-سكر أسود-..الصعود والفساد والمصائر المجهولة

محمود عبد الرحيم
2019 / 10 / 9

"سكر أسود" عنوان الرواية الجديدة للكاتب عمرو كمال حمودة الصادرة مؤخرا عن دار "الثقافة الجديدة" بالقاهرة لتكتمل ثلاثيته عن مصر المعاصرة التي بدأها بحقبة ثورة يوليو وحتي سبعينات القرن الماضي في "فيوليت والبكباشي" ثم حقبة مبارك حتى انتفاضة يناير في "السمسار، وها هو يكملها بعمله الجديد"سكر أسود" الممتد زمنيا حتى اللحظة الراهنة.
والخيط الرئيس الذي يجمع الروايات الثلاثة لعمرو حمودة هو الاقتراب من عالم الطبقة الوسطى سواء العليا منها أو الدنيا والتحولات التي تطرأ عليها صعودا وهبوطا وحالة الجدلية بين هذه الطبقة وما يدور في فلكها ووضعية المجتمع المصري بكل صراعاته وتناقضاته.
ولعل أبرز ما يسعى إليه الكاتب في مجمل اعماله هو تسليط الضوء على الفساد وشبكاته الممتدة للخارج، التي تضر الاقتصاد الوطني في مقتل، وتكشف عن تواطؤ بين فاسدي البيروقراطية الحكومية وفاسدي القطاع الخاص أو ما يطلق عليهم رجال الاعمال.
ويستعين الكاتب بوقائع حية ومعلومات دقيقة ليضفرها مع الخيال الروائي لينسج لنا شخصيات واحداثا من لحم ودم نستطيع أن نتعرف عليها في الواقع.
ويبدو الكاتب مغرما بوصف الأمكنة وتفاصيلها حتي نكاد نراها ونشتم روائحها ونتعرف عليها بشكل حميمي، سواء داخل أو خارج مصر، كما لو كان يحمل كاميرا أو يحدثنا عن خبرة حياتية حقيقية وليست فقط من نسج الخيال.
يقترب عمرو حمودة في روايته الأخيرة من عالم جديد من عوالم البيزنس"تجارة السكر" بكل ما فيها من صراعات واحتكارات وفساد وشراء ذمم، وتخسير متعمد لشركات ومصانع القطاع العام لبيعها بابخس الاثمار لصالح رجال اعمال فاسدين وتكتلات خارجية، بضغوط من صندوق النقد الدولي، دون النظر إلى المصالح الوطنية ومصير ملايين العمال ضحايا الخصخصة والتشريد.
ويبدو عنوان الرواية" سكر أسود" مراوغا ودالا في ذات الوقت، حيث أن السكر في طبيعته ابيض وليس اسودا، ولكنه حين يختلط بالفساد وضياع المصائر كما لو كان تلطخ بالسواد.
ورغم أن حمودة يرصد لنا هذا العالم المعقد عن دنيا صناعة السكر والبورصات والمضاربات، بلغة العارف بأدق تفاصيله، ألا أنه لا يسقط في فخ التقريرية واللغة الجامدة، فهو يقترب بعمق وبلغة رشيقة ذات حساسية خاصة من الملامح النفسية والاجتماعية لشخوصه ويشرحها بدقة، ويرصد تناقضاتها ومشاعرها المختلفة وحالتها المزاجية المتنوعة.
فعياد الذي يبدو رجل اعمال من طراز رفيع المحب لأسرته والمتواضع مع كل من يعملون معه، هو ذاته صاحب الوجه الاخر الذي يدير عصابة من مساعديه لسرقة الاثار وتهريبها ولا يمانع من التورط في جرائم كالحرق والقتل لإزاحة منافسيه عن طريقه.
وهذا الرجل الكريم مع كل من حوله هو ذاته التي يشتري الذمم ويعرف كيف يحصل على ما يريد بأي ثمن.
وابنه رامي المحب لخطيبته والذي لا يسعى لتكرار نموذج والده الناجح في البيزنس والحياة الأسرية، هو من يقيم علاقات ولا يرى غضاضة في ذلك.
وشهدان الفقيرة ذات الطموح الجارف التي تعرف كيف تداري فقرها وترسم صورة براقة لنفسها تجعلها لا تبدو مختلفة وسط الطبقة الأعلى التي تسعى جاهدة للصعود السريع لها مهما كلفها الأمر.
وربما ما يميز "سكر أسود" هي لغتها الجريئة نوعا ما ، وكسرها للتابوهات، فضلا عن الايقاع السينمائي اللاهث، واستخدام تقنيات المونتاج كالقطع المتوازي للانتقال من حدث لحدث أو من شخصية لشخصية أو من مكان لمكان، وهو ما أعطى للرواية جاذبية.
ومع ذلك، فإن ايقاع العمل كان سريع أكثر من اللازم واحداثه مكثفة للغاية للدرجة التي قد يستشعر القارئ بعدم التشبع خاصة حين يصل لنهاية مفتوحة مع امتداد خطوط الحكاية ووجود الكثير مما يقال عن مثلا مصير عمال مصنع السكر بالمنيا وكيفية تعامل النقابي صالح مع ضغوط الأمن لتسليم المصنع المباع لرجال الاعمال ووضعيته ومستقبله هو شخصيا وبقية زملائه.
وعن موقف رامي من شهدان بعد أن حملت على الأرجح منه، وموقف الأب عياد "امبراطور البيزنس" من ابنه ومن مساعدته شهدان التي تجاهلت تحذيراته لها من اقامة علاقات حميمة داخل اطار العمل.
ومصير شهدان ذاتها بعد هذه الحادثة، وبعد أن كانت كالقطار السريع الصاعد اجتماعيا وفي مجال البيزنس.
ثم الكابوس الذي يطارد عياد الذي لم نصل لتأويله ولم نجد ترجمته في الاحداث حتي النهاية.
يبقى أن للكاتب رؤيته واختياراته التي يجب احترامها رغم الملاحظات.
وتبقى الرواية عملا متميزا يستحق القراءة.