سيناء الحدود إن تحررت.. فسيناء البشر والسيادة لم تتحرر بعد؟!

أشرف أيوب
2006 / 5 / 18

تتعامل نظم الحكم البرجوازية المركزية مع الأطراف على أنها مصدر من مصادر الثروة أو مناطق لحماية أمنها القومي.. والأمن القومي عند تلك النظم خاصة التي تسيطر عليها العسكرتاريا تعني الحدود التي ترضيها.
وفي حالة سيناء التي تمثل 1/16 من مساحة مصر نجد نظم الحكم المتعاقبة منذ الفرعون حتى الفترة الناصرية عند هزيمة 1967 كانت تعتبر سيناء منفي وساحة نزال لصد العدوان الدائم عليها من جهة الشرق حيث لم يتم غزوها من الغرب إلا مع الليبيين الذي حكموها لفترة ليست بقليلة من تاريخها والفاطميين، ومن الشمال غزوات الإسكندر والرومان في العهود القديمة والاستعمار الأوربي في العصر الحديث، ومن الجنوب النوبيين.. أما من الشرق فتعددت الغزوات على مصر منذ الهكسوس حتى الصهاينة.
أما البشر كانوا آخر شيء يلفت انتباههم أو الاهتمام بشأنهم أو مصالحهم .. فسكان الأطراف وخاصة سكان سيناء من وجهة نظر تلك الأنظمة ومنذ زمن الفرعون مشكوك في ولاءهم وانتمائهم ناهيك عن ما عانوه طويلاً تحت نير الاحتلال بأشكاله ودوله التي لم تنتهي أو تهدأ متداولة الذهاب والإياب غازية لمصر من هذا الباب الشرقي كانت تتبع نفس المنهج وفى كل مرة الضحية المواطن السيناوى.
والمواطن السيناوى لم يشفع له المثل الذي ضربه في الصبر والإبقاء على وطن أصرت حكوماته على التعامل معه بلون من الشك والريبة وهو دائما رهن الاختبار وقيد البحث آلاف السنين.. والفرعون في لوحة شهيرة يؤدب مصريا من سيناء بنعاله وجعل من سيناء المنفى والعقاب للمجرمين الذين عوقبوا بقطع أنوفهم حيث كان الاسم القديم لسيناء بلاد مجدوعي الأنوف، كما مورست سياسة الإقصاء مبكراً ضد موظفي الدولة المغضوب عليهم بإرسالهم إلى سيناء عقاباً وتنكيلاً بهم.
واستمرأ الاحتلال الانجليزي هذا الحال.. سكان معزولين مضطهدين فقراء يتعايشون على ما تجود به الطبيعة التي وضعت بصماتها على ثقافتهم وعاداتهم رفضت حكوماتهم وضع أي بذرة لتنميتها.. حتى قام الانجليز بمنع دخولهم بلاد النيل ( الدلتا ) أي بعد قناة السويس دون الحصول على تصاريح مسبقة تحدد تاريخ الوصول والمغادرة ومكان الإقامة.. ووضعوا العديد من نقاط التفتيش والمراكز الجمركية وكأنك في بلد أخر الأمر الذي يؤكد إنه تمهيد انجليزي لخطة هرتزل التي وضعت سيناء البديل الأول لأرض فلسطين كوطن ومكان لدولته الصهيونية المقترحة عام 1906 وهو العام الذي شهد أول وقفة ضد استقطاع سيناء من جسم الوطن وتم ترسيم الحدود بين مصر وفلسطين ليقطع يداً امتدت للعبث بالحبل السري الذي يربط سيناء بمصر.
وتعامل حكام يوليو مع سيناء على أنها صندوق من الرمال وأرض للمعركة القادمة مع العدو الإسرائيلي، بل وأخرجتها من خطتي التنمية الأولى والثانية دون اعتبار للبشر.. وورثت كل سياسة الاحتلال الانجليزي حينها واستبدلت الحاكم العسكري الانجليزي بأخر من حرس الحدود أبقي على الوضع كما تركه الانجليز.. دون الأخذ في الاعتبار حاجة الوطن إلى جهدهم وإخلاصهم زمن الحروب والأزمات والتي أتت سريعاً بهزيمة يونيو 67.
ورغم ذلك استمرت حكومات العسكرتاريا المركزية في ممارسة الإقصاء لأبناء سيناء من دخول الكليات العسكرية.. وحظر المواقع القيادية.. والاستبعاد من الوظائف الدبلوماسية والمواقع الإعلامية وكل ماله صلة بأجهزة الدولة، وعند تجنيدهم يتم استبعادهم من الأسلحة القتالية.
ومنذ عام 1979 وإن اتشحت سيناء برداء الإدارة المدنية كما أراد لها نظام السادات وخليفته مبارك وأصبح لها مجالس شعبية محلية ونواب في المجالس النيابية ولكن جوهر الممارسة الفعلية هو الميراث الذي يضرب بجذوره في عمق التاريخ.. ومن تلك المظاهر بعد الاستسلام والتفريط في السيادة الذي وقع عليه نظام السادات حوله نظام مبارك إلي عمالة، وحول الوطن إلي سوق وحقوق المواطن إلي بضاعة تباع وتشتري، والمواطن ذاته رهينة ليقايض عليه، فلنر الواقع الذي نعيشه اليوم الذي جعلنا فيه مبارك وعساكره على هامش الوطن.
رغم امتلاك أهل سيناء أرضهم منذ مئات السنين ويقومون بزراعتها وتعميرها.. ورفض أبناء سيناء دفع مليم عن كل فدان نظير الاعتداد بملكياتهم عندما أراد الحاكم العسكري الإنجليزي أثناء احتلال بريطانيا مصر ذلك.. فكان منطقهم كيف نشتري أرض نملكها ونزرعها ونسكن بيوتها؟!.
وتكرر نفس السيناريو أبان الاحتلال الصهيوني لسيناء حيث رفض أبناء سيناء الاعتداد بملكية أراضيهم مقابل تدويل سيناء والتنازل عن مصريتهم أمام كاميرات أنباء العالم في وجود ديان عام 1968 في مؤتمر والحسنة الشهير وأصروا على مصريتهم.
وبعد حرب أكتوبر أثناء مباحثات السادات / كيسنجر.. سأل كيسنجر السادات في أي وقت كانت سيناء مصرية فأجاب السادات "أسأل أهل سيناء وشوف هويتهم".
وبعد كامب ديفيد وعودة سيناء للسيادة المصرية مازالت الحكومات المتعاقبة ترفض الاعتداد بملكية أبناء سيناء لأرضهم مرة بحجة أن سيناء أرض ومسرح عمليات حرب بين العرب والصهاينة وأخرى أن أراضي سيناء من أملاك الدولة ويجرى عليها ما يتبع في شأن إجراءات بيع أراضي الدولة.
وأخر القرارات التي أصدرها نظيف بشأن أراضى سيناء ومبانيها لحل مشكلة الاعتداد بالملكية طرحها في المزاد العلني أي خصخصة أراضي سيناء والأمن القومي المصري.. أي يتيح الحق لأصحاب رؤوس الأموال أيا كانت هويتهم وجنسيتهم شراء أي أراضى وأي مباني وهو ترجمة حقيقية لطرد ساكنيها من مصروا سيناء من أملاكهم وبيعها في المزاد العلني وإشهار إفلاسهم وإسكانهم مخيمات اللاجئين.. حيث الغالبية ممن لم يقدر على شراء أرضه التي زرعها أو المنزل الذي يسكنه.
ففي ظل غياب ملكية خاصة للمواطنين توجد عدة قرارات تنظم حيازة الأراضي والمباني في سيناء وليس لتنظيم الاعتداد بالملكية، ففي عام 99 صدر القرار رقم 297 يحدد خمسين قرش ثمنا لمتر الأرض التي يقيم المواطن عليها مبنى مساحته40% من قطعة الأرض أي يشتري بيته.. ثم صدرعام2000 القرار رقم447 ليرفع القيمة إلى ثلاث جنيهات للمتر الواحد، وأخر قرار صدر كان لوزير الدفاع يمنع التملك في سيناء وتكون حق انتفاع لمدة خمسون عاماً ثم قرار رئيس الوزراء ببيع سيناء في المزاد العلني ـ ونتساءل لمصلحة من يريدون سيناء أرض بلا أصحاب ـ ولصالح من نزع أبناء سيناء من أرضهم في ظل المتغيرات التي تموج بها المنطقة من مؤتمرات كامب ديفيد ومدريد وشرم الشيخ وبعد مشاريع الشرق الأوسط الكبير والأوطان البديلة ومشاكل التوطين والعودة لأبناء فلسطين وبعد الشراكة مع أمريكا والتطبيع مع إسرائيل، والكويز التي تضغط أمريكا الآن وبشدة إدخال سيناء فيها، ورجال الأعمال المصريين أعضاء لجنة السياسات وأصحاب الشركات العملاقة مع إسرائيل وأمريكا الذين لا يهمهم إلا المليارات وتراكم الجنيهات، وتراجع عندهم الوطن وتحول الوطن إلى فلوس في حسابات بنوك سويسرا وعذب خاصة في أمريكا.. وأمام هذه المتغيرات يتساءل أبناء سيناء لماذا يرفض نظام مبارك الاعتداد بملكيتهم لأراضيهم الذي يعتبرونه جوهر حياتهم.
سعى نظام مبارك إلي التطبع الكامل مع العدو الصهيوني ليتحول بتوقيع الكويز وتصدير الغاز وتصدير أسمنت سيناء لبناء جدار العزل العنصري من الاستسلام إلي العمالة.. فالكويز تحقق لإسرائيل كل أحلامها خاصة حلم العودة لسيناء وبتوقيع مصر اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة " الكويز " تم فتح الباب على مصراعيه لتُدخل الصهاينة في سيناء والإقامة الدائمة فيها بحجة العمل والإشراف على المنتجات المصدرة عبر ميناء العريش البحري الذي يتم العمل فيه على قدم وساق لتوسعته بمسافة 3 كم ناحية الشرق، واستكمال خط السكة الحديد إلى رفح بعد أن توقف عند بئر العبد ويتم الآن إنشاء خزان مياه ضخم يمده خط 1000مم بالمياه شرق العريش عند حي الريسة، وهذا ما يفسر لنا تعنت الحكومة بعدم الاعتراف بملكيات أبناء سيناء لأراضيهم في حين أقرت لكل سكان المحافظات الحدودية بملكياتهم.
وهو ما يفسر أيضاً التجريدة الأمنية على أهالي سيناء وبدون داعي غير زرع الخوف والرعب في نفوسهم حتى يتعودوا على التعامل مع الصهاينة ولا يفكروا في رفض هذا الوضع أو الاعتراض عليه، ولكي يتم وضع يد الدولة على أي أرض تختارها إسرائيل بدون معارضة، وإمعانا تسعى الحكومة تفريغ سيناء من البشر سكانها بالاعتقالات والعاملين والمقيمين بها بالتقطير عليهم في صرف حافز الـ 80% جذب عماله.
فاتفاقية الكويز هي مرحلة جديدة من مراحل كامب ديفيد، فإذا نجحت إسرائيل عبر كامب ديفيد ضمان دخول رعاياها بالآلاف بما يمثل ثلث سكانها، فبعد الكويز فسيتضاعف العدد من عمال في المصانع وشركاء فيها ومصدرين ورجال أعمال وتكون سيناء مرتعاً للموساد الإسرائيلي وعملائه وجواسيسه الذين سينتشرون متشحين زى رجال الأعمال وهو ما يفسر لنا إطلاق سراح الجاسوس عزام بدون أي مقابل يذكر سوى صفقة الكويز التي ستكون وبالاً على مصر خاصة سيناء، وبها يعود الصهاينة إلي المن والسلوى والكويز هي الحبل السري الذي يربط بين مصر وإسرائيل بعد تجمد العلاقات بينهما، فبوفاة عرفات ونجاح بوش بفترة ثانية خلق جو دافئ في العلاقات خاصة الدور الذي يلعبه الحكم في مصر لتولي أبو مازن السلطة وساعد في نجاح حماس في فلسطين لكي يتسع نطاق نشاط الكويز من العراق حتى مصر وفي أكثر من بلد عربي بعد ضم دول الخليج وفتح الأسواق العربية التي تمثل 300 مليون مستهلك لتتساوي مع حجم السوق الأمريكية أمام المنتجات الإسرائيلية بدلا من التجارة البينية والسوق العربية المشتركة.
هذا بعضا من الواقع المرير الذي يعيشه المواطن المصري في سيناء تحت وطأة نظم الحكم البرجوازية الفاسدة التي في الحدود التي يرون أنها تحررت مع أننا نرى سيناء البشر والسيادة لم تتحرر بعد؟!