حين تصنع وحيدة المي من الخراب مجد الفكرة والنص

نائلة الشقراوي
2019 / 11 / 8

وأنا أكتب ملاحظاتي على هوامش نوة الصادرة عن الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم للروائية وحيدة المي ،ضاق بي المكان وصار البياض المتبقي من السطور غير قادر على استيعاب المفاتيح التي ادونها للتحليل لاحقا ،ففي كل صفحة فكرة تستدعي افكارا أخرى تندس بوضوح بين حيثيات السرد ورموزه الكثيفة،استغربت كيف سقطت الرواية من عيون لجان الجوائز العربية (حصلت على جائزة الكريديف)، ولكن لا غرابة فنوة نفسها ساقطة من عيون مجتمع ظالم يرسم ملامح الإنسانية و واقعها وتاريخها وفق مدى رؤية عيونه الضيقة وعلى قول الناقد مراد ساسي المجد للنص ونص نوة يحفر عميقا ليقوض مفاهيمنا لاحتياجات المرأة، للحياة، للإنسانية التي تبني مجدها على الزيف وتقنن له .
نوة لغة هي الريح اذا هبت بقوة ، والريح إذا جاءت بعنف تترك خلفها خرابا . نوة الجسد المتدلي من عناقيد الفقر في الظاهر شخصية متعلمة ثائرة على العرف والمجتمع أرادت الروائية ان تعكس من خلالها صورة المرأة في مرآة مشروخة قصدا لتقدم الواقع النسوي كما هو ،نحن نزيف الحقائق ندعي المدنية ونتشدق بحقوق اعطت للمرأة من الزيف الكثير دون أن تهيء الأرضية المناسبة لها لتعيش اولا انسانيتها في مجتمع ذكوري لا تعنيه القوانين الوضعية حين يمارس جرائمه ضد المرأة جسدا وعقلا و وجودا .لنبدأ من حيث يجب علينا ان نبدأ جملة قذفتها عقيلة المعلمة ثم انطلقت في عدوها عارية في لحظة يراها البعض جنونا ولكنها في الواقع هي اللحظة الفارقة التي تتخلص فيها الماهية من السواتر والحواجب وكل القيود التي تمنع الوصول الى الحقيقة لحظة البدء التي بنيت على العري على الوعي بأننا لسنا سوى طين ملوث شكل الجسد واول جريمة كانت متصلة به فلمَ نتنصل اليوم من تداعيات الجريمة رغم انها مازالت بنا ومازلنا نرتكبها! بدعوى تواصل النسل أو كضرورة وطبيعة غير مبالين بإنسانية الطرف المقابل وحقه في معاملة تخضع بالضرورة لمبدأ المساواة في الإنسانية .القدر الذي هيأ لنوة أسباب الحصول على حياة أفضل تتعلم فيها وتتخلص من الفقر لم يكن هو نفسه الذي رتب لها الخروج من جنتها الصغيرة ،الخالة زنيخة تخلت عنها ،ومشغلها اطردها من العمل لتتعرى من جديد.وتبدأ رحلة السقوط التي يعود تاريخها الى الطفولة يوم صمتت على اغتصاب الأعور لبراءتها غير مبال بحرمة الدم.كل شيء صار خرابا مع تخلي نوار عنها ،نوار الذي آمن ان العظمة للنساء و عاملها كملكة بفكرها "الذي أكبر فيها الأنثى على نخب الاحساس النبيل،نوار هو المثال الذي تبحث عنه نوة ،الجزء المتماهي معها لا الذي يكملها هو الفكرة المتجسدة أمامها عقلا إلاهيا ،يترفع عن كل النواقص ويسعى إلى الكمال ،اذن سهل جدا السقوط في غياب الفكرة المحرضة على الصمود وحين يغيب العقل يحضر الطين ويتحول الجسد الى عناقيد توت كل مرة تسقط أحد حباته. وكان بيع الجسد لمن دفع لمن قدر لمن ملأ الفراغات وكانت نوة للغريب يلبسها كعروس و يمتطيها بذل لتدخل نوة حالة السقوط الاخطر من سقوط الجسد ،حالة تهاوي القيم والضمير والفكرة.(هكذا يعيش الساقطون من الأرحام الفقيرة هكذا نغترب لأننا لا نملك القدرة على التصدي والمقاومة) وتبدأ مرحلة جلد الذات والهلاوس والكوابيس المنتهية باغتيال نوة للرجولة الهادرة بالزيف بتغلبها على الأعور على الغريب على مجتمع ذكوري جاحد ،تقتل نوة الغريب المغتصب بعد أن تجتث لحمة رجولته العفنة ويهوي القارئ في قعر السواد لا منتصرا ولا منتشيا بالنهاية المؤلمة لواقع يهب المرأة الحياة ثم يئدها في معاملته و أعرافه الجائرة ،يتحقق المجد فقط للنص الذي انتصرت به الكاتبة للمرأة بسرد محبوك ،غني بالتفريعات الدالة على حجم المعرفة لوحيدة المي بالأدب والفن وتقنيات الكتابة الروائية وبلغته السردية الموغلة في الشعرية التي تجعل من الحوار الداخلي لنوة قصائد تعانق السرد لتزيد جماليته.