صرخة جريح عاد إلى مثواه.. الشاعر، الناقد عبد الخالق كيطان في - زمن الأقنعة والتلاشي - الحلقة الخامسة من قصيدته الطويلة، الملحمية الأحزان -يوميات فاتك الطويل- في بؤرة ضوء

فاطمة الفلاحي
2019 / 11 / 10

• كان عمر الحب بينهما قصيرًا كطول قامة القزم
لانعرف سرَ ذاك الحب المسعورة في قلب الغانية ..
تفترش رصيف حبهما وتقيد النار على أعتاب دارها
تتقارب النار على الإنطفاء ولم يتخاطر معها ..
فيفزع قلبها من صوت الرماد المتناثر حد كل تفاصيلها
تذبل وحيدة وتموت على دين عشقه.

٣٤.
ترك القزم الغانية في القرية واختفى كلمح بالبصر
عاد إلى مدينته، ذلك ما عرفناه لاحقًا
إلا أن الغانية قضت أيامها بالحسرة
لقد عشقت القزم الذي هجرها
عشقته حد أنها أمضت الليالي تعد النار على باب منزلها عله يعود.
عبثًا
لقد عاد إلى مثواه
فما كان منها إلا أن تذبل بصمت
ثم تموت وحيدة.
ماذا فعل لها القزم حتى اصطاد حياتها هكذا؟


• إلى شاهقة نومه ، إلى غرفته التي لا أنيس فيها سوى كتابه الثمين ..
إلى صمته الذي يخطرنا بأن هناك قصص، الواحدة فيها لا تتلاشى على شفير إنتهاء ..
٣٥.
صمت القزم طويلًا قبل أن يشعل نارًا
وضع الكتاب الثمين جانبًا
وتعرى
مرت في رأسه قصص طوال
تبدأ الواحدة منها ولا تنتهي..
غرق في النوم.


• خيول من بشر وكواسر الأحزان تحوم حول تلك الأجساد ..
تمضي العربات نحو ظل حياة لا يدركهم
سوى موت الاحتمالات
وفي العرين يزأر ...

٣٦.
يسمع من بعيد أصوات العربات
لا تجرها الخيول هذه المرة
بل رجال ضخام شبه عراة
فوقهم تحوم الكواسر
وحامل السيف في عرينه يزأر


• جاءت أزمنة غير تلك، تحمل كل المتغيرات ، فعَلِقَ غبارها في أزمنة الملح ورماد الأرواح
ثُقبت أزرار بنادقه الملونة وشدها إلى وتد شهود النسيان
وحين بلغت جرائه أرذل الألم أصابتها الخيبة

٣٧.
ثم جاءت أزمنة استبدلت فيها السيوف بالسياط
والسياط بالبنادق
والبنادق بأزرار ملونة
وفي كل زمن تعجب السماء أكثر
هل هذا هو مصير جرائي؟
يا للخيبة

• لم ينزع عن جلده رائحة الغانية ولا تصببات عرقه حين غفوة ثقيلة
لم يسرق نظرة ولاحتى على ظل كتابه
ولم يبعد فكرة حرق ذاته بعد إستفاقة

٣٨.
عندما استفاق القزم ونهض
لم ير أمامه غير النار
سار لها بقدمين متورمتين وقلب ثابت
لم يستدر جهة الكتاب
بل ألقى بنفسه إلى النار.

• كل ما كتبه فاتك الطويل، وكلُ منا هنا عاشه، لم يكن لأحد سواه، خبيئة تلك المنابر التي تصدح عليه أن يكون هو النذر المرتقب.. فكانت شرارة تلك الجملة في حياة القزم.

٣٩.
ظل الكتاب مفتوحًا في منتصفه
لقد كانت جملة واحدة كفيلة بإنهاء حياة القزم:
لا نذر هنا سواك.

• ظلت مجمرة القزم تشي بأن هناك فاتك سيمر من هنا ويمتلك سر تلك المخطوطة باحثًا عن وطن يليق به، يشعل نار فجره بكلهم، ولم يدعها تنطفئ وهي تصرخ هل من مزيد؟ ..
ثم أشعل فجره ومضى يغازل عاشقة أثملها هيلمانه

٤٠.
بقي مخطوط #يوميات_فاتك_الطويل جوار النار
هذه النار التي لا تريد أن تنطفئ
ابتلعت الرجال والنساء والأطفال ولم تنطفئ
بقيت والكتاب شاهدان ناطقان
من هنا مرّ ألف فاتك
ولكن رجلًا واحدًا فقط
امتلك سر المخطوط
ولم يفعل أكثر من التعجيل بنهايته الشخصية.
كل الذين مروا أمام جمرة القزم
حسبوها صرخة جريح لا أكثر
فكانوا يتكدسون من الألم ظنًا منهم أن فاتكًا جديدًا في الطريق إليهم.

• صغيرة حين تقع بشباك من يتقنون سرقة دمعتها، وردم نهر النقاء النامي تحت جناح تلكم الحمامة ...!

٤١.
أوه أيتها الحمامة
كم أنت صغيرة على هذه القصص.


• * * * *
قد يكون الشكر قليلًا جدًا بحق الأديب الرائع عبد الخالق كيطان ، وهو يمنحني حق المرور على ملحمته الجميلة رغم توجعاتها وحدة ألمها فقد تناول فيها حيوات كل الحكومات وسياساتها العقيمة ..
كتبها في سيدني
أواخر ٢٠١٩