المغارة

الحسن علاج
2019 / 10 / 10


غاستون باشلار(1)


قال دون كيخوته(2)، عند
خروجه من كهف مونتسينوس (3):
»كلا، إنه ليس جحيما،
إنه مثوى العجائب. تفضلا
بالجلوس، يا طفليَّ(4)، اصغيا
جيدا، وصدقا. «
(سرفانتيس (5)، دون كيخوته
دلامنتشا، ترجمة. فلوريان،
الجزء II ، الفصل xx .)
ستظهر في هذا الفصل – وربما في أكثر من غيره من الفصول الأخرى – الخاصية السطحية لملاحظاتنا.هذه الخاصية ،هي محصلة للتحديد الذي نلزم به أبحاثنا. وبالفعل ، فنحن لا نرغب في سبر غور المجال العائد إلى الميثولوجيا . فإذا ما توفر لدينا طموح ما، فإنه كان يتوجب على كل فصل من فصولنا، أن يخضع بوجه آخر إلى اتساع غاية في الكبر. فعلى سبيل المثال، من أجل إجراء قياس دقيق لكافة قدرات حياة المغارات( grottes) والغيران antres) ( ، فقد كان ينبغي اتباع كافة الطقوس الجهنمية (6) chtoniens) ( ، طقس أقبية الكنائس كله . تلك لن تكون مهمتنا . زد على ذلك ، سنضع اليد على مدخل في دراسة حول المغارات في الشعائر السحرية ـ الدينية وفي الرمزية البدائية ،
، و التي عمل ب. سانتفيس (7) p.saintyves) ( على نشرها ، على غرار ترجمة [كتاب] غارالحوريات ، لبورفير (8) ( porphyre) . تجد الطقوس الخفية، الشعائر السرية، الممارسات التلقينية (9) ( initiatiques) في الكهف ضربا معينا من المعبد الطبيعي. تمنح كهوف دميترا (10)، ( Déméter) وديونيزوس (11) ( Dionysos) ، و مثرا (12) ( Mithra) ، وسيبيليا (13) (cybéle) و أتيس (14) (Attis) ، تمنح كافة الشعائر ضربا معينا من وحدة المكان ، و التي عمل سانتفيس على صوغها بشكل جيد . إن ديانة ديماسية (15) Souterraine) ( تحمل علامة لا تمحى . لكن، أضف إلى ما سبق، فليست هذه الدراسة بالعمق المطلوب هي التي نود الاشتغال عليها. إن ذلك يقتضي منا السير على خطى الأحلام فقط، بل الأحلام المعبر عنها ذاتها، و إذا شئنا التدقيق أكثر، حتى الأحلام التي تستوجب تعبيرا أدبيا أيضا ، و بكلمة واحدة، فإن موضوعنا المتواضع ما هو سوى المغارة في الأدب.
ومع ذلك، فإن حصر الموضوع ذو هدف نود التشديد عليه. ويبدو لنا أنه كلما تمسكنا بالصور الأدبية ، كلما أمكننا عزل نوع من الميثولوجيا المخففة ، و التي لا تدين بشيء إلى المعارف المكتسبة. و بالطبع، فحتى و إن كان الكاتب واعيا بمعارفه كمبتدئ، فإن فارقا دقيقا يأتي أحيانا ، كي يكتشف الارتباط الشخصي بنشاط الأسطورة، بالمخيلة الأسطورية خاصة. ومن أجل ذلك، يتوجب التوفر على حداثة في التعبير، تجديد في التعبير، إضاءة مفاجئة للغة. ففي الوقت الذي تتجاوز فيه اللغة الواقع، توجد إمكانية للأسطورة. حينئذ يكون بالإمكان مباغتة الميثولوجيا بالفعل. ومما لا ريب فيه، أن تلك الميثولوجيا، التي هي تارة ساذجة، وتارة أخرى ماكرة، تكون أكثر قصرا، ونادرا ما تصيب مركز الأساطير.
ومع ذلك ، فهي تقدم مقاطع لأسطورة مدروسة ، تسمح بدراسة تجارب المخيلة المبدعة (16) L’imagination) ( . آنذاك تطرح من جديد الروابط بين الاعتقاد والتعبير . ويبدو أن التعبير ينزع ـ بواسطة الأدب ـ إلى استقلال معين ، بل إن
يقينا راسخا يتشكل – أقل عمقا ووقتيا بدون أدنى شك – حول صورة أدبية محكمة الصنع. هكذا فإنه توجد خلف الريشة الأكثر حذقا صور صادقة.
II
سنقوم إذن، بدراسة مغارات «أدبية» مع الاهتمام بتحديد كافة مظاهرها الخيالية .
زد على ذلك، وبهدف تصنيف الصور، علينا أن نضاعف التمييزات بدون توقف. فحين يتم عزل الصور جيدا، يكون من المسموح به استعادة الصور الوسيطة. مثال ذلك، إن تمييزا ما يمكن القيام به بين صور المغارة ، و صور المتاهة الديماسية، ولو أن هذين النمطين من الصور ، غالبا ما يكونان متطابقين. إنه بالتركيز على الاختلافات ، يمكن القول بأن صور المغارة تنهض عن المخيلة المبدعة للراحة ، في حين أن صور المتاهة ( Labyrinthe) تنهض عن المخيلة المبدعة ذات الحركة الصعبة ، ذات الحركة الحصرية (17) ( angoissant) .
و في الواقع، فإن المغارة هي ملجأ لا نهائي للحلم. فهي تمنح معنى مباشرا لحلم راحة محمية، ل[حلم] راحة هادئة . يشعر الحالم الداخل إلى الكهف، مجتازا عتبة لغز ورعب، أنه كان بإمكانه أن يتواجد هنا. فالإقامة به [الكهف] لحظات معدودة تجعل المخيلة المبدعة مستقرة. فهو [الكهف] يرقب موضع الملجإ بين صخرتين ضخمتين، الخلوة باتجاه فراش السرخسيات، إكليل العارشات و [إكليل] الأوراق ، التي تزين وتخفي النافذة باتجاه السماء الزرقاء. و تظهر وظيفة الستار الطبيعي هذه باضطراد في مغارات أدبية لا حصر لها. تتزين مغارة رعوية فلوريان(18) (Florian) ( Estelle ,p.295) ب «دالية برية» . هكذا، و في ظروف معينة، تكتسب نافذة برية ما ، طابعا خفيا بواسطة أوراق شجرة، وتعطي الانطباع بواسطة قلب لافت للنظر ، بأنها نافذة مغارة ما !وسنرى مثالا على هذا القلب في [كتاب] رسائل مسافر لجورج صاند ( George sand) (19) .
تنضم وظيفة الستار هذه إلى مبدإ النافذة الصغيرة التي أعلنا عنها فيما يخص كوة العلية: أن ترى دون أن تُرى، الفرقعة ، التحامق ، مثلما يقال في ريفنا (20) Champagne) ( العتيق . يشير شارل بودوان 21 (Charles Baudouin) في [كتاب] ( فيكتور هوغو ) 22 Victor Hugo) ( ، ص :158)

إلى تواتر قافية نافذة – ولادة لدى فيكتور هوغو. ثم يشير بودوان إلى هذا التقريب في الفصل الذي يبرهن فيه بأن رغبة الفضول هي رغبة معرفة سر الولادة.
أحيانا، يبدو أن ستار ورق الشجرة هو الذي يصنع المغارة . ففي [كتاب] ( Monsieur d’Amercoeur) لهنري دورينييه (23) (Henri de régnier) يقدم هذا الأخير وصفا فريدا لمغارة صغيرة ، لجأت إليها سيدة مجتمع قصد الاستراحة : « لبلبات متدلية حجبت عنها [المغارة الصغيرة] الضوء . كان يصدر عنه مخضرا و شفافا.» ( قصبة اليشب، ص 71 )
ففيما يخص مدخل المغارة ، كان ينبغي التوفر على دراسات مطولة بغية تحديد كل الرموز . فلا ينبغي التسرع لمنحها وظائف الباب الصريحة. كما لاحظ ماسون أورسول (24) (Masson Oursel) ذلك بدقة [في كتاب] ( " الرمزية الأوروأسيوية للباب " ، ن . ف . N.R.F فاتح غشت 1933 ) ، بأن المغارة هي مسكن لا باب له . لا ينبغي أن نتسرع ، متوهمين ، بأنه يتم إغلاق المغارة مساء ، بحجر مدحرج من أجل نوم هادئ فيها . تحتاج كل من جدلية الملجإ والهلع إلى كوة . ذلك ، أن المرء يرغب في أن يكون محميا ، بيد أنه لا يرغب في أن يكون محبوسا . فالكائن الإنساني ، يعرف في ذات الوقت ، قيم الخارج والداخل .
و في نفس الوقت، فإن الباب هو نموذج أصلي )25) (Archétype) و تصور : فهو يقوم بتجميع طمأنينات لا شعورية وطمأنينات واعية . إنه [الباب] يجسد حارس العتبة ، غير أن رموزه العميقة كلها ، توجد كامنة حاليا ، في لاشعور لا تدركه ٲحلام الكتاب . تعتبر قيم الملجإ الصريحة يقظة أكثر مما ينبغي ، من أجل اكتشاف القيم الغامضة. وفي الواقع، فإن فعل السكن يتطور بدون أدنى شك تقريبا ، حالما نتوفر على انطباع أننا محميون.
لقد خبرت جورج صاند (26) ( George sand) - مثل كل الضمائر الحية – جاذبية الفقر . فهي في رواياتها، تقيم في مغارة ، كما لو أنها تقيم في منزل ريفي. لذلك فإن حبس كونسويلو (26) ( Consuelo) يغدو وبسرعة قابلا «للسكن ». انطلاقا من نفس وديعة، يستعيد حالم منعزل في مغارة غراميات خفية، بإنشاده أشعارا لجوسلين (27) (Jocelyn).
من جهة أخرى، فإن قيم حلم الغراميات الخفية ، تردنا إلى أماكن لغز الطبيعة، وتحيل الغرفة السرية إلى المغارة . إن غراما متقدا ، لا يمكنه أن يكون مدينيا بصيغة حلمية، توجب عليه أن يحلم بموقع من الكون. ففي [ كتابه] Solus ad Solam) ( ( مترجم . ص : 45 ) يكتب دانينزيو (28) D’Annunzio) ( بقلب لافت للنظر : " لقد ولجت غرفتنا ، غرفتنا الخضراء التحمائية كما قلت ، حيث تعاشقنا ، وحيث حلت البهجة بيننا ، مثلما لو كنا في مغارة مملَّحة ... "
و منذ الآن فصاعدا، فإن أدنى تعزيز صخري ، يمنح تلك الانطباعات و تلك التأملات الشاردة. كتب دوسينانكور (29) ( De sénancour) عن شخص حساس(30) : « إن جلمودا ينتصب فوق المياه ، إن فننا يلقى بظله على الرمل المهجور ، تمنحها إحساسا بالحمى ، بالأمن ، و بالعزلة .» و بالمثل، فقد أثبت طورو ( 31) ( Thoreau) [ في كتابه] ( Walden ، مترجم .، ص . 34 ) ، بأن « الصبي يتلهى ب [لعبة] المنزل » مثلما «يتلهى ب [لعبة] الحصان».« من لا يتذكر الاهتمام – عندما كان يافعا- الذي كان يخصصه لمشاهدة الصخور المنتصبة ، أو أدنى منافذ الكهف ؟» لذلك، فنحن ندرك جيدا أن ٲصغر مخبإ طبيعي ، يكون سببا مباشرا لتأمل شارد لصالح صور الراحة .من ثم فإن الظل (32)(l’ombre) يستدعي على وجه السرعة ، صور المخبإ الديماسي .مثلا، في رواية لفرجينيا وولف(33) (Virginia woolf) ( الموجات، مترجم ، ص28) ، صبيان يلبدان تحت كشمش (groseillier) ؛ و على الفور ينفتح في مخيلتهما عالم ديماسي .فكل مأوى يرغب في أن يكون مغارة . « يقول الصبيان : لنقم في العالم الديماسي. لنحل في منطقتنا السرية، التي تنيرها الكشمشات المتدلية كمشكاوات ، فهي من جهة مضيئة و حمراء ، و من جهة أخرى سوداء... إنه كوننا (34) » و ذات الشيء في [كتاب] وعاء الذهب ، لجيمس ستيفنس (35) (james stephens) ،حيث أطفال يلعبون :« كان الملعب أسفل الزعرور(l’aubépine)يشكل مدفأة بيتهم الصغير.» علاوة على ذلك ، يلاحظ بخصوص تلك الأمثلة ، ٲنه بإ مكان صورة لا معنى لها تقديم صور أساسية . فالمخبأ يوحي لنا بالإقامة في عالم. مهما كان عابرا، فإنه يقدم كافة أحلام الأمن .
فهو [ المخبأ] بالنسبة لروسكان (36) ( Ruskin) ، يكون دائم الاقتضاب في الأحلام و قاطعا في النظرات : « إن خضوع الطبيعة لحاجيات الإنسان ، يسمح للإغريقي باقتناص لذة ، لدى رؤية الصخور العالية ، وذلك حينما تشكل هذه الأخيرة مغارة ، لكن في هذه الحالة فقط . فمن خلال زاوية مغايرة تماما، وخصوصا إذا كانت [ الصخور] خاوية وذات رؤوس مسننة، فإنها تخيفه [ الإغريقي]، أما إذا كانت صقيلة ، « منحوتة » مثل خاصرة سفينة ، فإذا كانت تشكل مغارة يحتمي فيها ، فإن حضورها يصبح قابلا للاحتمال » ( المصورون المحدثون مترجم . ،ص . 47) .
تعتبر المغارات الاصطناعية بمثابة تحية للمخيلة المبدعة للخلوات الطبيعية، وقد عمل دو سينانكور (De sénancour) على نحت واحدة [مغارة] عند منحدر جبله . يوجد لدى أميرة بلجيوجوزو ( Belgiojoso) مكتب عمل سري في قصر لوكاتي ( Locati) ، إذ يوجد المفتاح معلقا بسلسلة ساعتها . و في رسالة إلى أوغسطين تيري (37) ( Augustin thierry) ( ص . 86) ، فقد كتبت : « فأنا أوجد في مغارة ساحرة ، كما ٲنها خفية لو أن ألسين ( Alcine) لقنتني فيها دروسا .» فعبر المغارة ، نرى دون أن يرانا أحد ، كذلك فإن الثقب الأسود هو – بطريقة مفارقة – إطلالة على الكون . وقد كتب موريس دو غيران (38) (Mourice de Guérin) إلى صديق بريطاني ( نقل عن ديكاهورس ( Decahors) أطروحة ، ص . 303) : «... إن النشوة العارمة التي كنت أحس بها ، و أنا ٲنحت مغارة رطبة ، و معتمة في قلب جلمود صخر ، في مقبض من مقابض أضلاعك ، و أنا أقضي فيها حياتي، متأملا عن بعد ، البحر الرحيب ، كإله بحري .»
أضف إلى ذلك ، فقد كان بالإمكان ، الإشارة إلى العديد من التأملات الشاردة ( Rêveries) ، للبنائين الذين يبحثون عن اتصال حقيقي ، بين المغارة و المنزل ، سابغين على مسكنهم كونية بقدر الإمكان . لقد أدرك أندريه بروثون (André Breton) جيدا في إنشاءات عامل حصان كافة العناصر « المتوسطة » medianimiques) ( التي لا تعمل على ربط البيت بالمغارة فقط ، بل بالتحجرات الطبيعية أيضا (39)
هناك صفحات كاملة من [كتاب ] رواية طفل تحكي لنا عن القدرة التي لا تنسى لصور المغارة . طيلة مرض لوتي ( Loti) الطفل ، أنشأ له أخوه البكر، في فناء البيت ، « في أسفل ، بزاوية مخبأة ساحرة ، تحت [شجرة] خوخ عتيقة ، بحيرة مصغرة ؛ فقد عمل على حفرها و تمليطها كصهريج ...، وبعد ذلك، فمن البادية جلب أحجارا مقطعة ، و صفائح زبد من ٲجل إنشاء ضفاف رومانسية مجاورة ، صخور عالية و مغارات ... » فأي نشوة بالنسبة للطفل المتعافى ، الذي منح هكذا كونا ! « فقد تجاوز هذا ، كل ما استطاع خيالي إدراك ماله عذوبة قصوى ؛ وحينما فاه أخي بأن الأمر يعود إلي ... فقد أحسست بفرح داخلي ، بدا لي أنه لن ينتهي أبدا. أوه ! إن حيازة هذا كله، يا لها من سعادة غير متوقعة ! يتم التمتع بها كل الأيام، كل الأيام، في غضون تلك الأشهر الجميلة ، الحارة التي كانت ستأتي ! ..." ( ص .78) .
كل الأيام ؟ نعم ، كل حياته [الطفل ] ، بفضل القيمة الطبيعية للصورة . لم تكن تلك الحيازة حيازة ملاَّك قط ، إنما هي حيازة لرب الطبيعة .فقد تم منح الطفل في تلك الأثناء لعبة كونية ، مأوى طبيعيا ، طرازا بدئيا ( (Prototype) لغيران الراحة . سوف لن تتخلى المغارة عن مكانتها كصورة أساسية . «إنها زاوية العالم ، يقول لوتي (Loti) (ص.80) ، [تلك] التي سأبقى مرتبطا بها بإخلاص كبير ، بعد ذلك التعلق ب[مغارات] أخرى كثيرة ؛ و باستثناء أي مكان آخر ، فإني أشعر فيها [المغارة] باﻹطمئنان ، و الانتعاش ، و الانغماس ثانية في ريعان شباب و حياة جديدة.ذلك المكان هو مكتي المكرمة ، [التي] تخصني ، حتى إذا ما قام ٲحدهم بإفساد نظامها [المغارة] ، فإن من شأن ذلك على مكان يبدو لي الإخلال بالتوازن بشيء ما في حياتي ، أن تزل القدم بي ، [و كنت ٲحسب] أنني أقترب من الموت قاب قوسين أو أدنى.» غالبا ما تمكن لوتي ، أثناء سفرياته البعيدة ، التأمل في ظل (L’ombre) المغارات الندية و العميقة . و قد استطاع ضم مشاهد عديدة واقعية ، إلى ذكريات لا تنسى . فالمغارة «المنمنمة»، الصورة الصغيرة البعيدة ، في عمق الذكريات ، « غالبا ما كانت تشغل اهتمامي ، يقول [لوتي] لساعات من الإرهاق و المالنخوليا (40) ( Mélancolie) أثناء سفرياتي »... فعبر تكثيف غريب للذكريات ، تمكن لوتي من ضم المغارة بمسقط الرأس ، كما لو أ ن المغارة حيث نحلم ، اعتبرت نموذجا أصليا ( archétype) حقيقيا ، للبيت الذي عشنا في أحضانه « طيلة سنوات حزينة حيث عشت متجولا عبر العالم ، حيث أمي الأرملة و عمتي كلير (Claire) قد بقيتا لوحدهما ، تعملان على جر ثوبيهما الأسودين المتشابهين ، في ذلك البيت الأثير ، شبه الفارغ ، ثم أصبح صامتا مثل ضريح ، منذ تلك السنين ، طالما أرقتني فكرة أن الموقد المهجور ، أن الأشياء اللصيقة بطفولتي قد تلاشت و أهملت على الأرجح ؛ وقد كنت قلق البال ، لمعرفة ما إذا كانت قبضة الزمن ، إذا ما كان مطر الخريف ، لم يسهما في تحطيم عقد القبة الواهي لهذه المغارة ؛ من الغرابة قول ذلك ، لكن لو أن تلك الصخور العتيقة الصغيرة المطحلبة انهارت ، لكنت سأتحقق من ذلك في حياتي الخاصة. »
فحيث نلوذ بالحلم نعثر على مسكن يمتلك كل رموز الراحة. إذا كنا نرغب في حماية قدراتنا الحلمية ، فإنه يتوجب أن تكون أحلامنا وفية لصورنا الأولية .
تسوق لنا صفحة بيير لوتي (41) ( Pierre loti) مثالا على الوفاء لصور أساسية . فبدلا من أحلام مراوغة ، غير مفهومة دائما ، تتم مقارنتها بقصور [توجد] بإسبانيا ، المغارة حلم مكثف . تشكل القصور بإسبانيا و المغارات تناقضا جليا لإرادة السكن. فأن يكون الذهن شاردا أو متيقظا ، فهذا هو ما لا يمكن التعبير عنه بواسطة نظرات هندسية . فهو [الذهن] يحتاج إلى إرادة .
ويبدو أن إرادة المسكن تتكثف في مسكن ديماسي . غالبا ما أكد علماء الأساطير ( Mythologues) بأن الكهف يشكل بالنسبة للفكر البدائي مكانا تكثفت فيه قوى الطبيعة (42) ( Mana) ( انظر . سانتيفس، دراسة حول المغارات ،
بناء على [كتاب] مغارة الحوريات ، لبورفير ( Porphyre) ، باريس ، 1918) .
مخلصا إلى روح أبحاثنا ، التي لا ينبغي عليها أن تركز سوى على وثائق مخيلة خلاقة لا تزال فعالة ، علينا ألا نعتبر سوى مظاهر يكون بإمكان مخيلة حديثة اكتشافها . تكفي الإقامة بالمغارة و العودة إليها مرارا، أو ببساطة العودة إليها من خلال الفكر ، من أجل الإحساس بنوع ما من تكثيف قوى داخلية . تلك القوى لا تزال سارية المفعول. لنتذكر المغارات « الأدبية» حيث يتم التحكم في المنفعة عبر الوصف الوحيد لتهييئات المغارة . لنعد النظر في العزلة الحاذقة لروبانسون كروزوي (43) ( Robinson Crusoé) أو [عزلة] الغرقى في الجزيرة العجيبة لجول فيرن (44) ( Jules Verne) . يساهم القارئ الخفيف الروح في تقدم رفاهية ريفية. زد على ذلك، فإنه يبدو أن بساطة الأثاث تعود إليها الحياة بسبب " مانا" حقيقية في المسكن الطبيعي .
سندرك جيدا تلك المخيلة الفعالة العائدة إلى تهيئة ديماسية ، لو أننا وضعنا الطريقة الإيجابية و الطريقة السلبية للمسكن في حوار . فبالنسبة لموريس دو غيران ( Maurice de Guérin) ضمن صيغة غريبة ( الدفتر الأخضر ، دار نشر ديفان ، I ، ص . 223) : « الاعتزال هو الجحر المحفور تحت جذور[شجرة] بلوط هرمة أو [محفور] في جوف جلمود ما ، يحمي الفريسة الهاربة و المطاردة دوما . إذ تعمل فورا على تنضيد تقبه الضيق و المعتم ، تتكور في أقصاه [جوف الجلمود] ، وهناك ، مقعية و متكومة على نفسها تماما ، قلبها يخفق بعنف ، تنصت إلى نباح الرهط (45) ( Meute) المتباعد وصرخات القناصين . ها أنا ذا في جحري.» جحر المالنخولي ، المكروب ، المعتزل . ولنا عودة إلى ذات الموضوع المتعلق بالمتاهة في الفصل الذي يلي . إن الصور لا تنفصل ، ثم إن المخيلة المبدعة لا تتردد في التكرار . هكذا يبدو أن المغارة ، الجحر ، مكان ننقاد فيه إلى العيش . [إن ذلك يعني] نسيان الحد الثاني للجدل : الغار العامل ! .
قد يتساءل المرء ، ما الذي كان يعنيانه البيتان الشعريان لهوميروس (46) Homére) ( - في غار إيطاكا (47) Ithaque) ( ـ والذي قدم بورفير وصفا عنه وعلق عليه :

توجد أيضا مهن كثيرة للحجر ، إذ حولها
[الحوريات
تحيك أنسجة أورجوانية تذهل البصر .
مما لا ريب فيه أن مزايا ذينك البيتين لا حصر لها . على أننا سنضيف إليها أيضا، إذا حلمنا قليلا حائكين ، إذا ما أنعشنا في ذاتنا ، مثال على ذلك ، الورشة – غار لسيلاس مارنر (48) ( Silas Marner) ، إذا ما عشنا حقيقة نسيج الأرجوان محاكا في الظل ، إذا ما شغلنا أشعة الضوء في الصناعة الديماسية ، في صناعة الحجر .
و بطبيعة الحال ، ستأتي أيام تتعارض فيها التقنية مع البساطة . إننا نطمح إلى الورشة المضاءة. إلا أن الورشة ذات الكوة هي حينئذ بمثابة صورة للمغارة النشيطة . ينبغي منح كل الصور ملامحها، إذا ما كانت لنا رغبة في فهم المخيلة المبدعة ، بأنها عالم. تقدم المغارة حماية للراحة و العشق، إلا أنها تعتبر أيضا مهدا للصناعات الأولى. فنحن نتعرفها [المغارة] سويا بوصفها ديكورا للعمل المنعزل . سنتبين أننا نشتغل بنشاط كبير جدا في الورشة ذات الكوة الصغيرة لو أننا كنا وحيدين . فمن أجل أن نكون وحيدين بشكل جيد ، توجب ألا تكون بحوزتنا إضاءة مفرطة . إن نشاطا ديماسيا يفيد من قوى الطبيعة الخيالية . ينبغي أن نحتفظ بقسط من الظل حولنا . يتوجب معرفة الولوج إلى الظل بهدف امتلاك القوة قصد القيام بعملنا .


II
عند مدخل الكهف تشتغل المخيلة المبدعة للأصوات العميقة، مخيلة الأصوات الديماسية. كل المغارات تتكلم.

وازنت بين ضجات الكهوف كلها،
يقول الشاعر (49).
تعتبر المغارة بالنسبة للعين البصيرة صيحات. فيكتور هوغو Ce que dit La Bouche d’ombre.) (

بالنسبة لحالم الأصوات الديماسية، أصوات مكتومة قصية، تكشف الأذن عن متعاليات ، فيما وراء ما يمكن لمسه أو رؤيته . وقد كتب د . ه . لورانس (50) ( D.H Lawrence) بدقة ( التحليل النفسي و اللاشعور ) : « تستطيع الأذن أن تسمع أعمق مما لا تستطيع الأعين إبصاره .» و في هذه الحالة، فإن الأذن هي حاسة الليل، وفوق ذلك الحاسة الأكثر رهافة لليالي : الليل الديماسي ، ليل مسيج ، ليل العمق ، ليل الموت . عندما نكون متوحدين في المغارة المظلمة ، فإننا ندرك الصمت الحقيقي :

الصمت الحقيقي المختار، الليلة النهائية

مع الحجر تتواصل عبر الظلال.
(51) ( Jean Tardieu , Le témoin invisible ,p .14.)
بيد أنه انطلاقا من العتبة، حالا ودون مكابدة هذا «العمق » ، تتجاوب المغارات عبر دمدمات أو تهديدات ، عبر نبوءات أو دعابات . إن كل ذلك يتوقف على الحالة الذهنية لمن يستفهمها. فهي [الكهوف] تقدم الصدى الأكثر تأثيرا من الأصداء ، [تقدم] حساسية الأصداء الفزعة . وبلا ريب، فإن علماء الجغرافيا ، قد عملوا على تبويب المغارات ذوات الأصداء المذهلة. وقد قاموا بتفسير كل ذلك من خلال أشكال. إن مغارة سجون المحجر (52) (Latomies) ، قريبا من سيراقوزا (53) ( Syracuse) ، و التي أعطيت اسم أذن دنيس (54) (Denys) الطاغية توجد مفتولة ، يقال ، مثل قناة سمعية : « إن كلمات ذات صوت خافت ، تتردد في قاع المغارة بوضوح تام عند الباب ، إن ورقا مدعوكا في الأيدي ، يحدث هزيز البرد الأكثر عنفا ، و في النهاية ٬ فإن طلقة سلاح ناري تعادل ، فوق عقد هذه القبة قوة الرعد». هناك زعم مفاده أن دنيس كان ينصت، عبر فوهة توجد أعلى المغارة ، إلى أنات و لعنات ضحاياه المحبوسين في سجون المحجر . وهكذا اتفق المؤرخون و الجغرافيون حول ذات الفكر البناء. يصف هؤلاء قناة سمعية، و أولئك يفكرون في استعمال بوق صوتي. معتقدين في دراسة الحياة في وجودها الفعلي، فوجدوا أنفسهم يدرسون أحفورا لكائن من طبيعة خيالية .
غير أن فوهة الظل لا تزال تتحدث ، وهي ليست في حاجة إلى غول رنان لسجون المحجر كي تتعرف فيها دويا لدى مخيلة مبدعة. يمنحنا أصغر كهف تأملات الرنين الشاردة . فمن خلال التأملات الشاردة، يمكن القول بأن النبوءة هي ظاهرة طبيعية . إنها ظاهرة مخيلة المغارات المبدعة. فلا تزال كل تفاصيل هذه الظاهرة موجودة. مثال ذلك، أنه سيكون بإمكان المرء فهم مصدر تأثير الأصوات الديماسية ، مشيئة إثارة الفزع ، إذا ما هو اقتفى انتقال التقاليد في حياة أريافنا بوصفه عالم نفس.
يقوم الأب عقب نزهته بمعية الطفل ، بتضخيم صوته عند باب الكهوف. وبعد لحظة وجيزة مرعبة، يسترجع الطفل اللعبة. لقد كان يدرك من الآن فصاعدا مفعول الذعر. ومهما كان الخوف وقتيا، فهو يكاد يكون ، بصفة دائمة ، في صلب معرفة ما. وها هو الطفل الآن هو سيد لإرادة الرعب. سيحسن استخدامها باللعب أمام رفيق حديث عهد بالترهب. تلك، بدون شك نبوءات صغيرة جدا ، ثم إن علماء الأساطير لا يعيرون كبير اهتمام لهذه «النفسانية» (55) psychologisme) ( الضئيلة جدا والمتملصة. ومع ذلك، فكيف يقاس تأثير الأسطورة على النفوس البليدة، إذا ما تم نسيان كل هذه الظواهر الصغيرة للحياة اليومية ،كل هذه الصور البسيطة لحياة الحقول؟
فضلا عن ذلك، فإن كتابا لا يأنفون من ملاحظة ذعر ما، بدون شك أقل صدقا، ٳلا أن له أسبابا لا شعورية. ففي [كتابه] انطباعات رحلة، في سويسرا، I ، ص. 78، كتب دوما (56) Dumas) ( : « يزمجر الكهف سرا مثل دب مداهم يغوص في أعماق وجاره. هناك شيئ مخيف في هذا الانعكاس الضاج لصخب الصوت الإنساني ، في مكان لم يكن بقادر على بلوغه.» ففي الكهف، كما في العاصفة، يصدر عن صوت الدب زمجرة،- أقل ألفة بقليل- يكون مسموعا مثل الغضب الطبيعي جدا.
إن من يهوى التخيل سيتكلم إلى الأصداء الديماسية. سيتعلم السؤال والجواب ، وشيئا فشيئا ، سيفهم سيكولوجية ال" أنا" وال " أنت" للنبوءة. فكيف يمكن للأجوبة إذن أن تتطابق مع الأسئلة ؟ [ يعني هذا ] أننا نفهم عبر المخيلة المبدعة ، أكثر فهما من الإدراك الحسي ، حالما يوجد صوت طبيعي يتكلم. فعندما تحاكي الطبيعة الإنساني، فإنما تحاكي الإنساني المتخيل.
لقد قال نوربيرت كاستريت (57) (Norbert Casteret) بأن عرافة(58) (Sibylle) قوميز (59) (cumes) «عبرت في افتتانها عن الضجات المنحدرة من بعض الجداول أو البرد الديماسي» وأن « تلك التنبؤات، المؤلفة من تسعة أجزاء، تمت صيانتها ، واطلع عليها ، في غضون سبعة قرون بروما ، منذ طار كان tarquin) (المستبد(60) إلى حدود مركز المدينة ، عبر ألاريس (Alaric).» غالبا ما يتم الحديث عن دوام السياسة بروما. على كل حال، فإن ربط السياسة بالنبوءة ، يمتلك على الأقل، بوصفه ضمانا للاستمرار، دوام اللاشعور. ففي السياسة، يقوم ذلك الدوام مقام آخر، لا يزعج أولئك الذين يمجدون حكمة بعض كبار الوزراء، بعض المعتزلين المؤتمنين .غالبا ما يكون هذا الاستمرار السياسي متكونا من اختيارات لا شعورية ، والتي لا تعوزنا أبدا بخصوصها أسباب واضحة. إلا أن ذلك يعتبر مسألة أخرى ، ونحن لا نبتغي التخلي عن خطة أبحاثنا ، التي عليها أن تتقيد بالتأمل الشارد الشخصي. إن كل حالم منفرد يتكلم إلى قدرات المغارة – في قعر عقيق – سيتعرف الخاصية المباشرة لبعض وظائف النبوءة. فإن بدت ملاحظاتنا مفارقة، فلأنه أصبح من المفارق العيش بشكل طبيعي، الحلم في عزلة الطبيعة. نحن نعمل على صرف الطفل المتعلم عن كل هلسنة بصرية كونية . فقد كان يعرف في أول الأمر تأويلات النبوءات ، يعني التجلي في العقلاني والاجتماعي . لقد كانت الأركيولوجيا التاريخية تتنكر للأركيولوجيا السيكولوجية . ومع ذلك ، فليس في الأمر ما يبعث على الدهشة ، بما أن علماء النفس ذاتهم لا يكترثون في الغالب بالغموض البدائي للأحلام ، والتي تتشكل عبرها الصور الكبرى ، بعد ذلك نوى المعرفة .
تعتبر أصوات التراب بمثابة صوامت . و [هي] صوائت بالنسبة للعناصر الأخرى، و نفس ثغر مفتر ، موارب شيئا ما ، بالنسبة للهواء خاصة. يحتاج كلام الطاقة والغضب إلى رجفة الأرض، إلى صدى الصخر العالي ٬ إلى دوران كهفي. فالصوت الكهفي يتعلم، يتعمق بواسطة حكمة الكهف . حينما نريد تنظيم قيم الصوت الإرادي، سنفهم بأننا نشاء محاكاة الطبيعة برمتها. إن الصوت الصخري، الصوت الكهفي، الصوت المزمجر هي أصوات التراب. فالكلمة الغامضة هي التي صنعت الأنبياء يقول ميشليه (61) Michelet)) ( توراة البشرية، ص. 383). فلأن الأصوات المنبعثة من الهاوية تعتبر مبهمة لأنها نبوية. فضلا عن ذلك أيضا، أنه كان يبدو أننا نقوم باللجوء إلى الحيلة. فقد كتبت مدام دو ستايل (62) (Mme de stael) : ( عن ألمانيا، جزء ٲول، فصلI) « غالبا ما يتم وضع قيثارات ريحية- في وسط الحدائق الغناء للأمراء الألمان- بالقرب من مغارة محاطة بالزهور، كي تحمل الريح في الأجواء أنغاما وعبيرا معا.» ما المغارة هنا سوى مرنان، علبة رنين. بيد أنه يطلب من المغارة الاصطناعية أن تعمل على تقوية أصوات الريح ، بما أنه يتم الحلم على عتبات الكهوف المرنة.
فضلا عن ذلك، فقد كان ينبغي استدعاء كل التأملات الشاردة العالمة ، و التي كانت تتوخى تقديم دور إيجابي لكهوف الجبل . فعبر تلك الكهوف، يتنفس الجبل مثل رئة. تروي هبات الريح الديماسية تنفس الكائن الأرضي العظيم .

III
يتردد الحالم أمام الغار العميق ، وعند مدخل الكهف . فهو قبل كل شيء، ينظر إلى الثقب الأسود. و الكهف، بدوره، نظرة لقاء نظرة، يصل الحالم بعينه السوداء. الغار هو عين السيكلوب (63) (cyclope). فقد كان عمل فيكتور هوغو ، يقدم أمثلة عديدة ، لتلك الرؤية السوداء للمغارات و الكهوف. كانت النظرات تتقاطع من قصيدة لأخرى:

أيها الغار العتيق ، أمام تقطيب حاجب عينك ...
( V .Hugo ,Toute la lyre , I , P 121 )

أنا أحلم. أنا عين الكهوف الشاخصة.
( V .Hugo , Le satyre, P . 22)(64)
من المرجح أنه تم التعود على لعبة الانعكاس هذه، التي ترسخ واقعية الصورة في الإنسان تارة ، وفي الكون تارة أخرى . غير أنه لا يتم إدراك أقل مما ينبغي ـ أن لعبة الانعكاس تلك، هي التي تنشئ ديناميكية المخيلة المبدعة . فبواسطة هذه اللعبة، تتقوى حياتنا النفسانية (Psychisme ) . فهي تقوم بتأليف نوع من الاستعارة التامة وذلك بنقل المفهومين الفلسفيين للذات و العالم .
و ينبغي أن يعاش هذا التنقيل ، بخصوص الصور الأكثر هشاشة، الأكثر زوالا، الصور الأقل وضوحا مهما كانت. تلكم هي صورة نظرة المغارة . فكيف يكون
بإمكان هذا الثقب الأسود ، أن يقدم صورة مقبولة من أجل نظرة عميقة ؟ إنه ينبغي التوفر على كمية من التأملات الشاردة الأرضية؛ وساطة السواد عمقيا، [وساطة] الأسود بدون محتوى ، أو على الأقل بدون محتوى آخر سوى عمقه . فضمن جهد مبذول بغاية فهم صور الطبيعة، الأجدر بنا أن نقرأ غيوم أبو لينير (65)
( Guillaume Apollinaire) قائلا في حق بيكاسو (66) ( Picasso) ( المصورون التكعيبيون ) (67) : «...أضواؤه الكثيفة و الخافتة كأضواء المغارات .» هناك انطباع – نظرة لقاء نظرة – ضمن سيادة العمق ذاتها ، بأن الأضواء الكهفية تتطلع إلى الرسام بنظرة عميقة . وتحديدا كتب غيوم أبولينير أيضا: « لقد تعود بيكاسو على الضوء الهائل للأعماق .»
إن مجمل إرادة الرؤية تتأكد في النظرة الراسخة للكهوف . حينئذ يكون المدار المقوى هاوية مهددة. ففي [رواية] نوتر دام دو باري
(Notre- Dame deParis ) ، كتب هوغو ، شاعر النظرة المثالية( 1،ص.259) : « بؤبؤه [الكهف] المتقد تحت قوس حاجب أكثر عمقا ، مثل ضوء يوجد في قعر غار .»
ففي المغارة ، يبدو أن السواد يتلألأ . صور لا تتحمل، من وجهة نظر واقعية ، التحليل ، يتم قبولها من لدن المخيلة المبدعة للنظرة السوداء . وهكذا كتبت فيرجينيا وولف ( Virginia Woolf).( الموجات ، مترجم ، ص ، 17) : « في أعماق مغارات أوراق الشجر تشع أعين العصافير .» إن عينا تحيا في ثقب تراب أسود لتثير فينا انفعالا لا مثيل له. فقد كتبت جوزفين جونسون (68) ( Joséphine Johnson) (نوفمبر ، مترجم ص .75) : « أنظر... ثم أبصرت النظرة الكابية ، المركزة ، للبوم المخطط . لقد كانت فراخا ٬ وكانت عيونها تشبه الحصى . كنت مهيأة للانفجار انفعالا...» فعبر عين البومة الصمعاء ، يقبل الثقب الأسود للجدار العتيق على الرؤية .
IV


إن تصنيفا للمغارات المشكلة عبر المخيلة المبدعة في كهوف الرعب ، و كهوف الانبهار ، كان يقدم جدلية كافية لتوضيح ازدواجية (L’ambivalence) صورة العالم الديماسي برمتها . فابتداء من العتبة ، يكون بإمكان المرء أن يدرك تركيبا للرعب و الانبهار، رغبة في الولوج و خوفا من الولوج. فهاهنا تقوم العتبة باتخاذ قرارها الهام .
يتم نقل هذه الازدواجية الأساسية إلى ألعاب قيم عديدة و أكثر دقة ، و التي هي بالضبط تعتبر قيما أدبية . فهاته القيم هي التي تعتبر بالنسبة لبعض الذهنيات، عملت على بعث صفحات بقيت ، بالنسبة للغير ، استعارات باهتة. تلكم هي المغارات الرومانسية . وقد تعمل قراءة محقرة على بترها [المغارات] من المحكي . ومع ذلك ، فغالبا ما كان الكهف هو الذي يمنح معناه ووظائفه للمشهد الطبيعي الرومانسي . سنقتصر على سوق مثال مأخوذ من الأطروحة القيمة لروبير ميندر (69) . (Robert Minder) حول لود فيغ تيك (70) ( Ludwig Tieck) . وسنرى،أن المغارة التيكية تقوم على طريقتها ، بصناعة السحر الرومانسي للمشهد الطبيعي ( ص.250 ) : « غالبا ما تعتبر المغارة لدى تيك غاية للمشهد الطبيعي ، [غاية] العزلة الأكثر إلغازا ، و التي تفضي إليها الغابات و الجبال . فعلى مستوى سحري صريح ، يتضمن إلى ذلك الحين عناصر نصف سحرية، نصف واقعية للمنظر الطبيعي التيكي ( ؛ فالبحث في هذه المغارة العجيبة يعبر شعريا عن حنين كامن أبدا : ال[حنين] إلى الفردوس الأصلي ، إذ طالما تأسف الطفل عن فقدانه . فبولوجهم المغارة ، يكون لدى الأبطال إحساس المساهمة، في تحقيق أمنياتهم الأكثر قدما؛ و بالنهاية، فإن العالم الشعري ، كاملا يتطابق ،أحيانا ، لدى تيك مع مغارة مدهشة .» هكذا يكتشف الشاعر بالفطرة ، جل أساطير المغارة الكونية ، و المغارة السحرية ، حيث يتحقق المصير الإنساني . فهذا روبير ميندر ينقل قصيدة شعرية لتيك ، ترجمها ألبيربيغان (71) ( Albert Béguin)
(الكأس الذهبي) :
بعيدا، مختف في الأدغال ،
ثمة مغارة ، منسية لأمد بعيد .
لا يكاد يتعرف المرء على بابها ثانية
إلى حد أنها توجد مدفونة في اللبلاب بعمق.
يحجبها قرنفل أحمر بري
بالداخل، أصوات هادئة، غريبة،
أحيانا تصبح عنيفة، ثم تتلاشى
إلى موسيقى هادئة ...
أو مثل حيوانات محبوسة بهدوء
[ تتأوه ،
إنها مغارة الطفولة السحرية.
ليكن مسموحا للشاعر بفتح بابها.
إذا قيمنا جيدا هذا المنظور المزدوج لعمق المغارة ، المختفية وراء دغل العارشات و اللبلاب ، تخفيها قرنفلات برية ، وذكريات بعيدة لطفولة سحرية ، سنفهم حقيقة ، أن المغارة هي المنظر الطبيعي عمقيا ، العمق اللازم لمنظر طبيعي رومانسي . يتذكر روبير ميندر ، بدقة بأن شارل بودوان (72) ( Charles Baudouin) لم يجد أدنى صعوبة كي يبين بأن العودة إلى المغارة السحرية هي عودة إلى الأم ، عودة الابن الضال الذي تحمل ، في أسفاره الطويلة ، أخطاء و تعاسات .
V

كذلك هو الشأن، بالنسبة لحالم المغارة ، فالمغارة هي أكثر من منزل ، ﺇنها كائن يستجيب إلى كينونتنا بالصوت ، بالنظرة ، بنفس ما .وهي إضافة إلى ذلك تعتبر كونا . يتساءل سانتفيس (ص 47) ما إذا لم يتم اعتبار المغارات في الدهر الرابع « بمثابة اختزال للكون ، عقد القبة ممثلا للسماء ، و اعتبر سطح الأرض بصفته مجموع الأرض ». فقد عثر على احتمال كبير، مفاده أن بعض الكهوف قد ثم « تجويفها و تهيئتها تبعا لقواعد هندسة ، عليها أن تعكس صورة الكون» ( ص 48). و مهما حدث ، فإن دوافع المنفعة ، التي غالبا ما تم الزعم بالتسليم بها ، هي ليست كافية لفهم دور المغارات ، و الكهوف في [حقبة] ما قبل التاريخ . تظل المغارة مكانا سحريا ، و لا ينبغي الاندهاش لكونها تستمر في التواجد ، مثالا أصليا ، مؤثرا في لاشعور الناس .كما قدم سانتفيس أيضا مثالا لأساطير بدائية ، حيث يمثل الكهف رحما كونيا. ففي بعض الأساطير، يخرج القمر و الشمس، و كافة الكائنات الحية من كهف معين . وبشكل خاص ، فالمغارة هي نشأة الإنسان(anthropogonique) . ففي أسطورة لبيرو Pérou) (، توجد مغارة تنعت ب « بيت التكوين » ( ص 52) . وقد استشهد سانتفيس بالدوتيرونوم (73) (Deutéronome) .(xxxII)


و أرضعه عسلا من حجر ، وزيتا من صوان الصخر

الصخر الذي ولدك تركته.
ففي آية [بسفر النبي] إشعياء (74) ( Isaïe) ، توجد إمكانية لفهم تنافذ الصورة و الواقع : التحدر من جلمود ، التحدر من جد أول . « اُنظروا إلى الصخر الذي منه قطعتم ، و إلى نقرة الجب التي منها حفرتم . اُنظروا إلى إبراهيم أبيكم » (75) و مثل كل الوثائق الغنية بالحلم ، فإنه يكون بالإمكان فهم نص ما ، سواء في رمزيته الصريحة ، أو في واقعه الحلمي العميق . عبر تفاصيل عدة ، تسمح المغارة باكتشاف الهلسنة البصرية للبيضة ، كل الهلسنة البصرية لنوم الخادرات الهادئ . إنه ضريح الوجود اليومي ، الضريح الذي
نغادره كل صباح ، أقوياء بنوم الأرض.
لقد حاول سانتفيس أن يدرج ثانية ، مكونات واقعية في رمزية الفلاسفة. فبالنسبة إليه، ليست أسطورة كهف أفلاطون استعارة بسيطة. إن الكهف بمثابة كون (cosmos) (76) . يزهد الفيلسوف في العقل ، بيد أن هذا الزهد يحدث بشكل طبيعي في « الغار الكوني للمسارات ». تشتغل المسارة بالضبط، في منطقة عبور الأحلام والأفكار؛ المغارة هي مشهد حيث نور النهار ينتج الدياجير الديماسية.
ففي المغارة يسود نور مفعم بالحلم ، وأن الظلال المنعكسة على الحيطان يمكن مقارنتها بسهولة مع صور الحلم. يستحضر بيير مكسيم شوهل (77) (Pierre Maxime schuhl) – بخصوص أسطورة كهف أفلاطون- بدقة قيما لا شعورية شديدة الخفاء، متباعدة جدا. يميل الشرح التقليدي إلى تفسير الأسطورة بوصفها استعارة بسيطة، وبالتالي فقد كان بإمكان المرء أن يندهش ، بأن سجناء الكهف قد استسلموا إلى خيالات الظل البسيطة. فللأسطورة عمق آخر. يوجد الحالم مكبلا بقيم الكهوف. إنها تمتلك واقعا مضمنا في لا وعي ما. لن ندرس إذن النصوص في كليتها، إذا ما قرأناها فقط بوصفها استعارات ، - إذا ما توجهنا على الفور إلى أجزائها الواضحة. إن أفلاطون، بالنسبة لبروزوليسكي (78)(Przyluski) كان سيقدم وصفا كان يشكل « على الأرجح جزءا من طقوس دينية ، كتلك التي كان يتم الاحتفال بها ، زمن الاطلاع على الأسرار الخفية» في كهوف. وتمتلك تلك الأصداء اللاشعورية فائدة ضئيلة نسبة إلى التفكير الفلسفي. وكان بإمكانها [ الأصداء] حيازة نفع عميم إذا ما استأنفت الفلسفة الاعتقاد في حدوسها.
بيد أن اللعبة الهندسية للأضواء تنوس بين الأفكار الصريحة والصور العميقة. هناك تأمل شارد أدبي يوحد بين الترهينين الاثنين.
أحيانا، وبفعل تعرضها لضوء الشمس ، تمتلك المغارة نوعا من المزولة الشمسية الطبيعية. ومن غير المألوف ، أن يشكل ذلك مراسم حقيقية ، لولوج الشمس إلى قعر مغارة ، يحدد ساعة قربان الأمازونية (L’Amazone fugitive) الهاربة في خرافة د.ه. لورانس (D.H.Lawrence) ؛ خرافة توحش ديني عظيم، خرافة موسومة بمدلول خيالي ، دون أن نملك القدرة كي نفترض له تأثيرا نظريا. إن الكهف ينتظر الشمس.
إن شعر أقبية الكنائس، التأمل بداخل المعبد الديماسي كانا سيتيحان الفرصة لملاحظات كلاسيكية. لن نشير سوى إلى اتجاه واحد للحلم، ذلك الذي يعثر على المغارة في قبو الكنسية، ذلك الذي يسبح بعمق في اللاشعور، في المعنى ذاته لقصيدة بودلير(79) ( Baudelaire): الحياة السابقة. في المعابد ذات « الأروقة الرحبة»:

وأن دعائمها الطويلة مستقيمة ومهيبة
أصبحت موازية، ليلا، للكهوف البزلتية،
يستعيد الشاعر حياة سابقة، لأحلام بدائية، قبو كنيسة (crypte)اللاشعور ولاشعور قبو الكنيسة.
لقد قلنا في بداية هذا الفصل بأن زائر المغارة يحلم بترتيبها. ثمة تأمل شارد معكوس يعيدنا إلى البساطة البدائية. فالصرح الذي يشيده الإنسان تتم إعادته حينذاك بواسطة الحلم إلى الطبيعة. يتحول [الصرح] إلى تجويف طبيعي أو كما يقول د.ه. لورانس، « التجويف المثالي». لندرس هذه الصفحة حيث يرجع الحالم الكبير إلى الماضي الإنساني ، الضارب في القدم انطباعات اليوم الذي ولى.
على رحبة كاتدرائية لنكولن (Lincoln) تأخذ، إحدى شخصيات رواية قوس قزح، مكانها عند عتبة ظل اللاشعور ( مترجم،ص. 160) : « لقد وجد نفسه مفتونا، تحت الكنة (Porche) ، على حافة الاكتشافات ذاتها. رفع رأسه نحو منظور الحجر الذي انفتح أمامه. لقد قضى في التجويف المثالي.»
يبدو أن الوعاء الممتلئ ظلا من قبل أشبه ببيضة هائلة ، يعمل الحالم مرة أخرى على بعث التأثيرات العميقة. ففي « الظل الفسيح» قلبه المرتجف «علا عشه الخاص »، « غاص قلبه في الدجنة، في الاستحواذ، انتشر تلاشى في هروب كبير، ارتعش في رحاب التجويف العميق، في الصمت وظل الوفرة، مثل بزرة الإنسال: في نشوة».
نشوة غريبة تلك التي تعيدنا إلى الحياة الديماسية، إلى حياة تتوخى الهبوط إلى [ الأمكنة] الديماسية.
ففي ظل هذا التجويف المثالي، لا يبقى الظل مضطربا أبدا، ولا مكدرا بحيوية الضوء. يعتبر التجويف المثالي عالما مغلقا، الكهف الكوني حيث تنشط مادة الشفق ذاتها.« فهاهنا كان الضوء الشفقي يشكل جوهر الحياة ذاته، الظل الملون، بداية النور والوجود. هنا بزغ أول فجر، هنا آل آخر ضوء الغروب إلى الزوال، فالظل الضارب في القدم – حيث أشرقت الحياة ثم أفلت- كان يعكس الصمت الهادئ والمطبق الضارب في القدم.»
إن القارئ الذي يتابع حلما ما ، يشعر جيدا أنه موجود أبدا في عالم مشيد، في معبد بارع العمارة، إنه[ يوجد] في مادة ظل معيشة ضمن الازدواجية الأكثر فطرية، ازدواجية الحياة والموت. ففي ظل هذا التجويف المثالي عمل لورانس ( ص.161) على تجمع «ظلمات الإنبات» و « ظلمات الموت». وهكذا اهتدى إلى هذا التركيب العميق للنوم، النوم الذي هو راحة وتكاثر، الذي هو«موت حي ». إن رمزية الإنبات ، الأكثر تأثيرا في عمل لورانس ، تعتبر هنا رمزية للنوم الديماسي ،رمزية شبه حياة ، [رمزية] حياة فوضى ، إذ لا يمكن فهمها سوى بغنائية اللاشعور. غالبا ما يتطابق العقل مع الذوق السليم ، بهدف اعتراض حياة الحالم الغنائية. ﺇنه لشيء مدهش للغاية أن الكائنات الأكثر ذكاء ، هي غالبا ما تعجز عن تعبير حقائق النوم ،أنشطة اللاشعور الذي ينمو – بداخل التجويف المثالي - مثل بزرة ، يمتص « سر عالم كامل بعناصره » مهما كان توجه المرء شطر الظل محدودا ، بعيدا عن الأشكال ، متخليا عن هموم الأبعاد ، فإنه لا يفوته أن يؤكد بأن صور البيت ، البطن ، الكهف ، البيضة ، (80) [صور] البزرة ، تتجه نحوالصورة العميقة ذاتها . حينما يتم التأمل مليا في اللاشعور ، تفقد خصوصية تلك الصور ، شيئا فشيئا ، كي تقبل بالقيم اللاشعورية للتجويف المثالي.
فكما سبق لنا ملاحظة ذلك ، غالبا ما تركز صور العمق على ذات المنافع .ففي هذا المسكن الغريب الذي هو –ضمن صيغه المختلفة – بيت ، مغارة ، متاهة حيث قاد هنري دو رينييه بطله السيد دامركور(Monsieur d’amercoeur) ، يسود المرأة :« فقد بدا [المسكن] لي وردة متفتحة في مدخل السبل الديماسية و الخطرة . فقد خلته صدعا يتجه نحو الآخرة عبره تغوص الأرواح...» كذلك فإن كل صور الكون – والمغارة واحدة منها ـ تكشف عن سيكولوجيا،و من ثم فقد كتب هنري دورينييه هذه الجملة حيث يضيق تركيب – صور العمق : « تنفست تجويف اللولب السحري(81).»
علاوة على ذلك ، تجدر الإشارة إلى أننا نعاني من صعوبة معينة ، بقصد توحيد صور متباينة جدا .و يبدو أنه بإمكان المرء أن يتبين في ضوء هذه الصعوبة ، هذا المنع العائد إلى العمق ، و الذي لم تخطئه حصافة علماء اللغة . فقد لاحظ ج . فندريس (82) ( J. vendryés) بأن العبارات الدالة على العمق اعتبرت ، لفترة طويلة ، علامة أكثر تحقيرا. ثمة خوف لفظي معين ، يشلنا حينما نفكر فيما يصدر عنا من قول ، لما نتخيل – عند عتبة المغارة – أننا نلج «بطن» الأرض.
لقد رغبنا على امتداد هذا الفصل ، في الإبقاء على بحثنا في اتجاه التأملات الشاردة الطبيعية ، مركزين بالخصوص على صور أدبية ، و التي يبدو أنها تأتي تلقائيا ، عبر ريشة الكتَّاب . و بالرغم من ذلك، فقد كان من السهل علينا ، مضاعفة الإحالات على تاريخ الأديان . توجد الوثائق المتعلقة بآلهة الكهوف بغزارة (83) . غير أنه إذا ما شئنا البرهنة على أن الغيران ، الحفر ، التجويفات ، تستدعي الإنسان إلى تأملات شاردة محددة ، فإنه لا ينبغي علينا أن نثقل كاهل أدلتنا ، بواسطة تقييم الأعراف المجهولة كليا ، من لدن معظم الحالمين .
أضف إلى ذلك ، فإذا كان بالإمكان تشييد مذهب للاشعور المكون ، فإنه كان بالإمكان أن نطلب من الأركيولوجيين إنشاء تأليفية ( Syncrétisme) معينة للصور . المغارة مسكن. هذه هي الصورة الأكثر وضوحا . و بالتالي فإن استدعاء أحلام ترابية، فإن هذا المسكن هو في الوقت نفسه ، أول مسكن و آخر مسكن . فهو يتحول إلى صورة للأمومة، للموت. فالاندفان في الكهف ، هو بمثابة عودة إلى الأم . يعتبر الكهف قبرا طبيعيا ، القبر الذي تشيده الأرض – الأم (Terre –Mére, La Mutter-Erde) . فكل تلك الأحلام تسكننا ، ويبدو أنه كان بإمكان الأركيولوجيا اتخاذها مرجعا لها . ولعل الأمر كان يبدو حينئذ أقل «مفارقة» تمكننا من الحديث عن «ضريح زيوس» . تبرهن الكلمة المفارقة هذه ، بما فيه الكفاية ، أننا نقارب الأساطير على ضوء المنطق، لو أننا بقينا منفتحين على كل وقائع الحياة الدينية .« إن ما يسترعي الانتباه، يقول رود (Rohde) ، في أسطورة ضريح زيوس الكريثي ، أن الضريح الذي يتخذ ببساطة مكان الكهف ، كمكان إقامة أبدية لإله حي بصفة أبدية ، تنم عن تعبير مفارق ، يدل على أن هذا الإله ، يرتبط بهذا المكان باستمرار . و بالطبع ، فإن هذا يدعو إلى التفكير في التقاليد ، ليست تلك الأقل تناقضا و التي تمت بصلة إلى ضريح إله دلف . فَتَحتَ الحجر السري (84) (Omphalos) لإلهة الأرض ( TERRE) ، في أبولون)(85) ( Apollon) ، بناء على شكل قبة ، يذكر بالأضرحة الأكثر قدما ، يوجد كائن إلهي مدفون ،إذ تصرح شهادات موثوق بها جدا ، أنه بيثون (86) (Python) ، غريم أبولون...» فأن توجد شعيرة ما متأصلة هكذا في مكان خاص ، هناك يوجد بدون شك ، باعث للتاريخ مصلحة في دراسته . غير أن هذا التأصيل لا يعتبر استعارة بسيطة دائما . فلماذا لا يخص آنذاك تركيب الصور بالعناية ؟ فوجود بيثون تحت أومفالوس إلهة الأرض ، ألا يعتبر تركيبا متعدد التكافؤ للحياة و الموت ؟
بناء على ذلك، فنحن ندرك ضرورة دراسة الأساطير و الشعائر ، من وجهة نظر التأملات الشاردة الطبيعية. زد على ذلك ، هل كان بإمكان الأساطير أن تنتقل حقيقة ، إذا لم تكن قد تأثرت مباشرة بالارتباط باللاشعور ؟ فعبر اللاشعور ، ينشأ نظام احتمال يضعف كل أثر للمفارقة. إن جدلية الحياة و الموت ، توجد مكبوتة حينئذ لصالح حالة تأليفية . فالبطل المكفن يعيش في باطن الأرض ،عبر حياة بطيئة، غافية ، لكنها سرمدية .
حينما نرغب في اختيار متوالية أخرى من الصور الترابية ، و التي سوف نعمل على الوصل فيما بينها ، في الفصل الخاص بالثعبان ( Serpent)، سوف لن نستغرب من تركيب جديد غالبا ما يعمل على تحويل الأبطال المكفنين إلى ثعابين . وهكذا سجل رود ( ص 113) : « يقيم إريكتيه (87) ( Erechtée) ، حيا باستمرار ، في قبو كنيسة عميق من هذا المعبد ، على شكل ثعبان ، شأنه شأن الأرواح الأخرى للتراب.» كذلك فإن مصيرا معينا للصور يخلص إلى منح الكائنات
الترابية خلودا . سنرى فيما بعد ، بأن الثعبان يتمتع – في الأساطير – بحياة مديدة ، ليس من خلال الرمز الجلي للأوروبوروس ( L’ouroboros)
( الثعبان الذي يلدغ ذنبه) ، لكن أيضا بصيغة عملية وجوهرية أكثر .
هكذا تستضيف المغارة الأحلام الترابية أكثر فأكثر. فالمكوث بالمغارة هو الشروع في تأمل ترابي، هو المساهمة في حياة التراب ، في باطن الأرض الأمومية .
ــــ
هوامش
1 نشأ غاستون باشلار Gaston Bachelard) ( في 27 يونيو 1884 ، في منطقة تدعى شامبانياChampagne) ( ببار ـ سور ـ أوب Bar – sur – aube) ( . قضى طفولته في إقليم ريفي ، حيث الإنسان لم يفقد بعد صلته بالعناصر الأولية ؛ وبعد أن حاز على شهادة البكالوريا ، التحق بإدارة البريد ( 1903 ـ 1913 ).
هيأ مباراة الطلبة مهندسي البرق ، كما أنهى بالتوازي مع ذلك ، إجازته في الرياضيات . حطمت حرب 1914 ـ 1918 مستقبله . أصبح أستاذا للعلوم بكوليج بار ـ سور ـ أوب من 1919 إلى 1930 . وفي عامه الخامس والثلاثين نشر دراسات جديدة . مبرز في الفلسفة سنة 1922 ، أصبح علاوة على تدريسه للعلوم ، أستاذا للفلسفة . وفي سنة 1928 ، ظهرت أطروحتان ، نوقشتا في سنة 1927 ، بحث في المعرفة التقريبية ودراسة حول تطور قضية في الفيزياء ، التوالد الحراري في المواد الصلبة .
نشر سنة 1934 العقل العلمي الجديد ، وتشكل العقل العلمي سنة 1938 ، وفلسفة الرفض سنة 1940 ، و الماء والحلام في 1942 ، التراب وتأملات الراحة الشاردة في عام 1948 .التحق بأكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية 1955 ، ونال الجائزة الوطنية الكبرى للآداب سنة 1961 ، وهي السنة التي سيظهر له فيها كتابه شعلة قنديل . توفي سنة 1962 . (المترجم)
2 دون كيخوتيه دلامنتشا . بطل الرواية الشهيرة لكاتبها سرفانتيس . (م)
3 يوجد كهف مونتسينوس Montésenos) (في وسط إقليم المنتشا . كان له فتحة واسعة مملوءة بالزعرور ، والشوك والتين البري والعليق الكثيف . يبلغ عمق هذا الكهف 60 مترا . ويقع في ناحية قرية اسمها " أوسادي مونتيل " . وكان هدف دون كيخوتيه من دخوله ، هو اكتشاف ما به من عجائب وغرائب ، سمع عنها في كل حدب وصوب . (م)
4 المقصود ب" طفليَّ " هنا هو : سنشو بنثا وابن العم . (م)
5 ميغيل دي سرفانتيس سافدرا (1547 ـ 1616) كاتب من أصول إسبانية . من أعماله : " غلاطيا " وهي رواية رعوية . ظهر الجزء الأول من رائعته دون كيخوتيه سنة 1605 ، بينما تأخر ظهور جزئها الثاني في حدود سنة 1614 . (م)
6 جهنمي chthonien) ( ، صفة تنسب إلى عدد من الإلهات الأسطورية اللواتي يعشن ، حسب رأي الوثنيين ، في أعماق الأرض . (م)
7 سانتفيس بيير Saintyves Pierre) ( من أعماله : الطقوس الشعبية ( تفتيشات صبيانية وأبحاث موسمية ) . خرافات بيرولت ، أسطورتان إنجيليتان . خرافات بيرولت ومحكيات موازية مصادرها ، أعراف بدائية وطقوس . (م)
8 بورفير Porphyre) (234 ـ 305(، فيلسوف أفلاطوني محدث ، من مدرسة الإسكندرية ، مريد ، نشر العديد من الكتب ( أحرقت في سنة 448 ) ضد المسيحية . (م)
9 مسارِّي ( متعلق بالمسارَّة ) . تشير عبارة مسارة قديما ، إلى مجموعة من الاحتفالات ، كانت تقام لإيقاف عضو جديد على بعض الأسرار . وهي تفيد اليوم إطلاع فرد ما على علم أو فن أو مهنة . فقد ظلت مجموعة من الممارسات لمهن مختلفة ( حدادة ـ كيمياء ـ بناء ) محفوفة بالسرية ، من قبل أصحابها الذين لم يعملوا على كشفها إلا على مراحل إلى متعلميهم . وقد قام علماء السلالة بتمييز ثلاثة أنواع :
أ ـ مسارة قبلية ( إدماج الشباب في فئة البالغين ).
ب ـ مسارة دينية ( فتح الباب في وجه الجمعيات السرية أو في وجه أخويات مغلقة .
ج ـ مسارة سحرية ( تلك التي تخلت عن الشرط الإنساني العادي قصد امتلاك سلط فوق طبيعية . فإذا كان النوع الأول يتضمن بصفة دائمة ، جزءا دينيا ويؤسس الطقسي على نماذج أصلية أسطورية ، فإنه ينشئ طقس انتقال مدنس ، على خلاف الثاني ؛ فإذا كانت مهمة الأول تنحصر في إدماج الفرد في المجتمع ، فإن النوع الثالث يفصله منه . فبالرغم من هذه الاختلافات ، فإنه يمكن تعريف المسارة بأنها " سيرورة تهدف إلى إنجاز ـ سيكولوجيا ـ الانتقال من حالة دنيا معروفة ، للوجود إلى حالة عليا " . (م) روجيه باستيد Roger Bastide ) ( انظر الموسوعة الإلكترونية (م)
10 دميترا Déméter) ( : إلهة إغريقية للأرض المزروعة ، ابنة كرونوس وريا ، وأخت زيوس . (م)
11 ديونيزوس : ولد زيوس وسميليا المميتة . يطابق باخوس في الميثولوجيا الرومانية . يعتبر الفن والشعر من أهم شعائره . وقد ساهم في ظهور المسرح الإغريقي . (م)
12 مثرا Mithra) ( : إلهة الغرس . ومثرا تعني " صديق " في الفيدية أو " عقد " ، ظهرت في 500 قبل ميلاد المسيح ، وقد تم الاحتفاء بشعائرها بشكل واسع في العالم الهلنستي . (م)
13 سيبيليا Cybèle) ( : إلهة الخصوبة ، انتقلت شعائرها من فريجيا في العالم الإغريقي ـ الروماني في القرن الثالث قبل الميلاد . ماثلها اليونانيون بريا Rhéa) (
14 أتيس أو أتيوس Attis ou Atys) ( : إله فريجي ، راع شاب محبوب من طرف سيبيليا ، وقد تم نقل عبادته مع عبادة سيبيليا من الشرق إلى الغرب . (م)
15 ديماسية : ديماسي ، تحت أرضي ( واقع تحت الأرض ) . (م)
16 آثرنا ترجمة عبارة imagination) (بالمخيلة المبدعة أو الخلاقة . لذلك فإن توظيفها من قبل باشلار يندرج في هذا السياق . فهي قوة عظمى للطبيعة الإنسانية . ويمكن تعريفها بوصفها ملكة لإنتاج الصور مع التمييز جيدا الصورة عن الذكرى . فإذا كانت الذاكرة تعيدنا إلى الحاضر ، فإن الصورة تقودنا نحو المستقبل .( م)
17 حصري angoissant) (: نسبة إلى مفهوم الحصر النفسي في التحليل النفسي . ويشير لدى هيديغر وسارتر إلى القلق . وتعود جذوره إلى أصول وحمولات ميتافيزيقية ودينية ، ترتبط أساسا بالسقوط والتخلي والإهمال ، وهو ذات المفهوم الذي ، تجده في مستهل كتيب جان بول سارتر " الوجودية كنزعة إنسانية " . (م)
18 فلوريان " جان بيير كلاريس (Florian Hean – Pierre claris de) : كاتب فرنسي ، الابن الأصغر لأخت فولتير ، كتب رعويات ( مسرحيات ، أبطالها رعاة ) ، وروايات وكوميديات . (م)
19 جورج صاند Georges Sand) ( 1804 ـ 1876 : كاتبة فرنسية من أعمالها : (Rose et blanche) عام 1831 . (م)
20 شمبانيا : ذات الإقليم الذي رأى فيه باشلار النور أول مرة ، وتحديدا ببار ـ سور ـ أوب ، أقرب إلى منطقة مارن ـ العليا . (م)
21 شارل بودوان Charles Baudouin) ( 1893 ـ 1963 : محلل نفسي وفيلسوف . إنساني وشاعر . أسس في سنة 1920 المعهد الدولي لعلم النفس والطب النفسي . (م)
22 فيكتور هوغو : كاتب فرنسي له :" نوتردام دو باري " وهي رواية تاريخية . ألف مسرحيات عدة منها : " الملك يتلهى " ، وكتب الشعر أيضا " أوراق الخريف " ، " أناشيد الأفول " ورائعته الروائية : البؤساء .( م)
23 هنري دورينييه Henri de Régnier) ( 1864 ـ 1936 : كاتب فرنسي وشاعر رمزي . انظر : " الألقاب البسيطة والربانية " و " النعل الخفيف " و "زواج منتصف الليل " . (م)
24 بول ماسون ـ أورسول Paul Masson – oursel) ( 1882 ـ 1956 : مستشرق وفيلسوف فرنسي ، بروفيسور بمدرسة الدراسات العليا ، له : دراسات الفلسفة المقارنة ، وهي عبارة عن مقالات مختلفة ، نشرت بين 1911 و 1918 .
ـ الفلسفة في الشرق
ـ علم النفس والحياة . (م)
25 نموذج أصلي ، بنية أساسية . فبالنسبة لأفلاطون ، إن الأشياء التي تقع تحت أبصارنا ، والتي نعتبرها أشياء واقعية ، فهي ليست سوى ظلال للواقع الحقيقي . إنها ظلال نماذج أصلية تسمى أيضا أفكارا تتموضع في عالم آخر ، غير مرئي ومكتمل . ويعتبر كارل غوستاف يونغ ، هو من عمل على إشاعة استعمال مفهوم النموذج الأصلي ، بدءا من سنة 1912 ، وقد منحه قيمة تقنية في سيكولوجيا اللاشعور ؛ وبالنسبة لهذا المحلل النفساني ، فإن اللاشعور الفردي ينحدر من لاشعور جمعي ، ويغطي هذا اللاشعور أنماطا أصلية من التمثلات الرمزية ، والتي هي عبارة عن نماذج للسلوك . ويعتبر النموذج الأصلي ، في عرف هنري دوميري ، صورة أولية ، صورة أم ، تلك التي تغذي الصور الشخصية انطلاقا من رأسمال عتيق تستثمره الأساطير والأديان . (م)
26 من روايات جورج صاند ، صدرت سنة 1842 ـ 1843 . (م)
27 عنوان لملحمة شعرية للكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين ، الذي يعتبر واحدا من بين الشعراء الرومانسيين الكبار ، وقد أصدر جوسلين ( ملحمة شعرية مطولة ) في 1836 . وهي قصة النفس البشرية ، وفضلا عن ذلك ، فإنها تعتبر محكي علاقة غرامية . (م)
28 دانينزيو غابريال d’Annunzio Gabriele) ( 1863 ـ 1938 : كاتب إيطالي . من أشعاره : مدائح للسماء ، للبحر ، للأرض وللأبطال ، ومن رواياته : طفل اللذة . (م)
29 سينانكور إثيان بيفيردو Senancour Etienne pivert de ) ( 1770 ـ 1846 : كاتب فرنسي : تأملات شاردة حول الطبيعة البدائية للإنسان ، رواية Werther) ( . (م)
30 دوسينانكور ، بدائي ، ص 59 . المؤلف
31 طورو هنري Thoreau Henry) ( 1817 ـ 1862 : كاتب أمريكي . كانت تربطه بإمرسون صداقة . ويعتبر كتابه Walden) ( أو الحياة في الغابة ، سردا سيرذاتيا وبحثا . (م)
32 يبدو الظل ، بالنسبة لألان دولوني Alain Delaunay) ( ، مثل واقع ينوء بثقل الحصر النفسي الإنساني . كما يربط موطن الموت بمملكة الظلال وبالروح . ويذكر ذات الباحث بالطابوهات التي تحيط بظاهرة الظل في العديد من الثقافات : عدم السير في ظل الغير ، عدم اللعب بظل أحد الأشخاص أو بالظل الشخصي ذاته . إن الظل هو أشبه ما يكون بقرين للجسد ؛ كما يرمز الظل أيضا إلى حضور مهدد ، إلى حضور ممتنع ومجهول وملازم . لذلك فإن الحصر النفسي ، يفسره مدى شعور المرء بأنه متبوع ومراقب . يتقاطع الظل مع اللامرئي الخفي ، المهدد . ففي أساطير عديدة يكون الانتقال نحو المجهول ، بمثابة بوابة للظل وعتبة له . كما أن منتصف النهار ـ في ثقافات عدة ـ يعتبر ساعة الظل الأكثر خطرا . يسترد أفلاطون في أسطورة الكهف رمز الظل ـ توهم .
فسر كارل غوستاف يونغ رمزية الظل ، بوصفها تجل واع لنموذج أصلي رئيس لسيرورة التفرد . لذلك فإن مواجهة الشخص لذاته تشكل أول اختبار للأنا . ويمكن للظل أن يظهر في الأحلام، على صورة شخصية معتمة مهددة ، ذات وجه خفي . وغالبا ما يتم تقديم الظل في الأسطورة ، على شكل صورة حائط يعوق كل تقدم للبطل ، أو يسجنه في متاهة مهدِّدة . كما أنه يعتبر الوجه الأول للاشعور . (م)
33 وولف فيرجينيا Woolf Virginia) ( 1882 ـ 1941 : كاتبة إنجليزية . روائية معروفة بقراءتها لبروست وجيمس جويس ، قامت بتحطيم الزمن الروائي لصالح الزمن العاطفي . فهي تعمل على تفجير مدة المحكي عبر الوصف الذاتي للحظة في تعقيداتها ، غناها وخوائها . لها : الموجات ، أورلاندو . (م)
34 إن إرادة الحلول في المكان توا ، والتي عبر عنها غي دي موباسان ، بشكل لافت للنظر وهو يلج غرفة يجهلها( ضوء القمر .رسائلنا ، ص : 287) : " لما كنت وحيدا ، تفحصت الجدران أثاث البيت ، مظهر الشقة الخارجي كله ، كي أسكن فيها للراحة " . المؤلف
35 جيمس برونتون ستيفنسJames Brunton Stephens) ( : شاعر أوسترالي إسكتلندي . (م)
36 روسكان جون Ruskin Jhon) ( 1819 ـ 1900 : كاتب ، ناقد فني وعالم اجتماع إنجليزي . من أعماله : المصورون المعاصرون ، إنجيل أميان . (م)
37 أوغسطين تيري Augustin Thierry ) ( 1795 ـ 1856 : مؤرخ فرنسي . من أعماله : تاريخ غزو النورمانديين لإنكلترا . بحث في تشكل وتطور تاريخ الشعب . (م)
38 غيران موريس دي Guerin Maurice de) ( 1810 ـ 1839 : شاعر رومانسي فرنسي . (م)
39 أندريه بروتون ، point du jour) ( ص : 234 . المؤلف
40 تعتبر المالنخوليا حالة مرضية تتميز بالحزن وفقدان الرغبة في الحياة ، ويكون الزمن المعيش بطيئا ، ثقيلا ، بواسطة كف للتفكير . ويكون المريض مشدودا إلى ألمه المعنوي ، يعتريه إعياء ووهن ، عاملا على ترديد أفكار ذات صلة بما هو دني ء وشنيع وإجرامي ، وتوبيخ ذاتي . وبإمكان هذه الآفة الحدوث في غياب أي سبب واضح ، أو تبعا لحزن كبير (وفاة) . وهي غالبا ما تدخل في تطور ذهان منحصر . وقد تقود المريض إلى أفعال يائسة كالانتحار مثلا . عن : dictionnaire de la psychologie larousse – Bordas , 1997 p : 62 . (م)
41 لوتي جوليان بيير Loti Julien Pierre) (1850 ـ 1923 : ضابط بحرية وروائي فرنسي ، مؤلف لمحكيات أوطوبيوغرافية ذات مسحة غرائبية حزينة : ـ زواج لوتي
ـ السيدة أقحوانة . (م)
42 تشير العبارة البولنيزية " مانا " إلى قوة فوطبيعية ، والتي سعى كل من الإنجليزي روبرت رنولف ماريت ، والفرنسي مارسيل موس ، ضمن سياق السلالة الدينية ، إلى تحديد خصائصها : " إن تلك العبارة ، يقول موس ، موضحا ، تضم مجموعة من الأفكار التي نشير إليها بالعبارات التالية : القدرة على السحر ، الخاصية السحرية ، امتلاك سلطة سحرية ، أن تكون معزما ، التأثير بالسحر ، فهي [العبارة = المانا ] تقدم لنا سلسلة مفاهيم ، منتظمة تحت لفظة وحيدة [...] كما تحقق غموض العامل ، الطقس وأشياء تبدت لنا أساسية في السحر . لقد أضاف كلود ليفي ستراوس ، في تقديمه لكتاب مارسيل موس " سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا " ، إلى تصورات هذا الأخير ، صياغات مستوحاة من المفهوم اللساني للدال ، وبالنسبة إليه ، فإن " المانا " شأنها في ذلك شأن مفاهيم أخرى ، تعتبر ملازمة للبنية ذاتها للغة وهي ليست غاية لفكر سحري ـ متوحش ـ يصبح متمايزا عن الفكر المنطقي ( ويقدم كمثال بهذا الخصوص ، للغة الفرنسية ، مفهوم " فلان " أو شيء " ، أو مفهوم " فلان " أو " علاَّن " ، وبحسب تعبير ستراوس ، فإن " الإنسان يمتلك في منشئه دالا تاما " لم يعثر مباشرة على مدلوله ، كي يشكل من خلاله علامة : فعن هذا التفاوت تأتى تجديد علامات اللغة ، وفي غياب ذلك ، سيتم تحديده منذ البداية .
هناك وجود دائم في اللغة ، للدال بشكل مفرط ، وهو ما يسميه ليفي ستراوس ب" الدال العائم " والذي هو " المانا " : دال متناقض يسجل " قيمة رمزية صفر " في مقدوره أن يوضع على أي مدلول كان ، من أجل تشكيل كلمة جديدة .
وهكذا تجلت البنية المنطقية للفكر السحري ، والتي فُهمت خطأ من قبل العديد من السلاليين ، كونها تفتقد إلى الانسجام ، في حين أن التباساتها الظاهرة تنهض عن الكمال الإنشائي للغة ، بين دال ومدلول . (م)
43 روبانسون كروزوي : هو بطل رواية الكاتب دانيال ديفو ، ظهرت سنة 1719 ، وتعتبر لدى البعض أول رواية بالإنجليزية . أما العنوان الكامل لهذا العمل فهو : حياة ومغامرات غير المتوقعة لروبانسون كروزوي دو يورك ، بحار ، عاش 28 سنة في جزيرة مهجورة على شاطئ أمريكا ، قرب مصب نهر أوينوك العظيم ، بسبب غرق سفينة أهلك كل من كان فيها ، باستثناء روبنسون كروزوي ، وكيف تم انقاذه بطريقة غاية في الغرابة ، بواسطة قراصنة . (م)
44 فيرن جول Verne Jules) ( 1828 ـ 1905
كاتب فرنسي . ابتدأ مشواره الإبداعي بأعمال مسرحية . له : خمسة أسابيع في منطاد : الرواية ذات الاستباق العلمي . أسست بالأساس على التطور التكنولوجي الذي سمح بالمعرفة والبحث الإيجابي والاستيهامي وغزو الأراضي ، البحار والسماء . (م)
45 الرهط هو سرب من كلاب الصيد . (المنهل)
46 هوميروس : من أشهر الشعراء الإغريق ، مؤلف الإلياذة والأوديسة . فقد عاش بحسب هيرودوت في 850 قبل الميلاد . ويحكى أنه حينما أصبح طاعنا في السن ، أعمى " حيث أن اسمه يعني (انعدام النور " ) وفقيرا ، كان ينتقل من مدينة إلى أخرى ، مغنيا أشعاره .
47 إطاكا : إحدى الجزر الأيونية . ويعتبر عوليس ، حسب الأسطورة ، من ملوكها . (م)
48 سيلاس مارنر : هي رواية الكاتب الإنجليزي جورج إليوت صدرت سنة 1861 .
يمتهن سيلاس مارنر (البطل) مهنة الحياكة ، في مدينة صناعية . ويعتبر المانش رمزا من الرموز الرئيسة التي ابتكرها إليوت بهدف تصوير عزلة سيلاس مارنر . وفَّق إليوت في هذه الرواية بين الميل إلى الدعابة ، والرمزية الغنية ، مع مصالحة محددة من أجل ابتكار حكاية غير مألوفة للحب والأمل .
ترتاد الرواية أسئلة الحب المخلص ، مفهوم الطائفة ، دور الدين ، ووضع الناس في المجتمع الراقي و العائلة . بينما نجد أن الدين والورع الديني يلعبان دورا مهما ضمن هذا النص .
49 فيكتور هوغو ، أسطورة العصور ، هتزل ، الجزء الثالث ، ص : 27 . المؤلف
50 لورانس دافيد هربرت : 1885 ـ 1930 : روائي إنجليزي . تتمثل موضوعاته الكبرى ، المتناقضة في عمله بالانسجام الجنسي ( حيث يكون انفتاح الروح والجسد مفروضا فيه التخفيف من الحنين إلى ذكورة مهيمنة ) ، الاغتصاب ، الخنوثة ، العزلة والتدمير الذاتي .
51 تارديو جان Tardieu Jean) (( 1903 ـ 1995) : شاعر وكاتب مسرحي فرنسي . ملأ الأرض البوار التي تفصل المبتذل عن الغريب ، متلاعبا ب" تغيرات اللغة " في أشعاره وفي مسرحيات ذات صلة بمسرح العبث . (م)
52 مقالع تستعمل كسجن . (م)
53 مدينة ومرفأ إيطالي ، توجد على الشاطئ الشرقي لمدينة صقلية . (م)
54 دنيس القديم ( سيراقوزا ) : طاغية سيراقوزا من 405 إلى 367 ، اشتهر بفظائعه ، بالصراع مع القرطاجيين ، المسيطرين على جزء من صقلية . (م)
55 إن وعي ما هو عقلاني يبدو لنا غير منفصل ، بالنسبة لباشلار ، عن نفسانية تبدل ينبغي مع ذلك ، تجاوزها من أجل الوصول إلى النجاعة العقلانية . وتتركب هذه النفسانية ، في ذات الوقت من تعددية وجهات النظر ، من وضعية " أنت " أمام " أنا " ، وضعية تعمل على تشكيل " نحن نفكر ضمن إطار أننا نضبط أنفسنا بشكل متبادل " ـ كون الأدمغة ـ و[كون] مستقبل المعرفة الذي هو ليس ملكية ولا ضمانة ، بل هو مغامرة ومجازفة . إن الاستخدام الوحيد لعبارة " ذات " من لدن باشلار تقترن بعبارة " عقلاني " وهي تعتبر مؤشرا إضافيا لغياب تعارض جذري كان يوجد بين العلم والسيكولوجيا : ويلقي الأول بجذوره في الثانية ، غير أن هذه الأخيرة قد تغيرت : من منحدرة أصبحت صاعدة . (م)
56 دوما ألكسندر : كاتب فرنسي . من كتبه : الفرسان الملكيون الثلاثة ، كونت مونت ـ كريستو . ومن أعماله المسرحية : هنري الثالث . (م)
57 نوربيرت كاستريت ، في أعماق الهاويات ، ص : 197 . المؤلف
58 سيبيليا Sibylle) ( : امرأة اشتهرت بكونها تلقت من الإلهة هبة التنبؤ بالمستقبل . (م)
59 قوميز Cumes) ( ، مدينة قديمة ( تعرف حاليا بقوما ) إيطالية . (م)
60 طاركان المتغطرس Tarquin le Superbe) (: عاهل روما السابع والأخير . كان سلطانه قويا ، غير أن استبداده ألب عليه النبلاء الرومانيين ، الذين حرضوا الشعب ، مبررين ذلك باغتصاب لوكريس . نفوه وأقاموا الجمهورية .
61 ميشليه جيل Michlet Jules) ( 1798 ـ 1874 : مؤرخ وكاتب فرنسي له : تاريخ فرنسا ، تاريخ الثورة الفرنسية ، من أشعاره : الشعب ، العصفور .
62 ستايل هولستين الملقبة بمدام دوستايل : 1766 ـ 1817 ، كاتبة فرنسية ، لها : عن ألمانيا ، عن الأدب في صلاته بالمؤسسات الاجتماعية . دلفين .
63 سيكلوب : عملاق أسطوري بعين واحدة . (م)
64 جوليان غرين Julien Green) ( ، مينوي Minuit ص 49 : " كان المسافر ذو العشر سنوات ... يعرف بأن ثمة نظرة تشع في مدخل الكهوف . " ثم بيير لوتي ( في اتجاه أصفهان ، ص 128 ) : " فكلما كنا نبتعد ، كلما كان يبدو أن ثقب النواويس السوداء يلاحقنا مثل نظرات الموت . "
65 أبولنير ( ولهلم أبولنير دوكو ستروفدسكي الملقب بغيوم ) : شاعر من أصل إيطالي وبولوني . من أشعاره : كحول ، كاليغرامات ، وكان من بين الباعثين والمنظرين للحركة التكعيبية . (م)
66 بيكاسو بابلو : مصور ، رسام ، نقاش ، نحات وخزاف إسباني ، الفنان الأكثر شهرة في القرن العشرين .
67 التكعيبية : حركة فنية ظهرت في 1906 ـ 1907 وقطعت مع الرؤية الطبيعية التقليدية ، وذلك بتقديم الموضوع مجزءا ، ومفككا إلى مسطحات محوطة في فضاء ثلاثي الأبعاد أقل عمقا . وتعتبر لوحة بيكاسو أوانس أفينيون علامة تقليدية على نشأة التكعيبية . (م)
68 جوزفين جونسون : كاتبة أمريكية ، لها : الآن في نوفمبر ، روضة الشتاء وقصص أخرى .
69 روبير ميندر Robert Minder) ( 1902 ـ 1980 ، من بين كتبه : شاعر رومانسي ألماني
70 تيك لودفيغ Tieck Ludwig) ( ، 1773 ـ 1853(3 : شاعر ، مؤلف وكاتب مسرحي ألماني ، يلقب ب" ملك الرومانسية " .
71 ألبير بيغان Albert Béguin) ( 1901 ـ 1957 ، له : الروح الرومانسية والحلم ( أطروحة دوكتوراه ناقشها بجنيف ) . مونوغرافيتان ( باسكال وبرنانوس ) ومقدمات خص بها روايات عديدة لبالزاك . (م)
72 شارل بودوان Charles Baudouin) ( 1893 ـ 1963 ، سبق ذكره محلل نفسي وفيلسوف إنساني وشاعر . (م)
73 المقصود هنا سفر التثنية . اعتمدنا على النص العربي للعهد القديم . ففي النص الفرنسي نقرأ : Il le fait gouter le miel du rocher ey l’huile de la pierre dure ,
Tu oublies le rocher qui t’a mis au monde .(م)
74 إشعياء : أحد الأنبياء الأربعة الكبار ، معاصر لملوك يهوذا أشاز وإزياس . (م)
75 اعتمدنا هنا الترجمة العربية للعهد القديم . نقرأ في العهد القديم في ترجمته الفرنسية :
Regardez le rocher d’où l’on vous a taillés et la fosse d’où l’on vous a tirés . (م)
76 في الجزء الثاني من فاوست ، لغوته ، تقول الجوقة الموسيقية لفوركياس " إنك تتصرف مثلما لو أنه كان يوجد بتلك المغارات أمكنة للناس ، للغابات ، للمروج ، للسواقي ، للبحيرات ... "
77 بيير مكسيم شوهل Pierre Maxime Schuhl) ( ، 1902 ـ 1984 : مفكر فرنسي ، من أصول يهودية . ركز اهتمامه حول التفكير في الصلات بين المخيال والواقعي ، وحول تدخل العجيب في مواجهة العقلاني الذي يؤوله كعالم نفس وإبستمولوجي ، وذلك عبر العديد من أعماله نذكر منها :
ـ المخيلة المبدعة والعجيب ، الفكر والفعل .
ـ افلاطون وفن عصره ( أطروحة دوكتوراه ، عبارة عن بحث حول تشكل الفكر اليوناني ) .
ـ دراسة في الوهم الأفلاطوني . (م)
78 جان برزولوسكي انظر شوهل ، الوهم الفلاطوني ، الصفحتان 59 ـ 60 . يحيل شوهل على مقالة حول الاستغوار ، لر . ر . ماريث . المؤلف
79 بودلير شارل ، 1821 ـ 1867 : شاعر فرنسي . ذو طبيعة مركبة ، موزع بين " رعب الحياة وافتتانها " ، الخطيئة والبراءة ، فهو أقرب إلى الرومانسيين ، برناسي بميله للشكل ويبشر بالرمزية ، بواسطة القوة الإيحائية لأبياته الشعرية . له : " أزهار الشر " . أثارت ضجة وكلفته متابعات قضائية . " الفن الرومانسي " قصائد نثرية . (م)
80 تعتبر الكهوف والمغارات أمكنة قديمة جدا لطقس الإنسانية . إنها أمكنة مقدسة ، كما هو الشأن بالنسبة للمعابد ، وأمكنة المسارَّات فيما بعد .
تعتبر رمزية الكهف مزدوجة : صعود الروح أو هبوطها إلى الجحيم . فهو يمثل في الوقت نفسه قبة السماء وبوابة مملكة الظلمات والأشباح . إنه مركز العالم . فعندما تلحق الهابطة بالصاعدة ، فإنه يشكل دعامة العالم التي تربط السماء بالأرض . ففي " كهف الكنز أو كتاب آدم الشرقي " ( نص موضوع في القرن الخامس ) ، نقرأ : " ... دفن الأب الأول آدم في الكهف . أمر نوح الطاعن في السن ، ناجيا من الطوفان ، ابنه سام بجمع عظام الإنسان الأول من الكهف ، ودفنها من جديد ، لكن في مركز الأرض . "
ففي الميثولوجيا الأوروبية ، يشكل الكهف مأوى للعفاريت والتنانين ، حراس الكنز . فبوصفه مكانا وسيطا بين السماء والأرض ، بين المبدإ الذكوري والمبدإ الأنثوي ، يسمح بولوج الإلهي عبر ثقب الأرواح ، لكن أيضا عبر العودة إلى العالم الديماسي ، عبر الاستبطان . تمثل العزلة في الكهف ملاذا مطلقا .
إن ولوج الكهف يعني ، سيكولوجيا ، العودة إلى البطن الأمومي . يعتبر الكهف الرحم المنشئ للأم ، الرحم : إنه يرتبط بالمرأة والخصوبة . فهو يشكل في الغالب موطنا لولادة الآلهة والأبطال ( مترا ، يسوع ... ) ففي الكهوف ، لاوجود للزمن ، لا وجود للأمس ولا للغد ، لأن النهار والليل يتساويان هناك .
تعمل بعض طقوس المسارة على نقل المريد ، عبر الموت الرمزي إلى كهف ، أو ضريح ، إعادة إنتاج اصطناعي للكهف ، وبعد " وفاة " هذا الأخير يمكن أن يولد من جديد ضمن مستوى رفيع .
مات المسيح ، دفن في قبر محفور في الجلمود ، هبط إلى الجحيم كي يبعث أخيرا . تحول من إنسان إلى إله .
المصادر :
1 Biedermann , Hans / Caenave , Michel , Lismonde , Pascal , Encyclopedie des symboles , librairie générale francaise , Paris , 1996
2 chevalier , Jean , Gherbrant , Alain , Dictionnaire des symboles , Robert Laffont / Jupiter , Paris , 1982
3 champeaux de , Gerard , Stercks dom , Sebastien , Introduction au monde des symboles , coll . la nuit des temps , zodiaque .(م)
81 .Henry de Régnier , La Canne de Jaspe , p 60 المؤلف
821960 –1875 Joseph Vendryés عالم لسانيات فرنسي . من أعماله : اللغة ، مدخل لساني إلى التاريخ ، ديانة السلتيين .
مقالة في النحو المقارن للغات الكلاسيكية . (م)
83, trad . A . reymond , pp93 et suivant cf, par exemple , Rhode , psyché المؤلف
84 أومفالوس omphalos تفيد السرة باليونانية .
85 إله النهار الإغريقي . تشخيص للشمس ، رمز للنور . (م)
86 ثعبان هائل قام أبولون بقتله في جحره . (م)
87 ملك أثينا الأسطوري . (م)
مصدر النص :
ّـ فصل تحت عنوان : "المغارة " ، من كتاب لغاستون باشلار (La Terre et les Réveries du repos) التراب والتأملات الشاردة للراحة . سلسلة critica دار نشر سريز ـ تونس 1996 . الصفحات : 187 ـ 214