يقضمه الوجع والمكائد.. الشاعر، الناقد عبد الخالق كيطان* في - زمن الأقنعة والتلاشي - الحلقة الثانية من قصيدته الطويلة الملحمية الاحزان -يوميات فاتك الطويل- في بؤرة ضوء

فاطمة الفلاحي
2019 / 10 / 1

قبل أن يحتسي فاتك قناني العناقيد المختمرة، وتترنح بين يديه.
وقبل أن يستنشق عفرات قزمه عاشق الخمر، تخللت منابت روحه الشقية به، جموح أناه المفرط ، واستبدت في كهنوت بلاد الرقادة ..
مَن غيره واكب خسوف القلوب والأزمنة، وتلاشت في عاديات النوائب..؟
أنبأنا فاتك عن تفاصيل تلك الحسرات المروعة والمتوسدة رجس نواياهم .. وهو كظيم عندما يشهق النهر بالجثث، وتتناهى إلى مسامعه صوت هلاهل ثكالى الوطن.

يوميات فاتك الطويل
كتب قائلًا:
هذا دفتر يوميات البطل الهمام فاتك الطويل . عثر عليه بالصدفة قزم يعشق الخمر، في بلاد بعيدة جدًا يقال لها بلاد الرقادة . دوّن الطويل في كتابه عددًا من حملاته المروعة ضد أعداءه. في كل صفحة من الكتاب تنبثق نافورة دم، فيما تسمع وراء السطور هلاهل نساء ثكالى.


• ماقالته المدن المنهوبة والمرافئ حضورًا جاء بجنوده أو غيابًا:
ظلت المزارع من صدى، تستقر في رحلة المليون حزن ،وأوقدت النوايا إلا بتقديم القرابين
فلم يعد يكترث بـالعواصف المميتة و لا يخيفه حرث الرؤوس

٩.
عاد الرجال من الغزو بالكثير من الغنائم
لم يسلم شيء في المدن المنهوبة
عاث رجال الطويل، من ذي الشوارب المفتولة، بتلك المدن
خلعوا أبواب القصور العالية
احرقوا مزارع الورد
جرفوا بيوت النبلاء والفلاحين على حد سواء
وحملوا الكثير من الرؤوس لتلقى عند قدمي فاتك الطويل


• عاد المدجّجون بالمرض والعوق، وبعضهم أجداثًا.. تتربص بوجع قلوبهن تنهيدات انكسار ومقت، وتأبين يناور عن نفسه .. مازلن يلملمن بقايا الحشا المتناثر على أرصفة العمر

١٠.
عاد الرجال من الغزو ولكنهم سقطوا على أبواب نسائهم
كان الشتاء قد أرسل نذره
وهؤلاء مرضى ومعاقون
عاد الرجال من الغزو محمولين بصناديق محكمة الإغلاق
اي محاولة لفك صندوق يقابلها رصاص لا ينقطع.
انتهت احتفالات النصر العظيم
ولم تنته قط مناحات الأمهات.

• لمن سَنُحمل أحزاننا .. أنلوم القحط وقلبه الأسود ؟
كلما لاح نقص الزاد، ونكهة البارود تمطرهم، تتكاثر القلوب السحماء في أنامل صبر..وينفد.

١١.
مرت سنوات من القحط
لم تنفع معها محاولات تأويل الأحلام
لقد أحكم المرض قبضته
وتهاوت قلاع من العز والفخار
عائلته أيضًا لم تنج
تقاتلوا فيما بينهم
اما الشعب
فكان دائخًا من روائح البارود
ونقص الغذاء.

• قحط الراح يحبو صوب أقاليم الزمان حيث اللاشيء، وكأس يخضّبَ جوفه بالفراغ الذي يضج بالملل........ لاتقلب الصفحات فهي فارغة .

١٢.
شربت كأسي مثل كل مرة
أفرغته في جوفي دفعة واحدة
لا خراف من حولي
ولا نساء
حتى العجوز التي اعتدت معاشرتها
كانت غائبة
وقيل ماتت
أشعلت النيران في الموقد
وبدأت أقلب الصفحات.

• حينما لايجد مايرومه، تعوي أناه على قارعات الكذب ، ويقول أشياء لاتجدي .. ويقول المارون كلامًا ما لا يفهمه إلا سواه وهو يترنم بحكايا "كتاب الحرب والناس" ليسرق زمنه من قرى الوهم والانتظارات ...

١٣.
كثيرون مروا من هنا
نشالون ولصوص وقوادون لهم تاريخ
كل واحد يسألني ذات السؤال
هل عثرت على مخطوطة كتاب الحرب والناس؟
وفي كل مرة كنت أكذب
لا اصلح لشيء أكثر من الكذب
به اعيش
ومنه استرزق
يا لتلك الأيام
مفازات من العوز والخمر والأسئلة
وفي لجة ذلك كله
انتصب مسابقًا حجمي الدميم.

• عتمة سمواتهم ممتدة حد عتمة الوريد ، لاتزدهر إلا بشمس حضوره .. حكاياه تبقى راسخة كـصدى عناقيده المختمرة في الأجساد.. وبطلهم الهُمام كلما عربد، يذيب التعاويذ .. وفيعلقونه فرقدًا في سنا ليلهم

١٤.
كانوا يرونه شمسا في لجة الظلمة.
الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى
حمل منجله وذهب إلى الحقول مع الفلاحين
لم يكن الرجل الطويل بسحنته السمراء وساعديه المفتولين إلا واحدا منهم..
خبر طباعهم كلها
كما أنهم صدقوا حكاياته كلها
كانت الندبة فوق عينه اليمنى رمزا للشجاعة
والجرح الغائر في ساقه الأيمن صولجان فخر
عشقه الرجال قبل النساء
أما المواليد الحديثة
فكان ديدنهم تعليق صورته في الأعناق


هُناك أحجية تأبى التآويل، تخبئ لعنات لاتعد ولاتحصى .. ماحدث وقتذاك غير قابل للترميم، فالشرخ متجذر حد أخمص القلب وهو يطوي مفازات الخوف والترقب على جنح كلمة من عسسه .. وحاشيته وكهنته التي دججت ألسنتهم الفتاوى .. فقد تساوت الأشياء في الخديعة والمتاجرة
فهم لايكذبون بإسمه
كلهم يبحثون عن المخطئين ، يعلم أدق تفاصيلهم
الخطايا والدماء والتفاهات
وهو ؛ كانت حانة مراياه تفيض بالخمر وجنون التاريخ والفقد، ومَن قضى نحبه تحت كومة حجر .. شاح بنظره عنهم ، نافثًا آخر نفس لسيجاره ..

١٥.
كان يعرفهم كلهم
يعرف ماذا يريد الرجال وماذا تريد النساء
أمضى سنوات طويلة يمصّ سيجارة غليظة ويتأمل
أدرك مبكرًا أن ثمة خونة، عملاء وجبناء
ولم يكن رحيمًا مع هؤلاء
كان يعلقهم من رؤوسهم في المراوح السقفية التي تدور ببطء
كثيرون من أعدائه فروا
آخرون ألقى بهم على الحدود
كان يبحث عن الجنس المتجانس
وعن شعب يصنعه بيديه
كان يعرفهم كلهم


١٦.
لماذا وقع علي قدر العثور على المخطوطة؟
ذهبت إلى رجل الدين الأبرز في بلاد الرقادة وسألته
ومثل عادات رجال الدين الطاعنين
لم يقل شيئا ذا معنى
أما حواشيه
فكانوا يسألوني عن المال
عرفت لاحقا أنهم يتحكمون بأسواق العقارات والأراضي
يتحكمون بأسواق الغذاء والمعادن
بالزوجات قبل أزواجهن
جماعة من اللصوص الذين يستظلون تحت عباءة سيدهم الطاعن
خرجت من هذه الفوضى اللعينة
ولم يكن أمامي غير خمارة المرايا
حيث الشعراء يتبارون في عرض المهارات اللغوية
والأكاذيب الجبانة أيضأ
شربت كثيرًا فيما ينام المخطوط بين سترتي وضلوعي.


١٧.
هل تعرف يا صديقي عدد العبيد الذين قضوا تحت الحجارة؟
مضت آلاف السنوات وهم يموتون بإعداد مهولة من أجل بناء برج أو جدار أو قلعة
كل هؤلاء نسيهم التاريخ
التاريخ ذاته الذي نسي أولئك الرجال الذين سقطوا في المعارك
تركهم قادتهم نهبا للجوارح واشعة الشمس اللاهبة
حقول ممتدة على اتساع العين مملوءة بالجثث
حولها بقايا أسلحة وعتاد
ثم صفير لا ينقطع
كل قلعة بنيت يقبع تحتها ألف عبد وعبد
وكل متر محتل دفع ثمنه ألف جندي وجندي.