مذابح العهد الجديد.. الشاعر، الناقد عبد الخالق كيطان في - زمن الأقنعة والتلاشي - الحلقة الرابعة من قصيدته الطويلة، الملحمية الأحزان -يوميات فاتك الطويل- في بؤرة ضوء

فاطمة الفلاحي
2019 / 10 / 19

قبل أن يحتسي فاتك قناني العناقيد المختمرة، وتترنح بين يديه.
وقبل أن يستنشق عفرات قزمه عاشق الخمر، تخللت منابت روحه الشقية به، جموح أناه المفرط ، واستبدت في كهنوت بلاد الرقادة ..
مَن غيره واكب خسوف القلوب والأزمنة، وتلاشت في عاديات النوائب..؟
أنبأنا فاتك عن تفاصيل تلك الحسرات المروعة والمتوسدة رجس نواياهم .. وهو كظيم عندما يشهق النهر بالجثث، وتتناهى إلى مسامعه صوت هلاهل ثكالى الوطن.

يوميات فاتك الطويل
كتب قائلًا:
هذا دفتر يوميات البطل الهمام فاتك الطويل . عثر عليه بالصدفة قزم يعشق الخمر، في بلاد بعيدة جدًا يقال لها بلاد الرقادة . دوّن الطويل في كتابه عددًا من حملاته المروعة ضد أعداءه. في كل صفحة من الكتاب تنبثق نافورة دم، فيما تسمع وراء السطور هلاهل نساء ثكالى.

• السادة في وطننا لا يعرفون الشبع والآمان ..بهدوء وبأريحية تامة تم جز الرؤوس وتألقت على مذبح العهد الجديد، خانته الوحيدة فقط، ليكون فاتك الطويل
لا أحد يستطيع وأده حلمه..

٢٦.
أيها السادة
ليس بيني وبينكم غير مسافة عصا
والعصا، كما قيل، لمن عصى.
أيها السادة
الليلة سنجزّ الرؤوس الخائنة
سنقدمها اضحيات على مذبح العهد الجديد.


• ذهول الصالح وهو يحاول أن يستوطن الخشية
وأن يعرف مقدرات العصا لمن عصى،
أن تشمخ الهامات على بركٍ من دماء، تسوّر الوطن، ويحتفون بالنصر في كل محافل الإنتصارات

٢٧.
وكان عهدي وعدا
لم تشغلني عنه حرب أو غزو
على الإنسان الصالح أن يتعلم الخشية قبل تعلم المشي
وعلى الوطن أن يكون مسورا بالدم
لقد خلقنا لكي نرفع هاماتنا
لقد خلقنا لكي ننتصر
ننتصر فقط.


• لماذا تصاب قلوبهن بالعوز، يجافوا ابتسامتهن كمنبوذات
يفتعلون حركات البهاليل الخرقاء، يقفون على اعتاب حياتهن كمهرجين، غادرهم جمهورهم وهو مطأطئ الرأس .

٢٨.
لا يمكن أن يستمر هذا،
تقول نساؤهم،
لعبة ملوك كسولين لا يأبهون لحركات البهاليل
ولا يتركون نظرة مؤسية لنسائهم المنبوذات


• تصفحت وجوه تلك النساء، تيقنت كم كانت أرواحهن مثقلة بالوجع ..

٢٩.
والنساء المنبوذات أنفسهن يتبارين في عرض عذاباتهن


• يتجملون
بارعون بفك أزرار الغواية
أهازيجهم وبخورهم تلعق ليل إنتظاراتهم فلا من غاوٍ لكلهم ..
عائدون بضجيج خيباتهم

٣٠.
كان الرجال يحملون اثداء نسائهم ويجلسون على دكة القصر
لم يكن الحراس ليمنعونهم من ذلك
يحمل الرجال معهم زينة نسائهم من ذهب وفضة
يحضرون البخور والشموع والكثير من الأهازيج
والحاكم لا يخرج إليهم.

• ها هم المشهورون وكتبهم ينسكبون كالمرايا في عرجون فاتك ربما اقتسم دمعة وابتسامة في آن واحد فتفردت بها سمائه على غفلة من يد الآلهة

٣١.
هل هو ذنب فاتك الطويل في أن ينقسم الناس في عهده إلى عبيد والهة؟
لم يكن المؤلفون المشهورون بقادرين على بث جواب واضح.
كتبهم كلها كانت تذهب إلى النار
أما المحليون منهم فكانت تضج بهم أعواد المشانق.

• حضروا كلهم وكان بيانه ممهورًا برؤوسٍ قد تطايرت حين تفتق أوانه ..
قحط السنابل يبتدئ ..

٣٢.
حضروا جميعا إلى موعد قطعه
وفي هذا الموعد
تلى عليهم بياناته
كما أن رؤوسنا كثيرة تطايرت حينها
هذا أوانه
ولهذا
شحّ السمك في شباك الصيادين

• قال فاتك: إن قتلي سحلًا كانت وسيلة بدائية أبعد من أن تقنعني بنسيان وجع البلاد ودندنات مواجعه الخفية !!..حتى بت لم أعد أعرف قبري فيه...

٣٣.
كل ذلك صار ذكرى
لقد قتلوا #فاتك_الطويل وسحلوا بقايا جثته في الشوارع
لم يسلم من السحل حتى أحفاده
السماء ملبدة بالغيوم في شتاء لا يرحم
والأطفال عراة في خيم عجولة
ماذا تطبخ الأمهات لهم في هذا القحط؟
كانت الحجارة متوفرة بكثرة
واعواد الحطب في المواقد تنتظر قدور الطهي
لم يكن لحم عائلة الطويل سوى خيارا أفضل من الحجر.