أزمة نموذج أم أزمة إرادة ؟!

محمد بلمزيان
2019 / 10 / 9

لا شك أن النموذج التنموي الموعود في المغرب والذي تتصوره بعض الجهات أنه الخلاص لمشاكل البلاد والعباد للخروج من الأزمة المستشرية في مفاصل المجتمع، قد طرح سؤالا عريضا لامحالة عن هوية الطاقات التي ستدير هذه الملفات الثقيلة، بالشكل الذي يجعل الحكومة المرتقبة في نسختها المعدلة بغض الطرف عن مكوناتها واختلافاتها الإيديولوجية والسياسية، قادرة على بعث الأمل في نفوس الشعب، وعن أجندة لتنفيذ هذه المقاربة الجديدة ، وفق معايير وتحقيب مراحل التطبيق، حسب الأولويات والحاجات ، من أجل التنفيس عن الأوضاع الإجتماعية المقلقة والتي تزداد استفحالا ، في ظل ازدياد أزمة الشغل و نزيف الهجرة السرية؟ إننا لا نستبق الأحداث لنصدر أحكاما جاهزة حول مدى قابلية تحويل بعض الشعارات الأماني الى حقائق ملموسة ومدى وجودها أو جاهزيتها لدى هذه الأطياف المتطاحنة، ولا نستخف من الطاقات الموجودة هنا وهناك،وما يمتلكه أهل( الحل والعقد) من حلول قد ينظر إليها البعض كعصا سحرية لقلب الأوضاع الإجتماعية رأسا على عقب خاصة تلك المقاربات الطافحة بالأمل الزائد مع بعض التوابل من الشعبوية الغارقة الإبتذال والإسفاف المعهودة ، لكن ما يبعث على القلق وعدم الطمأنينة من المستقبل وعن هذه المؤشرات و تسارع الأحداث، في إعادة تشكيل خريطة سياسية لإدارة البلاد، هو أن بعض الإشارات الحزبية تبرهن الى أين وصلت بعض الممارسات السياسية في التعفن وغياب التخليق في صفوفها، و نندهش بالموازاة عن مدى غياب تربية سياسية وحزبية نظيفة في صفوف الأحزاب المتعطشة الى الحكم والفوز بأكبر عدد ممكن من الكراسي والمناصب، في اقتناص ماكر للفرص التي تتيحها العملية السياسية الغارقة في الإنتهازية والدفاع عن المصالح الضيقة، على حساب انهيار قيم تاريخية ونبل المهام الملقاة على عاتق أشخاص من المفروض أن تسند إليهم يوما تسيير شؤون عامة، وفظاعة إهمال العناية بالعنصر البشري والمنخرطين في صفوف هذه التنظيمات السياسية المتلهفة حد الجشع الى ممارسة العنف من أجل إقصاء الآخر وممارسة سياسة الأرض المحروقة داخل نفس التنظيم السياسي، فكيف نتصور النخب التي تنتجها هذه الإطارات كطاقات بشرية وتقترحها كبدائل لإدارة دواليب الدولة، في ظل استمرار تعاقب نفس الألوان والأشخاص على تدبير الشأن العام، وهو ما يجعل التخوف من تكرار نفس السيناريوهات ومراوحة التجربة لنفس المكان، انسجاما مع المثل القائل( من الخيمة خرجت مايلة) . إسناد المسؤولية في ظل تعاظم الأزمة التي تستشري في قطاعات مهمة في البلاد ، ستشكل ضربة قاضية لحلم إنتاج التحول ومعانقة التغيير للأوضاع القائمة، لسبب بسيط وهو أن الفريق غير المنسجم غالبا وثقل التركة السلبية في قطاعات كثيرة، وغياب ربط المسؤولية والمحاسبة، سيعيد السؤال الى المربع الأول ، طالما أن العديد من الملفات التي برهنت التقارير المنجزة على أنها مشوبة باختلالات عديدة همت العديد من القطاعات الحيوية، لم يستشعر المواطن العادي والبادي بأي أثر لمتابعتها والإجراءات المتخذة في شأنها ، كأرضية لانطلاق ورش تغيير أساليب العمل وإرساء دعامات لانبثاق مقاربة جديدة لمفهوم التدبير المحكم والرشيد، التي هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ قطاعات حيوية كالتعليم والصحة وإعادة الأمل الى الشباب الذي يعيش بجسده بأرض الوطن وعقله وراء البحار، يفكر في الهجرة بكل الطرق والأساليب صباح مساء، عبر توفير الشغل اللائق، عبر الإستفادة من التجارب الفاشلة التي راكمت الأحزان من خلال الإمعان في استنساخ النماذج منذ سنين طويلة، وتعاقب نفس الوجوه وتناوبها على تدبير تلك التجارب، بالرغم من فداحة الأضرار والمعوقات التي خلفتها في الجسد المجتمعي الذي أصبح غارقا في أزمات في شتى القطاعات ذات الطابع الإجتماعي المتوجهة الى الفئات الهشة من المجتمع. إن ربح رهان الغد له مداخل أساسية تبتديء من شروط العناصر الموضوعة في الواجهة كأطراف أسندت إليها دفة إدارة الشا، العام، من خلال التوفر على قدر من النزاهة والمصداقية قبل الكفاءة، لكون هذه الأخير إذا ما أخذت بعين الإعتبار كمقوم رئيسي في غياب الشرط الأول، سيعيد الأمور الى سالف عهدها إن لم نقل إنتاج تجربة في أسوأ صورة، دون أن نغفل عامل الدراية والمراس والتجربة المراكمة في هذا المجال أو ذاك، كل ذلك عبر
الإستفادة من أخطاء الماضي والتسلح بإرادة واضحة لتجاوز عقبات الحاضر لبناء أسس دعائم المستقبل.