدد ابن إياس من قتلوا في تلك الواقعة بنحو العشرة آلاف، بينما استمر اعتداء الجنود على العوام وسرقتهم و«تشليح ثيابهم» و«سرقة عمائمهم» في الطرقات، وجرّد سليم القاهرة من حرفييها حيث حمل معه الى استانبول 6 الاف من خيرة الحرفيين فى كافة الصنائع مفرغا مصر من صنائعها.
فر طومان باى الى البحيرة فى حمى صديق له من شيوخ البدو هو "حسن بن مرعى" الذى أنقذه من سجن "قانصوة الغورى" واقسم له مرعى أن يحميه هو ورجاله، ولكنه سرعان ما اتصل بسليم الأول وسلم له طومان مقابل مكافأة، ووضعه سليم فى سحن القلعة لأسبوعين ثم أمر باعدلمه وتعليق رأسه على باب زويلة لمدة ثلاثة أيام، ويختم ابن إياس وصفه المؤثر لهذا المشهد بقوله: «فلما شنق وطلعت روحه صرخ عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف».
وقد أجمع المؤرخون على أن حكم الولاة العثمانيين لمصر هو أسوأ حكم شهدته فى تاريخها الإسلامى، وتسبب فى أطول فترة اضمحلال فى تاريخ مصر على مدى 300 عام، وفقدت مصر مواردا اقتصادية هائلة، وكان العثمانيون ينظرون للمصريين بنظرة تعالٍ واحتقار، وقصروا الوظائف الإدارية على نفس عنصرهم التركى وعنصر المماليك الشركسى، فانحط المستوى الاجتماعى للشعب المصرى واضمحلت ثقافته، وأى مقارنة بين ثلاث سنوات هى عمر احتلال الفرنسيين لمصر وما أحدثته من نقلة ثقافية وحضارية وبين ثلاث قرون من الإحتلال العثمانى ستكون حتما لصالح الفرنسيين.
عودة للمسلسل الذى حاول فيه حكام الإمارات الرد عى " إردوغان" وتطاوله عليهم حينما أشاد بدور أجداده العثمانيين بينما كان أجداد الإماراتيين لا يجدون الخيمة التى يستظلون بها، والرد على دور المسلسلات التركية فى تشويه الوعى عن تاريخ العثمانيين وتبييض صورة سلاطينهم، لكن ما ذا يصنع مسلسل كهذا من خمسة عشر حلقة فقط فى مقابل عشرات المسلسلات التركية بحلقاتها التى تفوق المائة، والتى تتغزل فى حياة السلاطين والسلطانات وتعيد تسويق بنى عثمان للأجيال الجديدة.
لم أجدد مبررا لإختيار مخرج بريطانى للعمل سوى محاولة اتقان المعارك والظهور بمظهر الحيادية، ولا بأن يتم التصوير فى تونس مع إقامة ديكورات للقاهرة هناك، على أن هذا المسلسل يسجل ولادة جديدة للنجم "خالد النبوى" فى دور طومان باى منذ ذلك الدور الذى لعبه فى رائعة "يوسف شاهين "المهاجر" . . السلام عليكم.