عن أبطال التغيير العربي وبطلاته

عصام شعبان حسن
2019 / 11 / 16

مشهد لافت، هذا الفيض من البطولات الذي نشاهده بشكل مباشر، خلال يوميات تتراكم لتصنع فصولا متلاحقة من الحراك الاحتجاجي في الوطن العربي وبلدان أخرى. كنا نقرأ أو تُحكى لنا حكايات الأبطال البواسل، الفدائيين في مصر وفلسطين، والمجاهدين في الجزائر والمقاومة في لبنان، وغيرها من وقائع تاريخية، أبطالها مناضلون، نخب سياسية وأبطال شعبيون يواجهون قوى الاستعمار والنظم الديكتاتورية، أصبحوا رموزا تدرّس، تتناولها الروايات وقصائد الشعر والسير الذاتية، فضلا عن كتب التاريخ. اليوم نشاهد البطولات بشكل مباشر عبر وسائل الإعلام، والتلفاز، ووسائل أخرى تفاعلية في الفضاء الإلكتروني، ذلك كله جعل المتابعين شركاء ومتفاعلين.

يتمرّد الوطن العربي، يحتج ويتظاهر ويثور، فصلاً جديداَ من التاريخ العربي، بل والعالمي، يرسم بالشعارات والمطالب والهتافات والأفكار والتضحيات، يقود المشهد أبطال التغيير وبطلاته. البطولة هنا تتخذ أشكالا عديدة، بطولة تتعلق بالقدرة على الفعل والجسارة في المواجهة، مواجهة قوى القمع، مؤامرات الطبقات الحاكمة وألاعيبها، وعنفها الأكثر حدّة، والمكثف في لحظة الانتفاضة، تستخدم كل ما تملكه من ترسانات أمن، وكتائب دعائية، ومغالطات سياسية ومنطقية. نخب سلطة تتخذ مواقف ما بين بين لهدم الهمم، حفاظا على بقاء النظم، إما لمصلحةٍ تجنيها أو خوفا من تبعات التغيير.
القدرة على التنظيم وتطوير الحراك، واستيعاب خبرات الانتفاضات السابقة، ملمح من البطولات المتعدّدة، وهناك بطولة تتعلق بجسارة اتخاذ مواقف فكرية، ورفع شعارات جريئة ومتطوّرة.

التمرد والانسلاخ من الأفكار التقليدية، والانتماءات الأولية، الطائفية والجهوية، والأفكار الدينية التي تحمى السلطة، يمثلان شجاعة أيضا، خصوصا في لبنان والعراق والسودان. لا يقل تطور الوعي وحراك الأفكار وأهميتها عن حراك الكتل الجماهيرية في الميادين، بل شكّل هذا الوعي جزءا من أسس الحراك، بجانب أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، الوعي الجمعي للمنتفضين يقف مضادًّا للأفكار المتوارثة التي استخدمت لخدمة السلطوية، وبقاء النظم واستقرارها، على الرغم من فشلها الذريع.

بطولة مواجهة القمع، قنابل الغاز المسيل للدموع، وقنابل الصوت والرصاص الحي، ملمح آخر من البطولة، يخرج من بين المتظاهرين شباب وفتية محترفون في صيد قنابل غاز قوات الأمن، خبراء في إبطال مفعولها، أو ردّها على من أطلقها، يخترقون الساحات، يستعيدونها بأجسادهم ممّن حاصرها، مشهد متكرّر في انتفاضة العراق، شهدته ثورتا مصر وتونس. في العراق، تحول التوكتوك إلى سيارات نقل المتظاهرين وإسعافهم. يواجه سائقو التوكتوك هجوم قوات الأمن عند نقلهم الجرحى من المتظاهرين، كانت "الدراجات النارية في مصر" تلعب الدور نفسه ببسالة في ثورة يناير. وفي حراك سبتمبر، كان قادة الدراجات النارية محل استهداف، لأنهم قادرون على الكر والفر والتجمع للتظاهر، أو الفرار من الملاحقة. أكثر من أغنية رائجة في العراق تحيي شباب "التوكتوك"، يغنى العراقيون للتوكتوك وشبابه، ويصوّرونه بالدبابة. أبناء الفقراء هنا، بشهامتهم المعهودة وانتمائهم للأرض ولطبقتهم، ينشطون في الحراك، بل يتقدّمون الصفوف، يفرضون أنفسهم ووجودهم وبطولاتهم، ويشكّكون في مقولات مكرّرة أن حراك الشعوب أغلبه من الطبقة الوسطى. يتخذ بعض الشباب العراقي بناية عالية في ساحة التحرير، كبرج مراقبة واستطلاع لمعرفة اتجاه هجوم قوات الأمن، كما يصوّرون من أعلاه الاحتجاجات، ويعيدون بثها. على جدرانه لافتاتٌ بمطالب الحراك، وكأنها جدارية قديمة. في وقت سابق، كانت قوات الأمن تطلق قنابلها ورصاصها على المتظاهرين، من فوق سطح هذا المبنى.

يسمي متظاهرو ساحة التحرير في بغداد المبنى "جبل أحد". يربطون قدرتهم على الانتصار وتحقيق مطالبهم بالصمود في الساحة. يتحدّون حظر التجول. وحين أغلق جسر الجمهورية الموصل إلى ساحة التحرير تسلّقوه، كان واحد منهم، في مشهد بطولي، يحمل جريحا فوق ظهره، وتسلّق به أعمدة الجسر المعدنية، لكي ينقذه. هل من مقاربةٍ مع عبور المتظاهرين السودانيين النيل الأزرق من كبري الحديد (الجامعة) إلى ساحات الاعتصام، والشيء بالشيء يذكر، مرور المتظاهرين المصريين في ثورة يناير من الجيزة إلى ميدان التحرير.. أي شجاعة تلك، وأي تضامن يوجد كالذي يولد في ساحات الاحتجاج.

أحد مظاهر البطولة أيضا هذا الصبر والجلد والروح المقاومة في احتجاجات الموجة الثانية وطول نفسها. على الرغم من المصاعب والشدائد، إلا أن العراقيين أصحاب حضارات، اعتادوا تحدّي الصعاب والمشقّة، ويعرفون طول المسيرات. وعرف السودانيون الزراعة والرعي، وتربية الأمل وصنع الانتفاضات. ولكليهم رواسب ثقافية، تجعل طول النفس والصبر والتضحية أمورا لا غرابة فيها. اللبناني المرح والمقاوم يقاوم اليوم في الساحات ليتحرّر. ذلك كله يجعل الثورة صامدة مقاومة ومبهجة، ودافعة إلى الفخر، يتحصّن فيها المحتجون بوجودهم جنبا إلى جنب، ويظهر التضامن بأقصى درجةٍ ممكنة.
حسب أكسيل هوينث، أحد رواد الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت، تنطلق بعض الفئات إلى
لاحتجاج، والمشاركة في الحركات الاجتماعية من مطلب "الاعتراف"، يتمرّد بعضهم للحصول على الاعتراف الاجتماعي، مقاومة المظالم والاستبعاد شرطا للوجود والتغيير، الدوافع المعنوية والحاجة للاعتراف والتقدير، والشعور بالمكانة التي يستحقها المواطن، تشتبك مع الدوافع الاقتصادية والاجتماعية، في احتجاجات الموجة الثانية للانتفاضات العربية. الاعتراف بحقوق المحتجين، خصوصا المفقرين والمستبعدين اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، دافع للاحتجاج. الشعوب تحتج لتثبت وجودها وحقوقها أمام نظم أنكرتها.

بطولة أخرى سجّلها المحتجون في العراق ولبنان، وقبلهم السودان. حين فض الاعتصام في الخرطوم أمام مقر القيادة العامة للجيش، أثبتوا القدرة على التنظيم، معاودة الحراك بقوة، ملء الساحات بعد محاولات فضّها، الإصرار على النصر، على الرغم من طول أيام الاعتصام والتظاهر، تعنّت السلطة يقابله إصرار المحتجين الذين يشعلون المقاومة سلميا ومدنيا. وغالبا لا يمارسون العنف إلا دفاعا عن أنفسهم ضد من يحاول قتلهم. هذه الشعوب لا تحرّكها مؤامرات ولا سفارات، ولن تهزم انتفاضتهم، فالانتفاضة، في حد ذاتها، أولى خطوات النصر، وفيها تنتصر الشعوب لذاتها، لوجودها وفاعليتها وحقها في التعبير، وإذا انكسرت تعاود النهوض.

مظاهر الفرح والأمل وأنواع الفنون في الساحات ضمن ثقافة المقاومة والبطولة، من يرسمون على الجدران، أو يكتبون الشعارات والشعر، من يغنّون للثورة ويتغنون بها، يشكلون درعا واقيا من الإحباط. أي فخر نشعر به، نحن العرب، ونحن نشاهد ونتابع موجة جديدة، تثبت أننا أحياء لنا كرامة، وأن أحلامنا ممكنة، نستعيد حريتنا ومساحاتنا وأوطننا، أو كما يقول العراقيون: نبحث عن مستقبل، ونريد وطناً.

10 نوفمبر 2019