ليبيا: انهيار دولة وتشريد شعب.. وطنٌ يتشظّى وشعبٌ يتلظّى

ميلاد عمر المزوغي
2019 / 11 / 28

تناول العديد من الاخوة مسالة الفدرلة والمركزية واللا مركزية في البلاد,واتوا بأمثلة لما يطبق في امريكا وسويسرا وغيرهما من الدول,وعن امكانية تطبيق الفدرالية في ليبيا نظرا لاتساع رقعتها الجغرافية وقد طبقت الفدرالية في ليبيا منذ الاستقلال والى العام 1963 سرعان ما تم توحيد البلاد وإلغاء النظام الفدرالي,ولكن هل عقلية الشعب الليبي اميوه ومتعلموه, بدوه وحضره مثل الشعوب الاخرى, حتى الذي اعتقدنا انه اديب (احترام الاخر) وصنف من الادباء العالميين وله مؤلفات كثيرة(جاوزت الخمسين) ونال عديد الجوائز محلية وعالمية رأينا رده على من سأله عن علاقته بالقذافي ونظامه , ترى لو سأله والقذافي لا زال في السلطة هل سيكون نفس الرد? لقد تساوى عندنا الساسة والسوقه المتعلم والأمي.
لقد أثبت بعض الليبيون للعالم وبما لا يدع مجالا للشك من خلال المشاهد المتحركة الناطقة التي أودعوها شبكة المعلومات الدولية بشأن الأحداث أنهم الأكثر إجراما في هذا الكون. وما لم يودع في تلك الشبكة كان أعظم حيث تم التعدي على المصالح العامة فسلبوا ما احتوته من أجهزة ومعدات ولم تسلم المشافي والمؤسسات التعليمية من ذلك.
كان النظام السابق يكمم الافواه والآن غالبية الليبيين لا يؤمنون بالرأي الاخر “يا تقنعني يا اقنعك” ولم يعد أحدنا يطيق الاخر فكيف نستطيع بناء دولة؟
لقد مر على سقوط النظام بضع اعوام ولا يزال هناك العديد من المواطنين (أكثر من مليون) يعيشون خارج الوطن قسرا في دول الجوار كما يوجد العديد من المهجرين في الداخل ولم تحل مشاكلهم ولا يعلم أحد متى سيعودون الى ديارهم ترى هل كتب عليهم التيه وكم سيستمر؟ وهناك من استحب البقاء في العاصمة ما سبب ارباكا في حركة السير بها وشكل ذلك عبئا على مرافقها ومراكز الخدمات بها. وما صدور القرار رقم 7 من اعلى سلطة في البلاد إلا دليل على عدم المسؤولية، ألا يوجد حكماء بهذا البلد? بلى ولكنهم مبعدون عن ابداء ارائهم لأنها تتعارض مع المتسلطين الجدد.
لا يكاد يخلو شارع او ميدان بمدننا إلا وبه صورة شهيد كتب بها وصية الشهيد: اياكم والفتنه واراقة الدماء بل دعوة الى المصالحة وبناء الوطن. وقد حاول بعض من هم محسوبون على السلطة اجراء مصالحة وطنية لتضميد الجراح وبناء الدولة فتصدى لهم الفريق المتشدد الحاكم واتهموهم بأنهم فرطوا بدماء الشهداء وغلق باب المصالحة مع الطرف الاخر، ترى هل تلك الشعارات التي كتبت على لسان الشهداء هي مجرد شعارات تطمين فقط؟
وماذا عن الفساد المستشري في القطاعات المختلفة والحديث عن تحويل (تهريب) مليارات الدولارات الى الخارج، ألا توجد رقابة او من يحاسب ام “التعليق” على شماعة ما فعله النظام السابق كان أعظم.
وماذا عن اثراء العديد من الاشخاص في وقت وجيز ام انه لا يهم والمهم ان الاموال مازالت في البلد.
وماذا عن الاعلام الخاص الذي يبث الفرقة بين مكونات الشعب وكل يدلو بدلوه غير آبه بما يقول وما يتسبب به من مشاكل وحساسيات بين مكونات الشعب ولعل ذلك يعود الى غياب وزارة خاصة بالاعلام تشرف على تلك القنوات وإحداث قنوات وطنية تتبع الدولة تدعوا الى الوحدة الوطنية ولم الشمل.
اعود الى مقدمة المقال واقول لا شك ان هناك غبنا اصاب اخوتنا في الشرق بسبب النظام السابق وما يحدث الآن من سلب ونهب لأموال الدولة وشبه سيطرة من بعض القوى على مجريات الاحداث وتغييب دور (الدولة) المخيب لأمال الليبيين ولكن ذلك لا يرقى الى مستوى المطالبة بالفدرالية لانها ستفتح الباب على مصراعيه نحو التقسيم وتشجع اطراف اخرى للحذو حذوهم وبالتالي ستتكون عدة دويلات تفوق العدد المتصور وتنهار الدولة, نحترم ثقافة وخصوصية كل مكون من مكونات الشعب ولكن ان يوجد علم لهذا المكون او ذاك الى جانب العلم “الوطني” فذاك ما لا يحمد عقباه . رفقا بهذا البلد وشعبه.
********
لم يتحقق أي من الوعود التي ساقها دعاة الديمقراطية, من حيث حياة الرفاهية والعيش الرغد, فلم يعد المواطن آمنا في بيته أو في الطريق, ربما تحسن الراتب لكن ارتفاع الأسعار قضى على تلك الزيادة, الراتب بالكاد يفي بالسلع الأساسية, ارتفاع الأسعار عزاه الوزير الأول المكلف تشكيل حكومة الطوارئ, بأنه ناتج عن تدهور سعر صرف الدينار أمام عملات دول الجوار, لماذا لا تقم الدولة باستيراد السلع عبر القنوات الرسمية بالدولار لأن دخل الدولة من بيع النفط هو الدولار للمحافظة على ثبات الأسعار,الطوابير تشاهد في كل أرجاء العاصمة, بدءا من الحصول على رغيف الخبز الذي زادت قيمته, مرورا بطوابير الحصول الوقود واسطوانات غاز الطهي,انتهاء بطوابير مغادرة الوطن,حيث لم يعد المقام يطيب للعديد من أبناء الوطن وخاصة تلك المناطق المنكوبة.
الأحداث لا تزال مستمرة وان بخطى بطيئة,ألقت بظلالها على المشهد الحياتي للسكان,عديد المناطق لا تزال مهجورة,مبان سويت بالأرض وأخرى أفرغت من محتوياتها, بل أصبحت تلك البيوتات ثلاجات لموتى الحرب,يبدو أن الذين لم يقوموا بعملية الدفن يفتقرون إلى القيام بعمليات التحنيط,ليتم توزيعها على كليات الطب بالبلد فلم نعد في حاجة إلى استيراد الجثث من الخارج,خاصة وان الجثث تخص أناس, اسماهم المفتي, دام ظله , بأنهم بغاة طغاة فأهدر دمهم,فكانت أعداد القتلى جد مرتفعة, تلبية لدعوات المفتي, لينعم القتلة بالجنان وحور العين.
كان النظام السابق يدعو الليبيين إلى مغادرة الوطن والاستثمار في إفريقيا, ذهب البعض من أصحاب رؤوس الأموال وآخرون تحصلوا على قروض من الدولة بشروط ميسرة, اليوم, يغادر الوطن من لا رأسمال له,لأنه يخاف على نفسه,حتى أولئك الذين رأسمالهم الوطن, لم يحتملوا البقاء.لقد جاوز الظالمون المدى, فر بجلده لينضم إلى مئات آلاف المهجرين في الشتات, قد يطول بهم البقاء, ذلك رهن بالمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.
بلد بحكومتين وأخرى بالظل وبرلمانين وجيشين وعاصمتين, يعترف العالم بإحداها وهي التي اوصلها الى الوطن على ظهر فرقاطة ايطالية,وهي تمتلك من الثروة والقوة ورباطة الجأش ما يجعلها تقف بكل صلابة في وجه الآخرين,الثروة والقوة كفيلتان بتسوية الأمور, فالغرب لا تهمه الأرواح التي أزهقت, والمباني التي دمرت, بل يسيل لعابه للمال ويقف مع الذي يدفع أكثر, ربما كانت أعمال التدمير الأخيرة من تخطيط الغرب ليتم إعمار البلد على أسس “صحيحة”, وتكون طرابلس أشبه بهونغ كونغ بدلا من دبي التي حلم الليبيون ولعدة سنين بان تكون عاصمتهم مثيلا لها.
هذه ليبيا اليوم بعد ست سنوات ونيف من سقوط النظام, أين تذهب عوائد النفط؟ للحكومة الشرعية بالبيضاء أم الحكومة المشرعنة بقانون القوة بطرابلس؟, أين ذهبت المليارات المجمدة والمجنبة؟ هل سيكون هناك أكثر من بنك مركزي؟ وهل سيبقى الدينار عملة رسمية من قبل الحكومتين, أم انه ستكون هناك دولتان على غرار السودان وكوريا؟, ليبيا اليوم هي “الدولة الإسلامية” النواة في شمال إفريقيا وتكون خيراتها لكافة مجرمي المنطقة. وليذهب الليبيون إلى الجحيم.
كنا نخاف على ليبيا من برقة, فإذا برقة تسع الوطن بأكمله, تحضن الشرفاء وتكشف الانعزاليين ضعاف النفوس,الساعون إلى تحقيق مصالحهم الشخصية على حساب وحدة الوطن المتشبثون بالسلطة تشبثهم بالحياة, يتساوى في نظرهم البشر والشجر والحجر, صواريخهم المحرمة دوليا لم تفرق بين المكونات الثلاث للطبيعة, فكانت هدفا للمجرمين, اختلطت العناصر الثلاث, علها تصير يوما ما, بترولا يستفيد منه البغاة الطغاة الغزاة.