حول احتقار -المثقف الموَسْوَس- لجماهير المنتفضين:

علاء اللامي
2019 / 11 / 8

إذا ما وضعنا جانبا في سلة المهملات والعار احتقار ساسة النظام وفي مقدمتهم الفاشي الخَرِف عادل عبد المهدي الذي راح يتحدث أمس علي الشاشات عن موازنة العام القادم فيما كانت قواته الأمنية تزهق أرواح العراقيين في البصرة وبغداد، فأن احتقار المثقفين الموَسْوَسين لملايين الناس، للشعوب المنتفضة والثائرة، للشباب المضحين بأرواحهم، لا يقل صفاقةً ولا أخلاقية. هذا الاحتقار تنطوي عليه بوضوح "نظرية القطيع" التي يطبقون مقولاتها الكثيرة ومنها: المدسوسون سيحرفون الانتفاضة. القوى الخفية ستحصد نتائجها في الأخير. لا توجد قيادة وشخصيات للتظاهرات ولا أحزاب معروفة تقودها فهي مشبوهة. لا توجد أية مطالب واضحة وهذا يعني وجود برنامج سري لطرف ما.
*ثمة كذب كثير يستبطنه هذا الكلام، فمطالب الانتفاضة أشهر من نار على علم وهي مبثوثة في الشعارات والهتافات التي صدحت بها حناجر المنتفضين، وهي أكثر نضجا من وريقات المثقفين وبرامج أكثر الأحزاب الموجودة ثورية وجذرية وخلاصتها: يسقط نظام المحاصصة الطائفية ودستوره ومجلس نوابه وحكومته، نعم، لنظام وطني مستقل عن الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية!
*أما عدم إعلان قادة التظاهرات عن أنفسهم تعليله فواضح أيضا، ونجده في اغتيال خمسة وعشرين متظاهرا بارزا بعد انتفاضة الماء في البصرة، في جرائم سكتت الدولة عنها سكوتا إجراميا، أما في الانتفاضة الجارية فإن عدد الشهداء يقترب من الثلاثمائة وجرحاها فاق العشرة آلاف ودخلنا مرحلة الخطف مع اختطاف الناشطة المسفعة #صبا_المهداوي وعلى صعيد الاغتيالات للمتظاهرين السلمين البارزين قتل الكاتب الديموقراطي أمجد الدهامات اغتيلا من قبل مجهولين في محافظة ميسان فيما أصيب رفيق له كان معه بجراح خطرة، وهذا كله هو ما يمنع أي قيادات من التعريف بأنفسها بشكل رسمي في الوقت الحاضر على الأقل، مع أن عددا من الناشطين البارزين معروفون بنشاطاتهم في قيادة التظاهرات وإصدار بعض البيانات والنشرات العلنية في قلب الانتفاضة "ساحة التحرير ببغداد" وإجراء اللقاءات الصحافية ...إلخ.
وهاكم هذا المثال الطازج، يوم أمس الخميس وخلال لقاء أجرت قناة روسيا اليوم مع اللواء عبد الكريم خلف الناطق باسم عبد المهدي، اتصل أحد المتظاهرين هاتفيا وعرف باسمه "علي عزيز" مع صورته التي عرضت في لقاء سابق كما يبدو، وقال إنه بعد مداخلة تلفزيونية له مع هذه القناة وصلته أربعة تهديدات بالقتل أو مغادرة بغداد من أطراف يُشتبه بأنها حكومية! اللواء خلف رد بقوله إنه يضع رقم هاتفه الشخصي تحت تصرف القناة لتوصله للمتصل وهو سيوفر له حماية ويحل من هدده الى القضاء إذا ثبت ذلك! فهل هناك مهزلة أكثر من هذه حين يحل المسؤول مشاكل معقدة بالطريقة الإخوانية والشخصية؟! وأسجل هنا تحفظي على عدم دقة الأخبار التي يزود بها هذا الشخص -علي عزيز - وسائل الإعلام وقد ذكرت أحدها في منشور سابق.
*بغض النظر عن كل هذا كله على ما فيه من أهمية فائقة، فإن احتقار الناس وازدراء إمكانات وإبداعات الجماهير البسيطة، كما يفعل بعض المثقفين الباحثين عن عباقرة أو باشوات وأرستقراطيين سياسيين في الأحياء العشوائية وأحزمة الفقر، هو ديدن هذا المنهج البرجوازي الصغير المتعالي في السوك والتفكير! نعم، يمكن أن نكرر دون كلل: لا لتصنيم الجماهير والركض خلفها حقا وباطلا وتقديس العفوية واعتبارها بديلا للعلم والعقلانية على طريقة الأناركيين "النقابيين الثوريين" الأوروبيين! ولكن لا وألف لا لاحتقارها واعتبارها قطيعا فاقدا للعقل والإرادة ينساق وراء أي كان يلوح له بخرقة حمراء أو خضراء أو بيضاء كما يفعل المثقفون الموَسْوَسون!
توضيح: لا أقصد شخصا محددا في هذا النص، لأن هذه النماذج من "المثقفين" أو أدعياء الثقافة إن شئت، متنوعة وكثيرة، وقد تحولت فعلا إلى تيار يضم في مَن يضم كتاب المليشيات المعروفين، الذين يصفق لهم المهددون بفقدان مخصصاتهم ورواتبهم الضخمة وامتيازاتهم غير المشروعة بمجرد سقوط النظام والانتهازيين العاديين المشتغلين في أجهزة السلطة وإعلام الأحزاب الفاسدة من فضائيات وغيرها. وقد ميزت دائما بين الكتاب الوطنيين النقديين الحريصين على الانتفاضة ومصيرها وحركتها على الأرض المحذرين من وجود مدسوسين أو محاولات اختراق أو تطرف، فيحذرون من هذا الشعار أو تلك الممارسة الخاطئة كمهاجمة السفارات والقنصليات الأجنبية، وبين "المثقف الوسواسي الرُّهابي"، والذي يلح إلحاحا غريبا على احتمالات حرف المسار والتخريب الداخلي وسَوْق القطيع البشري نحو الحضيرة الأميركية والإسرائيلية وكأن ذلك قدرا مقدورا لا راد له، ودون أن يحاول أن يبصر الواقع بعيونه المجردة وعقله الواعي بعيدا الأوهام والمبالغات القاتلة، هذا إذا أحسنا الظن واعتبرناها أوهاما ومبالغات ليس إلا!
*ثم أين حدث وحُرِفَت الملايين الثائرة على الأنظمة الفاسدة عن مسارها من قبل جواسيس ومندسين؟ لماذا لا يقرأ المثقف الأجوف وقائع الأحداث كما هي على الأرض؟ أ حدث الاختراق والحرف في مصر بعد انتصار الانتفاضة وإسقاط مبارك؟ كلا، فالوقائع تقول إن الملايين بعد انتصار الانتفاضة وإسقاط الدكتاتور مبارك كانت أمام خيارين انتخابيين - وقبل أن يتم تفكيك الدولة الأمنية العميقة - فإما مرشح النظام القديم أحمد شفيق أو مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي بعد فشل صعود ممثلي التيارات الناصرية واليسارية واللبرالية في الدور الأول، فاختارت الجماهير بما فيها جماهير الضد النوعي على مضض مرشح الإخوان في الدور الثاني لقطع الطريق على انتصار مرشح النظام القديم ثم سارت الأمور باتجاه الحكم العسكري؟
*هل حدث تحريف في ليبيا التي بدأت الأحداث فيها منذ الأيام الأولى كتمرد عسكري تقوم به مليشيات ومدعوم من الطيران الغربي الشرس فانتهت التظاهرات السلمية مبكرا؟
*أم في تونس التي استقر الوضع فيها على نظام انتخابي رصين وديموقراطيات عامة لا بأس بها رغم أنها محاطة بواقع اقتصادي واجتماعي قاس على الفقراء خصوصا؟
*أم حدث الحرف والتجيير في السودان مؤخرا أم أن مسار الانتفاضة انتهى الى موافقة قياداتها - بما فيها قيادات اليسار الشيوعي الجذري الذي فضل أن يبقى متفرجا على الانتفاضة وهي تسرق نتائجها ولم يبادر الى التصدي - على الاشتراك في حكومة يسيطر عليها العسكر، وما تزال الجماهير متوثبة وقد تنتفض في أية لحظة ضدها؟ فهل هذه مؤامرة لحرف المسار من قبل القوى الخفية أم أخطاء كارثية وقعت فيها قيادة الانتفاضة نفسها؟