مرارة الصمت ولذة الثرثرة

عادل بشير الصاري
2019 / 11 / 8

بعض المهن يكتسب منها أصحابها طلاقة اللسان وجودة الكلام ، وبعض المهن الأخرى يتعلم منها ممارسوها فضيلة الصمت، والواقع أن الحياة ليست مقصورة لا على المتكلمين ولا على الصامتين، فالاثنان لا يمكن الاستغناء عنهما أبدا، ولكن للكلام أوقات وللصمت مثلها
هاهم الأطباء والمهندسون ودارسو علوم الفيزياء والكيمياء والفضاء والحاسوب وغيرها من العلوم التجريبية والتطبيقية أكثرهم لا يتقنون فن الكلام، ولا يقدرون على الجدال والحوار والمحاججة ، لأن طبيعة علومهم ومهنهم لا تحتاج إلى التفنن في الكلام ، بل تحتاج إلى التفنن في إعمال العقل وفي تفتق الذهن والذكاء ، والصمت ـ بلا شك ـ يوفر لهم فرصا للتأمل الخلاَّق وللتفكر الهادئ الذي يقود للإبداع والاكتشافات المبهرة .
وكلام هؤلاء في اغلب الأحيان مقتضب ، وبارد لأنه يصدر من العقل لا من العاطفة ، ولا يعتمد على الإطناب والمجاز والتكرار ، بل الألفاظ عندهم تكون على قدر المعاني ، ودلالاتها مباشرة لا تحتمل التأويل والتقدير إلا في حدود ضيقة ، وعمدتهم في الكلام الموضوعية والحجج المستندة على العلم والتجربة والملاحظة.
والداخل إلى أماكن أعمالهم وإلى مختبراتهم يجد الهدوء والصمت، فلا صوت ولا جلبة ، فكل شيء يوحي بسكون المقابر وبرد الاسكيمو ، وإذا وجدت أحدا من هؤلاء كثير الكلام جياش العاطفة فثق أن هذا بسبب أثر البيئة فيه ، فحين يعيش المرء في وسط اجتماعي تُعد فيه كثرة الكلام والبراعة فيه دلالة على المهارة والنبوغ يستوي عندها الطبيب والفلكي والمعلم والخطيب.
ومن جانب آخر نرى كثيرا من المعلمين والقضاة والمحامين ودارسي علوم اللغة والدين والسياسة والاجتماع وغيرها من العلوم الإنسانية يغلب عليهم كثرة الكلام والبراعة فيه ، لأن بضاعتهم الكلام والتفنن في عرض الحجة ، لذلك هم أقدر من غيرهم على الجدال والنقاش ومغالبة الخصم، ومجالسهم يغلب عليها الصخب والضوضاء، وهذا الأمر ليس مما يُعاب ، ولكن الذي يعاب هو أن بعضا من هؤلاء يصير عنده الجدال والمحاججة طبعا مَكيناً ، وشهوة عارمة كشهوة الأكل والجنس لا يستطيع كبحها ولا التحكم فيها ، لذلك تراه إذا لم يجد مجالا للكلام والجدال أوجده ولو بالمكابرة والعناد، فالكلام لديه متعة وراحة ، والصمت عنده نكد وشقاء .
وهذا الصنف من المجادلين يجادل في كل موضوع يخطر على باله ، فتراه يناقش بحماس وأطرافه ترتعش، والزبد يملأ شدقيه في السياسة وهموم المجتمع وقضايا الدين ومشاكل البيئة والأمراض المستوطنة ومخاطر طبقة الأوزون والنيازك الساقطة على الأرض ، وعمدته في الكلام العاطفة الملتهبة والأحكام الانطباعية الصادرة عن الهوى والميل القلبي ، وإذا سدت عليه وسائل الثرثرة ،ولم يتكلم ويجادل في موضوع شعر بكسل وتنمل في لسانه وخدر في أطرافه ، فإذا واته الحظ ووجد موضوعا يجادل فيه اندفع الدم في عروق لسانه ، واندلقت منه الحروف والألفاظ كالسيل العرم، ورأيته فرحان جدلا كأنه ملك الدنيا وما فيها ، والمسكين لا يعلم أنه شخص مريض يعاني من إسهال في اللسان وإمساك في العقل.