يوميات نصراوي: الطريق الصعبة الى الاستقلال الفكري

نبيل عودة
2019 / 12 / 3

ما نفتقد اليه

في حدود العام (1960) التقينا مع مجموعة طلاب يهود ثانويين شيوعيين. تفاجأ الطلاب اننا لا نحتفل مثلهم باستقلال الدولة مثل المواطنين اليهود، رغم اننا أعضاء بالحزب الشيوعي الذي يحتفل بعيد الاستقلال. اضافوا ما معناه اننا أصبحنا مواطنين متساوي الحقوق ولغتنا هي اللغة الرسمية الثانية في الدولة. عبثا حاولنا بمفاهيمنا السياسية الأولية ولغتنا العبرية الضعيفة ان نشرح ما يؤلمنا في هذا اليوم. بعد حوار طويل أشبه بالحوار بين طرشان، نجحنا بمساعدة مرشدتنا التي هي أيضا لا تعرف العبرية بشكل مقبول، في إيصال ما يؤلمنا. راودتني فكرة. سألتهم: ما هو شعوركم بمثل هذا اليوم الذي يسمى استقلال اسرائيل؟ كان ردهم متشابها، الشعور بالأمان والسعادة ان لهم دولة تحميهم وتجعلهم أسوة بجميع الشعوب بعد ان دفعوا ثمنا رهيبا للوحش النازي. قلت لهم فورا اول جملة تيسرت لي بالعبرية: "هذا بالضبط ما نفتقد اليه، الأمان والسعادة، ودفعنا ثمنا رهيبا بإقامة دولة اسرائيل على أراضينا، واضفت بلغة مكسرة بمساعدة سائر الزملاء العرب والمرشدة: استقلالكم يعني تشريد اكثر من مليون فلسطيني من شعبنا. استقلالكم يعني مصادرة اراضينا. استقلالكم يعني اننا صرنا مواطنين اقل شأنا منكم. استقلالكم يعني ارهاب الحكم العسكري وتقييد حريتنا بالتصاريح. استقلالكم يعني حرمان واسع لأبناء شعبنا من حرية التجول في وطنهم وايجاد عمل لإعالة عائلاتهم، استقلالكم جر علينا كوارث تدمير 520 بلدة عربية وطرد سكانها وارتكاب مجازر ضد ابناء شعبنا لا تقل بشاعة عما ارتكب بحق شعبكم الوحش النازي.
تفاجأوا من كلامي وتهامسوا مع مرشدهم الذي بدى عليه الضيق من طرح موضوع لم يكن يتوقعه.
كان يبدو ان هناك عدم معرفة لتفاصيل ما قلته. قال أحدهم: لم نسمع عن ذلك؟ اجبت: إذا كنتم حقا شيوعيين يجب ان تعرفوا الحقائق. ووعد مرشدهم ان يشرح لهم فيما بعد تفاصيل حرب 1948 كما سماها.
ملاحظة: الحكم العسكري ظل سائدا ضد الجماهير العربية حتى العام 1967، والمستهجن انه الغي بدعم حزب حيروت (حزب الليكود اليوم) اليميني بقيادة مناحم بيغن وقتها، ضد حزب مباي الاشتراكي الديموقراطي، بقيادة اشكول (حزب العمل اليوم) وصوت معه نواب مباي العرب مدعين على لسان أحدهم ان الحكم العسكري هو "لصالح الجماهير العربية". يعتبر خطابه وتصويت النواب العرب وقتها، أكبر مهزلة سياسية بتاريخ الأقلية العربية، وبتاريخ السياسة الإسرائيلية عامة!!

بداية تشكل وعيي المستقل

ذلك اللقاء اثار لدي الشكوك بالقيادة الشيوعية اليهودية، وبعض الشيء بالقيادات العربية التي شاركت بأشكال ما باحتفالات الاستقلال (اقرأ النكبة) ولدي وثيقة عن اجتماع شعبي عقد في حيفا عام 1954 شارك فيه قائد شيوعي عربي، لا اعرف ماذا قال، ربما أكد على حق الشعب الفلسطيني، لكن المشاركة وإصدار الحزب لبيانات التهنئة بمناسبة الاستقلال اثارت وقتها الكثير من الانتقادات، رغم انها كانت تشير أيضا الى حقوق الشعب الفلسطيني. لكن الدمج بين التهنئة بالاستقلال والاشارة للحقوق الفلسطينية التي تتنكر لها السلطة الإسرائيلية، كان مهزلة سياسية، توقفت بعد الانشقاق. لكني كشاب ناشئ ببداية تشكل وعيي ومفاهيمي السياسية لأب شيوعي كان عضوا بعصبة التحرر الوطني أي الحزب الشيوعي الفلسطيني، قبل ان يتحد مع الحزب الشيوعي الذي سمي بأعجوبة ب "الإسرائيلي"، بتجاهل ان اسرائيل تحتل ايضا جزء من الأراضي التي خصصت حسب قرار التقسيم 1947 للدولة الفلسطينية، أي فلسطين لها حصة داخل إسرائيل، ووحدة الحزبين العربي واليهودي تجاهلت هذه الحقيقة. بعد سنوات رفض قائد الحزب الشيوعي الإسرائيلي آنذاك شموئيل ميكونس، في لقاء في موسكو بمبادرة سوفيتية لإنهاء النزاع الشرق اوسطي، ( بعد حرب 1956) مع فؤاد نصار قائد الحزب الشيوعي الأردني وهو فلسطيني من مدينة الناصرة ومن قادة عصبة التحرر الوطني سابقا، اقترح السوفييت ان تتخلى اسرائيل عن المناطق الفلسطينية التي خصصت للدولة الفلسطينية والتي تحتلها، تضاف لها مناطق الضفة الغربية والقدس الشرقية، لتقوم دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل تنفيذا لقرار التقسيم. اصر الشيوعي الصهيوني ميكونس ان ما احتلته إسرائيل سيبقى إسرائيليا. وفي كتاب لنعيم الأشهب "فؤاد نصار نضال ومواقف" يطرح هذا الموضوع. انا شخصيا سمعته مباشرة من فؤاد نصار ربما عام 1969 في المعهد الشيوعي في موسكو، اذ كنت قد احضرت له هدية من أخيه المرحوم الخوري سمعان نصار. ونما لدي شعور بان وراء الأكمة ما لا نعرفه عن نوعية العلاقات التي كانت بين فؤاد نصار والحزب الشيوعي الإسرائيلي بقيادة ميكونس.
بدأت شكوكي تتراكم، مع بداية وعيي السياسي والفكري لواقعنا. بدأت الاحظ الخلافات في الحزب الشيوعي بين القادة العرب واليهود الذي قاد الى انشقاق الحزب (1964) بين اليهود الصهاينة والشيوعيين العرب. للحقيقة التاريخية جزء هام من الرفاق اليهود وقفوا الى جانب الرفاق العرب مدافعين عن رؤيتهم الأممية، ضد النهج الذي عاد للصهيونية، او لم يتركها أصلا. لكن واقع الحزب في الشارع اليهودي تقلص الى افراد قلائل. أي قضي عليه رسميا وهكذا اختفي بسرعة الحزب الشيوعي الصهيوني.
جمعت الكثير من المواد عن تاريخ الحزب الشيوعي اليهودي الصهيوني الذي اسس عام 1919 ونشرت سلسلة مقالات في بداية 2019 عن النهج الصهيوني الذي ميز معظم قادته اليهود، وعبر كل تاريخه منذ تأسيسه، ودوره الكبير والحاسم بنكبة الشعب الفلسطيني وحتى الانشقاق في عام 1964.
ملاحظة: حتى لا افهم خطأ، الحركة الشيوعية كان لها الدور الهام والأكبر بتطوري الثقافي، الفكري والفلسفي، ويؤلمني الواقع السائد اليوم، بغياب حركة التثقيف والاعلام التي ميزت الحركة الشيوعية في الوسط العربي في إسرائيل، وعدم فهم ان الماركسية ليست كتابا مقدسا بل برنامج فكري فلسفي قابل للتطوير حسب التطورات العاصفة التي يشهدها عالمنا في جميع المجالات. ربما الخطأ ان الشيوعيين لم يقرأوا الفكر الفلسفي الذي تطور بعد ماركس، ولا انفي بذلك عظمة الماركسية وضرورة تحريرها من النهج والتشويه الستاليني، وعدم الرعب لطرح رؤية تطويرية، لأن عالمنا يتغير بسرعة وما كان صحيحا في القرن التاسع عشر أصبح بعيدا عن الواقع، بل غير ملائم اطلاقا، وبات من الضروري تطوير الفكر والشعارات والمناهج الحزبية. لكن لا حياة لمن تنادي.