اتحاد الشغل والغول .

فريد العليبي
2019 / 11 / 8



رفع الاتحاد العام التونسي للشغل الى القضاء شكاية ضد الناطق الرسمي باسم ائتلاف الكرامة ، الوافد الجديد على البرلمان ، متهما إياه بالتحريض والثلب والادعاء بالباطل ، مُطالبا بتقديم ما زعم أنها ملفات فساد تُدين نقابيين، مُعتبرا تصريحاته الإعلامية مغالطة تستهدف تحقيق مكاسب سياسية ، وقال قياديون في الاتحاد أن ذلك الناطق "طفل صغير" ،لا يزال يحبو في عالم السياسة ،غير مُدرك لتبعات أقواله وأفعاله ،وأن في حركته السياسية ينام غول الفاشية المخيم على البلاد ، وما يؤججه اليوم من توترات سيتحول سريعا الى انفجار كبير لا يُبقي ولا يذر ، ستكون أمامه الهجمات السابقة على النقابيين والصحفيين والفنانين وغيرهم من طرف روابط حماية الثورة لعب أطفال، إذ يكفي اشتعال شرارة هنا أو هناك لكي ترتفع ألسنة نار حرب أهلية لن يكون سهلا إطفاؤها ،ومن هنا تحذير الاتحاد من عواقب وخيمة يجب الانتباه اليها قبل فوات الأوان .
ولم يترك أمين عام الاتحاد الفرصة تمر دون قول إن عملية الاستهداف تلك تستغل بعض الأخطاء والثغرات، لذلك وجب تحصين البيت من داخله ، بما يُعزز ديمقراطية التسيير وجماعية القيادة ومسؤولية الجميع ، وقد فُهم من ذلك أن " المنظمة العتيدة " لن تنجح في تمريغ أنف الغول في الأوحال الا بتنقية صفوفها من الفساد والفاسدين ، فعافية الجسم النقابي من عافية كل عضو فيه .
كما جرى تفسير انبعاث الفاشية الدينية من ركام الانتفاضة التونسية بالأزمة الاقتصادية السياسية ، فإخفاقات الحكومات المتتالية ولد الفقر والحرمان ، وجاءت الشعبوية المرتدية ثوب القداسة لتقدم الوعود الزائفة لجماهير المسحوقين وتضمد جراحها الاجتماعية العميقة ببلسم الدين .
وكان "الطفل الصغير" الشغوف بلعبة النار قد حمل الاتحاد المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية ، جراء الإضرابات التي دعا اليها طيلة السنوات الماضية ، فضلا عن اتهامه إياه بخدمة نظام بن علي والارتباط ببارونات الفساد ،وأنه خائف من المحاسبة ، وأن الهلع قد دب في صفوفه ، كما وصف قياداته بالمرتزقة واللصوص ، الذين راكموا ثروات طائلة من عرق الشغالين ، وأنهم يخلطون السياسي بالنقابي ويُزورون التاريخ ، متجاهلين أن مؤسس الاتحاد ليس فرحات حشاد وإنما شيخ من شيوخ الدين .
وكان هو نفسه قد اتهم فرنسا خلال الحملة الانتخابية بسرقة الثروة التونسية مهددا بطرد سفيرها في حال أصبح رئيسا ، قبل قوله وقد فاز بمقعد في البرلمان أن بين التونسيين والفرنسيين نسب ومصاهرة فالشعبوية الدينية لا تختلف عن غيرها من الشعبويات ، فما تقوله اليوم تتملص منه غدا بعد تحقيق الهدف المرجو.
ويُدرك الاتحاد أن ائتلاف الكرامة وثيق الصلة بحركة النهضة ، وهو قناع من أقنعتها الكثيرة ، لذلك لم ينبس ناطقه ببنت شفة ضدها وهى المتهمة بتدمير الاقتصاد وتفشي البطالة وانتشار الفقر وغلاء الأسعار ، و يسُود الاعتقاد لدى طيف واسع من النقابيين أن الحركة تختفي وراء الائتلاف و تخوض معركتها ضد الاتحاد من خلاله ، وهى التي لم تنس الدور الذي لعبه في تحجيم سلطتها وكبح جماحها منذ أيام الترويكا حتى الآن ، وتُقدر أنه سيمثل تهديدا لسياساتها في المرحلة القادمة ، بما سيؤدي الى فشلها ، وما سيتبعه من اندثار ما تبقى لها من أسهم في بورصة السياسة.
و من المُرجح أنها ستضطر للتضحية بالائتلاف مؤقتا لأسباب كثيرة ، ومنها أنها جاءت الى الحكم بضوء أخضر أوربي أمريكي ، ولن تغامر بإثارة غضب رُعاتها الدوليين ، الذين نفضوا يدهم الى حد ما من أقصى اليمين الديني ووضعوا رأسه تحت مقصلتهم في بلدان كثيرة ، حيث يقتل الآباء أبناءهم غير الشرعيين دفنا للفضيحة قبل تحولها الى حقيقة .
وهذا ما يتوجس الائتلاف منه خيفة فقد عبر عن استعداده للمشاركة في حكومة النهضة دون شروط ، ولكنه سُرعان ما اشتم تمنعها ، ففسر ذلك بضغوط السفارة الفرنسية وصندوق النقد الدولي ، وبدا أن النهضة لا تستعمله فقط كقناع وإنما أيضا كعصا للهش على خصومها ، وبعد اكتمال المهمة ستسارع الى وضعها في غمدها مُدخرة إياها لمعاركها المؤجلة .
يقيم الغول اليوم في الجبال التونسية ويحتل بعضها منذ سنوات ، أما ظلاله فموجودة في المدن ، بل في مؤسسات الدولة نفسها ، وستخيم بعد أيام تحت قبة البرلمان ، وربما سكنت الحكومة أيضا ، ولن يتمكن الاتحاد ومجموع الشعب من التخلص منها قبل الانتصار على الغول نفسه .