سِفر أوجاعه لاتحدها تقاويم الزمن..الشاعر، الناقد عبد الخالق كيطان* في - زمن التلاشي والقحط - الحلقة الأولى من قصيدته الطويلة الملحمية الاحزان -يوميات فاتك الطويل- في بؤرة ضوء

فاطمة الفلاحي
2019 / 9 / 29

قبل أن يحتسي فاتك قناني العناقيد المختمرة، وتترنح بين يديه.
وقبل أن يستنشق عفرات قزمه عاشق الخمر، تخللت منابت روحه الشقية ، جموح أناه المفرط ، واستبدت في كهنوت بلاد الرقادة ..
مَن غيره واكب خسوف القلوب والأزمنة، وتلاشت في عاديات النوائب..؟
أنبأنا فاتك عن تفاصيل تلك الحسرات المروعة والمتوسدة رجس النوايا .. كظيم عندما يشهق النهر بالجثث، وتتناهى إلى مسامعه صوت هلاهل ثكالى الوطن.

يوميات فاتك الطويل
كتب قائلًا:
هذا دفتر يوميات البطل الهمام فاتك الطويل . عثر عليه بالصدفة قزم يعشق الخمر، في بلاد بعيدة جدًا يقال لها بلاد الرقادة . دوّن الطويل في كتابه عددًا من حملاته المروعة ضد أعداءه. في كل صفحة من الكتاب تنبثق نافورة دم، فيما تسمع وراء السطور هلاهل نساء ثكالى.

• قفلة رعب تنداح حين وِلِدَ ... ينبأه رفّيف هاجسه بأنه :

١.
ولدت في عام الرعب. عندما فاض النهر بالجثث. وعرفت، وأنا في المهد، أنني خلقت لأجعل النهر يفيض ثانية بالجثث. وكان لي ما أردت.

****
• جاءنا فاتك العاشق للأسلحة، بوشاحٍ محترق من كل الأشياء، يلثم ويشرب دم أحزناهم الخالي من التكسير وأشلائهم تغدو نهرًا من الفجيعة ..

٢.
وكان يعشق الأسلحة.
في أواخر أيامه
حول قصره الفاره إلى متحف للأسلحة
وفي عصره كانت الأسلحة هي تجارة السوق المجاور للنهر، وسط المدينة.
كان من العار أن يقطع رجل الشارع بلا سلاح
كما أنه من العار أيضًا أن لا تتمنطق المرأة بسلاحها.
لم يشذ عن ذلك الأطفال، ولا الشيوخ ولا حتى المراهقات على سطوح المنازل.
قال القزم: لم يكن بين الأسلحة سلاح يعالج السكارى!
****

• كانت تسوق قطيع الغنم حين يهمي .. والذئاب تحدق حتى في خيط ظلها البعيد، ذادَ عن حِيَاضِ أمه ليحميها قائلًا:

3.
وجدت أمي ترعى الأغنام
ومن حولها أكثر من ذئب
ماذا أفعل غير الذود عن أمي؟
****

• كم من أضرحة الفقد سطرها فاتك، وكم شاهدة قبر سأقرأ ..؟
أتأمل تلك الجحور التي تخبئ عتمة الأرواح وديجور حلاج هذا الزمان.. بقي منه سكين مشبعة بالملح وبه... وهم من حوله، قيل:

٤.
كان يدرك أن حياته لا تستقيم بلا أعداء
وكانوا يحيطون به مثل النمل
يخرجون من الجحور طوابير مجندلة
كل عدو يحمل معه سكينًا وملحًا
وكان فاتك الطويل شجاعًا بما يكفي لأن يملأ الأرض بالقبور
****

• اللافتات تخون، ليتهم يستوعبون غباءهم ويسجدون لظل الوطن الشريد، حدثنا قائلًا:
٥.
ذات ليلة فارق النوم المدينة
كان الطويل قد أصبح الحل الأخير للمتذمرين من شظف العيش.
حمل الجياع المشاعل
واعتصموا امام قصره يدعونه لغزو العالم
سكب الطويل آخر قطرة من شرابه الأحمر في جوفه
ونهض
سمع الجياع اهتزاز القصر
سجدوا كلهم.

• كلما نصّبَ مشنقة، ينبثقون من كومة رماد الوطن كطائر الفينيق، فتعيد أنامل القدر شتات أرواحهم .. بعد أن رزَ البيرق باعتناء، ممتشقًا السارية، اختفى المقيمون في الروح مثل الضباب. .. قفل قائلًا:

٦.
انطوت صفحة الأم
وصفحة الجوع والنهر المتعرج
انطوت صفحة الخناجر المسمومة
ورفاق الظل المميتين
لقد انتصب في الساحة عامود واحد
علقت عليه راية واحدة
واختفى الناس.


• ما من جرار خمر تُسكر ذاك الفاتك حد جنونه الفاره..حاملًا الفزع في قارورة مثقوبة .. ضج به زمانه ، مستدركًا كلامه :
٧.
قلت:
أنا والخمر صاحبان
كلما نضبت قارورة جف شيء في عقلي
وسمعت صوتًا يردد:
أنا وأنت صاحبان
كلما فر طير من الفزع
سقطت غيمة ثقيلة
لماذا تفر الطيور من الفزع؟
ألم يكن الفزع في بداية الخلق؟
أنا وأنت صاحبان
وقلت:
أنا والخمر صاحبان
ألقي بدلوي في البئر العميق
يخرج منه عفريت بلا ذنب
اقهقه كثيرًا
ينحني العفريت تحت قدمي
ولا أطلب منه غير دلوي
دلني على دليل يشير إلى مدلول جديد؟
أنا وأنت صاحبان.


انطفات عينها، وتوحد الوجع في كينونة الطين كأغنية شاردة ، يطعنها الشجن فتبحث عن أنفاسه في مرايا الروح المهشمة
بعدها يحل الصمت، فتلاحقه الخيبات وتصلبه على جدران الريح عند كاسه المجنونة، مواصلًا:

٨.

وصل الحطاب أخيرًا
فتش عن الفؤوس في كل مكان
كان يبحث عن فأس بعينه
ذراعه من خشب جذور البتولا
ونصله من الفولاذ المصنوع في دمشق.
ولم يعثر عليه إلا عندي
ناولته كأسًا
استند على ذراعي وتهاوى جالسًا
كرع كأسه وأنشد:
من هنا مر خنزير بري ذات مساء
فقأ عين الجميلة واختفى
حار الحكيم ولم يجد لها دواء
لم يكن ممكنًا شئ سوى
خلع عين الفتاة.
____________
* 1عبد الخالق كيطان
*مواليد مدينة العمارة 1969
*بكالوريوس نقد وتأليف مسرحي من جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة للعام الدراسي: 1991 - 1992.
*حاز جائزة الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي بدورتها الأولى عام 1998 عن مجموعته: نازحون، والتي صدرت في العام ذاته عن دار الجندي في دمشق.
*في العام 2000 صدرت مجموعته الشعرية الثانية: صعاليك بغداد، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان.
*في العام 2007 صدرت عن دار الفارابي في بيروت مجموعته الثالثة : الانتظار في ماريون.
* في عام ٢٠١٢ صدرت عن دار التنوير في بيروت. مجموعته الرابعة وعنوانها "واحد وثمانون".
*كتب العديد من البحوث والدراسات عن المسرح العراقي ونشرت في صحف ومجلات عربية وعراقية. وله مقالات في الشعر والحداثة.
*في العام 2000 أنتخب عضوًا في إتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المنفى وعمل محررًا في مجلة الإتحاد: المسلة.