العمالة غير المنتظمة: تهميش قيمة العمل والإنسان

عصام شعبان حسن
2019 / 11 / 16

تشكل ظاهرة اتساع العمالة غير المنتظمة كنمط من أنماط العمل، أحد محددات حالة الاقتصاد، فهي تؤشر على عدم قدرته على استيعاب العمالة، وإخفاق السياسات الاقتصادية في خلق فرص توظيف مستقرة نسبيا، ذات ظروف عادلة، بالإضافة إلى أن انخفاض الطلب على العمالة في القطاعين العام والخاص، يعني زيادة جيش العاطلين، مما يقلل من عدالة ظروف وشروط العمل، فتزيد ساعات عمل المشتغلين وتقل أجورهم عما يستحقونه فعليا، وإذا اعترضوا، يتم تهديدهم بالتخلص منهم، استنادا إلى تعطش السوق لفرص العمل، ووجود جيش المتعطلين، وبالتالي يوسع ذلك ظاهرة العمل الهامشي والعمالة غير المنتظمة.

تكشف الظاهرة جانباً من الأوضاع الاجتماعية والطبقية لجزء كبير من قوة العمل، دخلها منخفض، ومتذبذب أيضا، مما يفقدها القدرة على التخطيط والادخار، ينتقل أفرادها من مهن لأخرى، ويرتحلون ربما تباعا لسوق العمل، ينتج ذلك افتقاد الأمن والإشباع الوظيفي، كما يكرس مشكلة الفقر، بل إننا يمكننا القول إن الأغلبية من الفقراء هم من العمالة الهامشية وغير المنتظمة، يعمق ذلك بالتبعية الفروق الطبقية والاجتماعية، ويمثل العمل أحد مسببات حدوث حراكا اجتماعيا تنازليا أو تصاعديا.

تفتقر العمالة غير المنتظمة إلى فرص الوصول للخدمات بسبب ارتفاع أسعارها، كما يشكل اتساع ظاهرة العمالة الهامشية احتمالات متزايدة على اندلاع التوترات الاجتماعية، نتاج تراكم الشعور بافتقاد الأمن الاقتصادي والاجتماعي والشعور بالظلم والضعف، نظرا لهشاشة وسوء ظروف العمل، وصعوبة نمط الحياة لهذه الفئات من العمال، والتي تكون مرشحة للمشاركة في الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، خاصة أن جزءاً منهم من خريجي الجامعات.

اتساع الشعور بالاغتراب، وتنامي الإحساس بالحرمان النسبي ومقارنة العمال أنفسهم بفئات اجتماعية أخرى، أمر طبيعي، والإحساس بالخوف الدائم من تلبية احتياجات اليوم التالي لعائل أسرة أمر متكرر، خصوصاً لو فاقت الأعباء الدخل، كثير منهم يشعرون بالهشاشة والضعف وربما الانكسار وقلة الحيلة من مجمل ما يحيط بهم من ظروف.

وكثير منهم دائم التنقل، غير مستقر ماليا ولا وظيفيا، ولا يشعر بالانتماء لمحيط عمل، لا يقدر المجتمع عمله غالبا، ولا يشعرون بمردود عملهم، وربما يقابلون مجتمعيا بالرفض، وهم غالبا موضع شك من السلطات، التي تراهم مشاريع مجرمين أو أشقياء، أو قنبلة موقوتة.

حجم الظاهرة وأهم القطاعات:

تواجه مسألة حصر وتعداد العمالة غير المنتظمة صعوبات متعددة، منها أن الدول والأجهزة المعنية ظلت لفترات طويلة غير مهتمة بحصرهم، وكذلك تعتبر أن عدم إمكانية حصرهم من خلال الآليات المستخدمة مع العمالة المنتظمة، تحدياً آخر، نظرا لطبيعة عملهم غير المنتظمة وتنقّل بعضها من مكان إلى آخر، واتساع نطاقها.

ويقف البعد الاقتصادي المرتبط بجدوى وهدف الحصر سببا آخر، فهم غالبا ليسوا محل اهتمام الدول، نظرا لأنها لا تستطيع تحصيل ضرائب مباشرة منهم، هذا لا يلغي أن قطاعاتها تدفع ضرائب غير مباشرة عن طريق استهلاك الخدمات والسلع، حتى وإن كان استهلاكها محدوداً، بينما تستقطع من العمالة المنظمة ضرائب كسب العمل شهريا، حتى لو كانت أجورها منخفضة أحيانا عن بعض العاملين في القطاعات غير المنظمة.

رصد صورة دقيقة عن العمالة غير المنتظمة، مفيد للدول التي تريد توظيف مواردها البشرية، وتسعى إلى تطويرها، بعكس الدول التي تنظر إلى مواطنيها بوصفهم عبء.

أرقام ومؤشرات

حسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء في مصر عام 2018، تبلغ قوة العمل في البلاد 28 مليونا و865 ألفاً، يعمل منهم 26 مليونا و21 ألف مشتغل، يتوزعون على القطاعين العام والخاص، يعمل بالقطاع العام وقطاع الأعمال نحو 22.1% من إجمالي العاملين، بينما يعمل في القطاع الخاص داخل منشآت نحو 31.5%، ويعمل ما يزيد على 46% من العاملين بالقطاع الخاص خارج منشئات.

ويمكن من خلال قراءة التقديرات الرسمية لتوزيع العمالة على القطاعات المختلفة، تلمس أوضاع العمالة غير المنتظمة والتي تشمل طيفاً واسعاً من الأعمال، يشكل عمال الزراعة والصيد وقطع الأخشاب الأغلبية (21% من حجم المشتغلين) ويضم هذا القطاع عمال التراحيل والأجراء، وتتصف أعمالهم بطابع موسمي، وكذلك يندرج صغار بائعي الخضروات والفاكهة، غير الحائزين على ملكية زراعية أو منافذ بيع مستقرة، ويندرج معهم عمال قطاع تربية الماشية والدواجن تحت العمالة غير المنتظمة، ويدخل مالكي الرقع الزراعية المحدودة، والمستأجرين الصغار بغرض الإنتاج، الذى يتم استهلاك معظمه عائليا، في إطار العمالة غير المنتظمة، بالإضافة إلى قطاعات تعمل في مجال الصيد والملاحة.

وهناك قطاعات من العمالة تعمل لصالحها أو لحساب الآخرين، برأس مال محدود، ربما يكون متناهي الصغر، وهؤلاء يقومون غالبا ببيع سلع بسيطة رخيصة الثمن، لها طابع استهلاكي سريع، أغلبهم بائعون جائلون، أو يعملون من خلال الأسواق الأسبوعية، ويقدر عدد العاملين في قطاع الغذاء والإقامة 3.1% من المشتغلين.

بالإضافة إلى هؤلاء، هناك عمال وعاملات المنازل وهم حسب تقديرات رسمية أقل من 1% من إجمالي العاملين، بينما يحتل عمال قطاع المقاولات على تنوعهم المرتبة الثانية في العمالة غير المنتظمة بعد عمال الزراعة، ويشمل القطاع عمال التشييد والبناء والنجارة والأخشاب، وأعمال الخرسانة، ويقدرون بنحو 14.1% من أجمالي المشتغلين.

وتقدر الأرقام والجهات الرسمية المصرية، جهاز الإحصاء، وزارة القوى العاملة، اتحاد العمال، عدد العمالة غير المنتظمة بحوالي 15 مليون عامل، سجلت الحكومة منهم 5.2 ملايين عامل وعاملة منذ فبراير 2018.

عن أسباب الظاهرة

انضم إلى العمالة غير المنتظمة، قسم من خريجي الجامعات، إلى جانب قطاع من غير المتعلمين، والحاصلين على تعليم متوسط. كانت دولة ما بعد الاستقلال في مصر وتونس وغيرها من البلدان العربية، تتوسع في خطط التعليم في تجاور مع خطط طموحة للإنتاج، عبر إقامة المنشآت الإنتاجية الصناعية خصوصا، تعطلت أغلبها وخربت أو تم الاستيلاء عليها في موجة الخصخصة، والنهب المقنع بمسميات التحرير والإصلاح الاقتصادي.

قلل ذلك من فرص العمل، وأنتج أزمة للدولة لناحية إمكانياتها في توفير السلع والخدمات، توسع دور ومشاركة القطاع الخاص، والذي يعتمد على منهجية تحقيق أعلى ربح بغض النظر عن احتياجات المجتمع من السلع والخدمات.

وفي ظل غياب خطط لتوجيه الاقتصاد، وأنشطة القطاع الخاص، قلّ التوجه نحو التصنيع والإنتاج لصالح قانون الربح السريع، وتوسعت قطاعات المقاولات والاستيراد والتجارة، أغلب العمالة فيها غير منتظمة، واستمر الخلل الهيكلي في الاقتصاد المصري وإهمال التصنيع والإنتاج، وأحدث ذلك أزمة في توفير الخدمات والسلع وفرص العمل.

استفادت الدولة والقطاع الخاص من طوابير العاطلين لتفرض ظروف وشروط عمل قاسية من حيث الأجر، وتوسعت العقود والوظائف المؤقتة بأجور ضعيفة، مما دفع بملايين من قوة العمل إلى الاندماج في أعمال غير منتظمة وهامشية، خاصة مع تراجع قطاع الزراعة، وزيادة الهجرة الداخلية للمدن الكبرى، والاعتماد على الاستيراد، وبالتالي تنامي قطاع التجارة، وتفكك الإنتاج الحرفي والورش المحلية.

تنامي قطاع الخدمات، وخدمة العملاء، السائقين، عمال المقاولات، العمال الجائلين، بهذه الطريقة يوسع سوق العمالة غير المنتظمة والهامشية، ويهدد باستمراره هدر الطاقات البشرية وفرص تطويرها وتوظيفها في مشروع وطني لم تتحقق شروطه بعد.