أسئلة الحزب كوظيفة إتصالية في عالم اليوم ..

حمدى عبد العزيز
2019 / 12 / 7

الأحزاب في عصب فكرتها الوظيفية ظهرت كأداة إتصالية تتحقق كبناء إتصالي مابين أصحاب مشترك أدني من الأفكار نحو التوحد لتحقيق هذه الأفكار عبر الوظيفة الإتصالية للحزب بأوسع قدر من الناس التي يري أنه يعبر عنها ، ثم تري هي أنه يعبر عنها ..

وفي ذات الوقت تؤدي داخل جدرانها وظائف إتصالية تتعلق بطريقة تعميق أفكار الحزب وتنظيم النقاش حولها ، وفقاً لمجريات الأحداث وكذا تنظيم المناقشات والمداولات بين مستويات إتصالية ، حيث يتم تنظيم طريقة ممارسة التدول العام والديمقراطية الداخلية للحزب عبرها وكذا يتم فيها تنظيم ممارسة اتخاذ القرار ، وإعداده للتنفيذ عبر مستويات الحزب وتنوعاته التراتبية والقطاعية، والنوعية ، والجغرافية وكذلك مكاتبه وهيئاته المساعدة ..

لنصل في النهاية لحقيقة أن نجاح أي حزب يتوقف علي مدي نجاعة عمله كبنيان إتصالي ، وعلي مدي فاعلية دوره الإتصالي بالناس ، ومدي إنتاجه وإبداعه لأدوات إتصالية الغرض منها تحقيق وحدة العمل بين كافة عناصره ، وبين عناصره المتصلة بالناس للوصول إلي نوع من وحدة الأهداف والعمل في سياق أوسع قدر ممكن القناعات بما يطرحه الحزب من أفكار ومهام تجاه مواقف ما ، أو استحقاق ما ، أو حتي كعملية تنظيم لردود الأفعال تجاه موقف ما ، أو سلطة ما ..

ثم تأتي علي رأس الوظائف الإتصالية المهمة ضرورة استجابة الحزب لمهمة إتصالية أهم تضمن تجدده وحيويته وهي تتلخص في تنظيم وتنشيط تيار الإتصال العكسي من الناس إلي الحزب عبر كوادره وقواعده المتصلة داخل هذه الناس ، ودفع أفكار الناس ومبادراتهم إلي داخل جدران الحزب سواء من الأسفل القاعدي العريض إلي باقي أجزاء الهرم الإتصالي الحزبي في الأحزاب والتنظيمات الهرمية ، أو عبر الشبكات الإتصالية داخل الأحزاب والتنظيمات الشبكية ، أو بوسائل الإلتقاء المباشر المختلفة كالندوات النقاشية المفتوحة أما ماإلي ذلك ..

كل هذا هو مقدمة لسؤال حول ماهية الجديد في عالمنا اليوم ، ولماذا يفترض إعادة البحث والنظر في تجديد أفكار التنظيم السياسي؟

الجديد هو ذلك العالم الإتصالي الذي خلق عالما حياتيا متوازيا ومشتبكا في نفس الوقت مع الواقع الفعلي المعاش ، متضمناً تأثيراته العميقة علي كافة جوانب حياتنا ، ذلك الذي جعل في إمكان أي شاب في أي بقعة جغرافية علي الكرة الأرضية أن يستطيع باستخدام الكيبورد علي جهازه الرقمي الخاص في إطلاق أية فكرة تخطر له علي بال إلي ملايين من البشر ..

كذلك فإن المعلومة التي كان يقتضي الحصول عليها ثم تداولها داخل الحزب ثم من الحزب إلي الناس أياماً ، اصبحت في عصرنا الحالي تتوافر إنطلاقاً من الثانية التي تحدث فيها ، وتنطلق في نفس الوقت الذي لايتجاوز الثواني أو الدقائق إلي مليارات البشر عبر العالم باستخدام عالم الإنترنت الإتصالي ..

كذلك فإن أحد التحديات المستجدة للمؤسسات الحزبية تتجسد في إمكانية أن تجتمع أي مجموعات من البشر المتجانسين في الأفكار وأن يكونوا شبكات إتصال خاصة بهم ، وأن يؤسسوا بناءات شبكية سواء كانت علنية أو سرية ، لتبادل المعلومات والآراء والأفكار بل والقيام بعمليات تثقيف ذاتي ، وتنظيم القراءات والمشاهدات المتنوعة ، وأن يستعوضوا بذلك عن المؤسسات الإتصالية المجتمعية والسياسية التقليدية ومن بينها الأحزاب والتنظيمات السياسية ، إذ يكفي فقط أن تمتلك أفراد هذه المجموعات أجهزة مرتبطة بشبكة الإنترنت العنكبوتية ..

كذلك فإن هذا الفضاء الإتصالي الرهيب قد أدخل واقع جديد علي مسائل كانت تشكل ضوابط تماسك واستمرار ومناعة داخل الأحزاب ضد التفكك والضعف ، وهي مايتعلق بقواعد الإنضباط الحزبي وانحسار النقاش في مراحل الإعداد لاتخاذ القرارات والمواقف داخل الأحزاب بين جدرانها وعلي موائد نقاشها بل وداخل مستوي النقاش أو دوائره الحزبية ..

وهذا لاينبغي التفكير فيه علي أساس أن دور الأحزاب قد انقضي أمره وانتهي (خصوصاً في ظل ماتضمنته ملابسات الحراكات الجماهيرية المتنوعة في منطقتنا العربية) ..

علي العكس فسيظل دور الأحزاب هو الدور الذي يمكنه أن يلعب دور الكيان الذي ينظم الحركة السياسية علي الأرض ، ويؤسس لمشروعات التغيير ، والتثوير ، ويوضح الرؤي وينظم النقاش الجماهيري الحي حولها ، ويوظف آدواته البشرية في خدمة أماني جماهيره وقطاعاته التي يمكن أن تلتف حولها ، كذلك يقود تنظيم الجبهات والكيانات السياسية وفقاً لما يمكن الجماهير من تحقيق أهدافها ، كذلك يعد كوادره ، ويجهزها لخوض الإستحقاقات الديمقراطية والمعارك السياسية المختلفة ..

لكننا لايجب أن نغفل أننا قد أصبحنا أمام ظواهر بدء النقاش سواء من قبل الكثيرين من كوادر الأحزاب أو الأعضاء علي مواقع التواصل الإجتماعي ليصبح الجميع أمام اتساع وشيوع دوائر النقاش ، بل أصبحنا أمام ظاهرة أن يعبر كادر حزبي أو عضو قاعدي أو حتي عاطف أو مؤيد عن خلافه مع بعض أو بقية الكوادر والأعضاء علي مواقع التوصل الإجتماعي ، وكل يحاول استدعاء مؤيدين له في مواجهة الآخر .. وهكذا ..

لم تعد هناك جدران بالمعني الحقيقي للحزب الذي يكافح الان في مواجهة متغيرات عاصفة تتطلب إبداعات جديدة تستفيد من إمكانات العالم الإتصالي وتفسح مكاناً في بناءتها ومستوياتها وهيئاتها التنظيمية لفعاليات هذا العالم بإمكاناته الجبارة ، للدرجة التي يمكن معها أن نري في القريب العاجل أعضاء ألكترونيين داخل الحزب ، ومكاتب وهيئات ألكترونية تصبح جزءاً من بنيته الإتصالية ..

المهم أن فكرة الحزب وطريقة إتصاله بالناس ، وفاعليته بينهم وكذا إدارة النقاش الديمقراطي داخله ، وكذا تلك الأسس التي تبني عليها لوائح العمل الداخلي ، وتلك التي تضمن حالة من الإنضباط ووحدة الصف داخل الحزب وخارجه قد أصبحت محل نقاش ، وموضوع جديد للبناء والتطوير يساهم في سرعة الاستيعاب الجدلي المبدع لأفكار ومنجزات العصر العلمية بما توفره من إمكانات متجددة ، وتحديات لايمكن تجاهلها ، وعلي رأسها مايمس عصب وجوهر وجود الحزب ودوره في حياتنا ، وهو الوظيفة الإتصالية ..