الشيخوخة والزمن :

عبد اللطيف بن سالم
2019 / 10 / 25

يقول مثل فرنسي: " كلما مات شيخ احترقت مكتبة " و لنا في تونس شيوخنا الكثيرون المتقاعدون من اختصاصات مختلفة كما لو أنهم كنوز مخزّنة أو مُهملة وغير مستثمرة ونخاف أن يفارقونا قبل أن نستفيد منهم ونأكل من ثمارهم وطيباتهم . و ما الهامشية التي قد صار يعيش بها شباب اليوم إلا نتيجة للقطيعة التي صارت بينهم و بين هؤلاء آبائهم و أمهاتهم ، القطيعة السيكولوجية الناجمة عن شعور الآباء بضرورة الاهتمام بأبنائهم حتى وإن طال بهم العمر وشعور الأبناء بضرورة التعويل على آبائهم حتى وإن تقدم السن بهم وعدم التفكير في التعويل على أنفسهم واستقلالهم عن آبائهم لصعوبة التحصيل على مواطن شغل لهم . و الخطأُ ليس هو في هؤلاء الشيوخ و لا هو في هؤلاء الشباب وإنما هو في النظام القائم سابقا والمستفيد من هذه الوضعية لصالحه ريثما يجد حلا للبطالة المتفاقمة في البلد . هذا هو الوضع الذي قد أفسد هؤلاء و هؤلاء, هذا النظام الذي جعل من الكثير من هؤلاء الشباب عاطلا عن العمل ولا يعيش إلا بالفتات المتبقى من موائد الآباء و جعل من الكثير من هؤلاء الشيوخ هم المتكفّلون به و القائمون عليه عوضا عن الدولة كما هو الحال في الظروف العادية والباهية ، و هذا ما جعل الشباب مهمّشا وغير مهتم كثيرا بحاضره وبمستقبله وجعل من الشيوخ غير مستغلين في مصالح و منافع أخرى في هذا البلد و هم الأكثر قدرة و دراية و خبرة بما يُمكن أن ينفعه آجلا وعاجلا.
أليست أمريكا لا تتحرك إلا بإرادة مجلس شيوخها ؟ فلماذا نحن نُهمل شيوخنا حالما يُحالون على المعاش. الستون عاما من العمر ليست اليوم نهاية للحياة العملية و نهاية للنشاط لدى الإنسان العادي كما تريد اعتباره الدولة الحالية في أغلب بلدان العالم , هذا خطأ كبير بل قد يكون بلوغ الستين عاما هي البداية في اكتمال النضج وإعطاء الثمر و اشتداد الرغبة في تحقيق ما نصبو إليه و القول بعكس ذلك خطأ و اتهام للشخصية السوية.
إننا في هذا العصر المتسارعة دقاته المتقلّصة أزمنته و المرتفعة نسبُ الأعمار فيه باستمرار بسبب تطور الحياة الإنسانية في مختلف مجالاتها الحيوية والاجتماعية لمدعوون إلى مراجعة نُظمنا السياسية و إعادة النظر في طرق عيشنا و أساليب تعاملنا مع الطبيعة ونوعية استغلالنا لها و استفادتنا منها لنواصل العيش فيها مطمئنين سعداء و إلا أفسدنا هذه الطبيعة و أفسدنا معها أنفسنا .
إن أرضنا اليوم مريضة بسبب كثرة التلوث الذي أحدثناه فيها، و في حاجة مُلحة إلى معالجتها و الأخذ بيدها و لا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى أنفسنا والنظر في طرائق عيشنا معها ونوعية حاجاتنا منها وضرورة البحث في وسائل جديدة للتعامل معها محاولة للتغيير في كل ذلك حتى يصير مناسبا و مفيدا دونما إلحاق ضرر بهذه الأرض أمنا التي بحياتها نحن نحيا و كل ما يضرّها يضرنا و كل ما ينفعها ينفعنا, إنها الآن مُتهافتة متهالكة و ليس لها أمل في النجاح إلا بنا إذا استطعنا أن نفكر جيدا في حياتنا وحياتها ونتعامل معها بطرق أفضل من التي كنا نتبعُها و ليس ذلك على الناس اليوم بعسير .
ألم ننتبه بعدُ إلى أن أعمارنا اليوم قد صارت قصيرة جدا خصوصا إذا ما قارنّاها بأعمار آبائنا وأجدادنا؟ .
نعم أسلافنا كانوا يعيشون أطول منا عمرا لأن العمر في حقيقة الأمر لا يُقاس بعدد السنين وإنما بعدد الحركات التي يقوم المرء بها في هذه الحياة وكلما ازدادت حركاته وكثرت اهتماماته و مشاغله كلما أضعف ذلك من إحساسه بوجوده أي بحياته ، وهذا هو حال إنسان اليوم في هذا الخضم من الحياة المعاصرة ، إنه لم يعد يعيش لنفسه بقدر ما هو يعيش لمحيطه المادي المفروض عليه من الخارج ، لقد فقد الكثير من حريته الطبيعية التي يستمتع فيها بوجوده أما أسلافنا فقد كانوا يعيشون لأنفسهم أكثر منا لأنهم كانوا أقرب منا إلى أمهم الطبيعة في حين أننا اليوم قد صرنا نعيش أكثر بما يُسمى لدينا ب" الثقافة " زائدا على الطبيعة ، بمختلف أشكالها وألوانها وبمختلف تأثيراتها الموجبة منها والسالبة من حيث ندري وفي أغلب الأحيان لا ندري، وهذا ما زاد في إحساسنا اليوم بقصر أعمارنا إضافة إلى كثرة المشاريع غير المنتهية وكثرة الأهداف غير المتحققة التي نعيش بها دوما في خاطرنا بفعل تراكم المشاغل والاهتمامات علينا .أما أسلافنا فقد كانوا أقل ثقافة منا لكنهم كانوا أكثر منا إحساسا بهذه الحياة حتى أن بعضهم أحيانا يملّونها كما رأينا ذلك في شعر النابغة الذبياني حين قال :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش """ ثمانين حولا لا أبا لك يسأم .
في حين أن معدل العمر اليوم قد فاق السبعين عاما ولم نر منا من كان راضيا ومكتفيا ولم يشعر في قرارة نفسه بخيبة أمل ولم يشعر بكثير من الحسرة على عدم توفر الزمن الكافي الذي يحتاجه لإكمال مشاويره ومشاريعه كما يريد لها أن تكتمل .... ولسنا بالضرورة في حاجة إلى التعبير عنها علنا .
إن الزمن في الحقيقة والواقع لا يطول ولا يقصر إنه دائما هو ذاته وحدة لا تتعدد ولا تتجزأ وإنما هو الإنسان الذي يجعل مما يقتطعه منه أحيانا وحدة قيس لحركته ليتعرف على مدى تأثيره في الواقع ومدى استجابة الطبيعة لمطالبه .