أحزاب لا تبدع حلولا . ذيول تراقص ذيولا

محمد التهامي بنيس
2019 / 10 / 10

أحزاب لا تبدع حلولا . ذيول تراقص ذيولا

ليس هو الحنين إلى الماضي النضالي من أجل الماضي , أو التغني والانتشاء بلحظاته الممتعة والحميمية السائدة . والتضامن في السراء والضراء . ولكن من أجل استحضار الإبداع السياسي واستلهام قضايا المجتمع وابتكار أساليب التعريف بها والدفاع عنها وإقناع الآخر بمضامينها وأهدافها , والانخراط الفعلي في كل محطاتها النضالية في إطار النظام السائد واللوائح الداخلية للحزب وبرامج الأنشطة التوعوية وأنشطة التكوين . حيث كان المحاضر يبدع وتبدع العروض وتبدع طرق التشارك في الورشات , وتقترح قصاصات بإبداعات خاصة في الكتابة والتوزيع . والتواصل بالصور والأشرطة وأساليب الخطابة المقنعة والمؤثرة . ويكون لذلك تأثيره في اتساع دائرة الاستقطاب وجاذبية الالتحاق بصفوف الحزب عن رغبة وطواعية واقتناع واستيعاب للمبادئ والقوانين , هذا الإبداع السياسي أو الإبداع في ممارسة السياسة والتفكير السياسي الخلاق , والتشبع بالأخلاق السياسية السامية التي كانت لزمن قريب تحبب السياسة للمواطنين وتجعل الحزب مدرسة في التكوين ومدرسة في الوطنية الصادقة . هذا النوع من الإبداع , غاب نهائيا عن الدواليب كما على الأنشطة – إن كانت هناك أنشطة – حيث تتجول في البلاد شمالا وجنوبا , وغربا وشرقا ولا تجد نشاطا حزبيا يستقطب حضورا . لأنه باختصار لن تجد ما يفيد , ولن تجد ما يساير اهتماماتك وحاجياتك , ولن تلمس إبداعا لحلول ما تعيشه ويعيشه عامة الناس من مشاكل . بل إذا كلفت نفسك وفضولك بحضور لقاء نادر , تخرج منه وقد ازددت ضبابية وغموضا والتباسا . ولو بحث أو تساءلت عن سبب هذا التردي السياسي , ستلمس أن الأحزاب اليوم – بدعوى التأقلم – تمارس أسلوب التقليد المعتمد على حفظ المعلومات وترويج التعليمات والتوجيهات الصادرة عن الجهات المهندسة للعمل السياسي والمحددة لأبعاده ومراميه . أي أن كل الأحزاب – وأقول كل الأحزاب – تفتقر للموهبة وإبداع الحلول . مع بعض التفاوت بين الخطأ والصواب . فلن تجد مثلا كاريزما تتوفر فيها حاسة سادسة متطورة , تقدر الأحداث قبل حدوثها من خلال معطيات مهما كانت شحيحة , تهتدي لطريق بلوغ الهدف من بين عدة طرق , ينظر إليها الممارس التقليدي أنها مستحيلة , ولكن إبداع الكاريزما , يجعلها تتحقق على أرض الواقع , وبحكم هذا التأثير والتأثر , تصبح لكل مناضلة ولكل مناضل حسب موقعه , كاريزما شخصية مبدعة مقترحة فاعلة تعمل فتحقق المستحيل . وهذا ما قال عنه خبراء السياسة " إذا كانت السياسة هي فن الممكن , فإن الإبداع في السياسة هو فن المستحيل "
والخلاصة . أن على أحزابنا بدل البكاء والتشكي من العزوف السياسي . أن تبدع وتجتهد سياسيا وفي كل الميادين , في تقديم إجابات وتبدع حلولا لمشاكلها الداخلية أولا , لأن ما كانت تتشدق به من أن الاختلاف دليل على الحركية الداخلية . أصبح خلافا حول المنهجية وحول التدبير وحول القناعات , ولربما حول المبادئ أيضا ثم ثانيا , تقدم إجابات وحلولا لقضايا المجتمع الذي هو أساس وجود هذه الأحزاب . بأن تبدع في البرامج . تبدع في صياغة البرامج . تبدع في إشراك المواطنين عامة والمناضلين الذين هم صلة الوصل مع المجتمع الذي ينتمون إليه . تبدع في الحضور اليومي والتواجد الفعلي لتعانق هموم الشعب وتدارسها وإبداع الحلول لها , وتكف عن الوقوف عند ويل للمصلين , بإعادة إنجاز التشخيص كأنه غاية وليس وسيلة لاقتراح حلول لمشاكله , فالمجتمع يعرف هذا التشخيص أكثر ممن يقوم بتشخيصه , لأنه جزء منه , بل هو حياته اليومية ومعاناته مع الركود الاقتصادي والبطالة والتعليم الرديء والعلاج المفقود والثقافة والفن المائعين والرياضة المتدهورة , والمحسوبية والزبونية واللامساواة , والفساد الإداري والفساد الأخلاقي و..و..و.. وأعتقد أنها ( أي الأحزاب ) في إطار اكتفائها بالتقليدية . لن تضيف جديدا عن أي تشخيص قامت به الجمعيات المعترف لها أو المؤسسات والمجالس المختصة . وعليها بدل قصر اهتماماتها على الاستوزار أو ما يضمن الاستفادة من الريع . أن تبدع ما يحقق هذا المطمح الجديد لتحقيق النموذج التنموي الجديد , بأن تكون الكفاءات وتصقل خبرتها وتجربتها , وتشجع مبادراتها ولا تتركها فعاليات مغمورة في طابور الانتظار , كي يتسنى لها إبراز حمولات أفكارها والتنافس بمشاريعها المبتكرة , سواء في التنظيم الداخلي وتطويره , أو عن طريق المساهمة في تدبير الشأن العام , الوطني والجهوي والمحلي , فروح الإبداع كما تقتصد في الكم وتنجح الكيف , تسلك أفضل الطرق الموصلة لحل الأزمات , وتعيد الثقة في العمل السياسي والتنموي الذي يجعل الجماهير في صلب اهتماماتها , ويدخلها في قلب النموذج التنموي الجديد بهدف حل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والأمنية , في كل ما هو مادي أو لا مادي , وبفعالية مقنعة وبإنجازات ملموسة , تبتدئ من تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة , أفقيا داخل هذه الأحزاب , وعموديا بتقليص أعدادها وإنهاء البلقنة التي لم يعد لوجودها أي مبرر . وتنتهي بالتنمية وخطوات التنمية , حتى لا يتحول النموذج التنموي الجديد , إلى نماذج التنمية السابقة التي مهما سجلت من نجاح لا ينكر , فإنها فشلت في إنصاف الشعب , وفشلت في معاقبة كثير من المخلين والمتلاعبين من السياسيين أو أصحاب المناصب السامية أو من المسؤولين عامة . وكل عودة حزبية للممارسة التقليدية في أي تشخيص , أو تشخيص للتشخيص - وبحكم أنها لا تحسن لحد الآن سوى التقليد - ستعيد علينا نفس الحقائق ونفس الأرقام ونفس الحالات ونفس النتائج ونفس الصراع من أجل الريع , بينما المطلوب هو إبداع الحلول , التي تسهم بحق في بلوغ النموذج التنموي المطلوب , وإلا فكل فئات الجماهير الشعبية بما لها من ذكاء وذكاء متطور, ستقول لا لوم علينا , ما دام هذا هو سر العزوف السياسي والتهرب والهروب من الأحزاب

فاس . محمد التهامي بنيس