حول الأزهر وقانون الأحوال الشخصية الأخير

رياض حسن محرم
2019 / 11 / 16

مرت قوانين الأحوال الشخصية فى مصر بتغيرّات موسمية ارتبطت بشكل ظاهر باسم زوجات رؤساء الجمهورية السابقين، قانون عرف باسم "قانون جيهان" وآخر ارتبط باسم السيدة سوزان زوجة الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولا يجب أن يعمينا الخلاف السياسى مع السادات أو مبارك من رؤية مسائل إيجابية مهمة فى تلك القوانين على رأسها ما تضمنه القانون المعروف باسم السيدة جيهان السادات اختصارا بانه فى حال الطلاق فإن "الشقة من حق الزوجة" والزام الزوج والمأذون بابلاغ الزوجة عن الزواج الثانى وأجاز للمرأة طلب الطلاق من زوجها إذا عقد قرانه على امرأة ثانية وغيرها من الأمور، وفيما عرف بقانون "سوزان" في العام 2000 فإنه قد أُقِرّ "قانون الخلع" الذي يُشكّل أحد جوانب الإصلاح الأوسع نطاقاً في قانون الأحوال الشخصية المصري. فقد أجاز للمرأة أن تطلّق نفسها من دون أن تكون لدى الزوج عيوب أو من دون أن تصدر منه إساءة إليها، في حين أنه كان يحقّ للزوج فقط في السابق أن يتقدّم بطلب طلاق من دون ذكر الأسباب التي تستوجب انفصاله عن زوجته.
رغم أن الأفق السياسى فى مصر مغلق حاليا والحريات الفردية والعامة مصادرة، ولا توجد أى فرصة للخلاف فى وجهات النظر فى المسائل السياسية ولكن فى المواضيع الإجتماعية فما زال الباب مواربا، ومنها ذلك القانون "المثير للجدل" حول قصايا أحوال المرأة والطفل المتعلق بموضوعات الزواج والطلاق والميراث، المعروف باسم قانون الأحوال الشخصية، تلك المعركة التى يتصدرها الأزهر الشريف زاعما أنه المسؤول الأول عن كل ماله صلة بتلك القوانين باعتبارها من صلب الدين كما نص عليه دستور 2014، وفى ذلك يحاول الأزهر تأكيد موقعه المتصدِّر، محوِّلاً النقاش من الحديث عن مضمون الإصلاحات إلى الحديث عن السلطة القانونية والدينية والإجتماعية التى يملك منها الكثير على مستوى المجتمع. ولاتقتصر النتيجة على تحوّل الشأن الشخصي إلى شأن سياسي، بل تحوّل الشأن الإجرائي أيضاً إلى شأن سياسي.
وكثيرا ما تثير أى محاولة للإقتراب من قضايا لها بعد دينى كالعلاقات الزوجية نوع مبالغ فيه من الحساسية يستغل فيه الإسلامويون العاطفة الدينية الشعبية المتجذرة فى الشارع فى الطعن على كل محاولات التفسير أو التأويل أو التحديث لتلك الرؤى المستمدة من أشد الفتاوى الدينية انغلاقا وتزمتا، بأنها تغيير ما هو مستقر من الدين، أوليس مجرد طرح توثيق الطلاق الشفهى قد قوبلت بموجة حادة وجارحة من الرفض من تلك الهيأة "الأزهر" ولم يملك السيسى الاّ التراجع عن هذا الطرح مؤثرا السلامة، علما بأنه منذ أكثر من قرن بدأت فى مصر نهضة فكرية تنويرية قادتها قامات سامقة ابتداءا من الطهطاوى فمحمد عبده وقاسم أمين فهدى شعراوى وسيزا نبراوى وغيرهم الكثير، وللعلم أيضا أنه تم تقنين منع تعدد الزوجات فى تونس منذ خمسينات القرن الماضى وسط مباركة علماء ومشايخ الزيتونة.
لقد نصّ أحد البنود في دستور 2012 "المعروف بدستور الإخوان"على وجوب استشارة الأزهر في المسائل المتعلقة بالشريعة الإسلامية، وقد حقّقوا مبتغاهم من خلال الدستور الحالي الذي أُقِرّ في العام 2014 وفيه تعهّدٌ بمنح الأزهر استقلالية ذاتية وحصّن منصب شيخ الأزهر، ووصفَ مؤسسة الأزهر بكلامٍ مبهم جاء فيه أنها المرجع الأساسي "في علوم الدين والشؤون الإسلامية"، وذلك فى اطار صفقة يوافق فيها ممثلى الأزهر على باقى مواد الدستور وذلك لتمريرها على المستوى الشعبى، وبناء على ما تقدم فقد تابعت هيئة كبار علماء الأزهرالنقاش بشأن قانون الأحوال الشخصية وأبدى خشيته من أن تفسيرات التعاليم الإسلامية هي تفسيرات هاوية وغير منضبطة، وقرّر الخوض بنفسه بتقديم اقتراحه الخاص. ونتيجةً لهذا القراركان وقوع الخيار على هيئة كبار العلماء لتكليفها بهذه المهمة، مؤشراً ذا أهمية، فالأزهر يضم فقهاء أفراداً ومركزاً بحثياً كان بإمكانهم أن يؤدّوا ذلك الدور، لكن غالب الظن أن قيادة الأزهر أرادت، من خلال إسناد هذا الدور إلى الهيئة، أن تُلقي بثقلها المعنوي كاملاً في هذه المسألة، بذلك تكون مؤسسة الأزهر قد ولجت الى المقايضة مع السلطة السياسية حول مكانتها الإجتماعية ردا على ذلك الحوار العلنى فى نفس التوقيت تقريبا من العام الماضى "ذكرى المولد النبوى الشريف" الذى أدى الى تبادل الخلاف بين السيسى والطيب على الهواء، ما دعا الشيخ الطيب الى الإحتجاج بالإعتكاف بمسقط رأسه فى القرنة بالأقصر.
وقد إدعت مؤسسة الأزهر إنها أعدت مشروعا متكاملا لقانون الأحوال الشخصية في مصر، من خلال هيئة كبار العلماء، استعانت فيه بذوي الاختصاص والمهتمين بقضايا المرأة والطفل والأسرة نتيجة أن القانون الوارد اليها من المجلس تشوبه عشرات العيوب لكتابته من غير متخصصين، وقد تعرض مشروع الأزهر لانتقادات شديدة من جانب بعض أعضاء البرلمان والناشطين المهتمين بالحقوق السياسية والاجتماعية، باعتبار أن الأزهر تجاوز دوره في طرح مشاريع قوانين، بما يعد تدخلا في عمل المشرعين والمختصين، ويحول البلاد إلى دولة دينية، كما أن دور الأزهر في مراجعة القوانين المعروضة عليه هو دور استشاري "غير ملزم" وفقا لبعض الآراء الإجتهادية، علما بأن اللجنة الدينية في البرلمان هى من قامت بتحويل هذا المشروع إلى مؤسسة الأزهربنفسها لاستطلاع الرأي الشرعي فيه، ذلك لأنه يتعلق بمسائل دينية تخص الزواج والنفقة على الزوجة والطلاق وغيرها، وهو ما يعتبر شأن دينى بحت.
نحن إذن أمام موقف بالغ الحرج ذلك لأن مشروع القانون المقدم من الأزهر يأتي من هيئة دينية تستند إلى أمور "قطعية الثبوت والدلالة"، تتعلق بالقرآن والسنة المؤكدة، وأن أغلب قضايا الزواج لا تخرج عن هذا الإطار، وصاغته أعلى هيئة علمية بمشيخة الأزهر، "فما علاقة أعضاء من المجلس حتى لو كان بينهم متخصصون" فى أشياء هى من صميم الدين وهيئة كبار العلماء ودار الإفتاء التى أنشأت السلطة لها أكشاكا لإفتاء المواطنيين بأمور دينهم فى محطات المترو، لقد ربت السلطة الثعبان فى ثنايا جلبابها، فلا تمتعض إذا قام بعضها، أليس كذلك.. السلام عليكم.