نقاط هامة في خطاب ترامب

حمدى عبد العزيز
2019 / 9 / 25

لعل مايلفت النظر في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة نقاط غاية في الأهمية ربما تساعد علي قراءة إستراتيجيات الإدارة الأمريكية وماطرأ عليها من تغيرات وتعديلات منذ خمس سنوات وحتي تاريخه ، وهي ربما ما عبر مجئ ترامب إلي السلطة في أمريكا - عنها - بوضوح شديد ..

تلاحظ في خطاب ترامب الآتي :
1 - هو ذلك الهلع الشديد من كلمة الإشتراكية رغم مرور ثلاثة عقود علي تفكيك وسقوط مايسمي بمنظومة الدول الإشتراكية ، وماأعقبه وقتها من الإعلان عن الإنتصار النهائي للرأسمالية والشروع في برامج التكيف الهيكلي لدمج دول العالم في السوق الرأسمالي العالمي الذي تتزعمه أمريكا ..

كذلك مايثير الدهشة وربما الضحك علي تهافت الخطاب الأمريكي هو حديث عن كوبا كدولة هيمنة علي منطقة أمريكا الجنوبية واتهامها بنهب بترول فنزويلا !!!

الحديث في هذا المجال كان يعكس هاجسين متوازيين ..

الأول / هو ذلك القلق الذي يمثله تنامي تيار أمريكي ذو خطاب يساري الطابع نسبياً داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي يمثله تنامي تيار السيناتور بيرتي ساندوز ، وخارجه يتمثل في تنامي بعض الحركات الاحتجاجية ذات الطابع الإجتماعي الرافض لسياسات الرأسمالية المتوحشة التي تعبر عنها الإدارة الأمريكية ..

والثاني / هو الهاجس المتعلق بكون دول أمريكا الوسطي والجنوبية تمثل الحديقة الخلفية في السياسة الأمريكية التقليدية ، وبعد إسقاط اليسار في البرازيل فإن الجائزة الكبري الحقيقية للإدارة الأمريكية أصبحت إسقاط مادورو في فنزويلا وتصفية الدولة البوليفارية وبسط كامل الهيمنة الأمريكية علي نفط فنزويلا بتنصيب عميلها جوان جوايدو حاكماً عليها ..

والإنتقال إلي محاولة ضرب كوبا وإخضاعها لحظيرة الهيمنة الأمريكية بعد أن خرجت منها عقب الثورة الكوبية التي أفلتت من الحصار الأمريكي التاريخي المشدد واستطاعت إفشال جميع محاولات الغزو والإنزال العسكري الأمريكي المتكررة منذ ذلك الوقت وحتي الآن في صمود إسطوري يجسد لنموذج دولي لم يتكرر كثيراً حتي الآن ..

2 - لاحظ المراقبون هجوم ترامب الشديد علي الصين بينما خلا خطاب من الهجوم علي روسيا لأول مرة في تاريخ خطابات الرؤساء الأمريكان منذ مابعد الحرب العالمية الثانية وحتي تاريخه ، توافق معه (ليس صدفة) غياب الإشارة للأوضاع في سوريا أيضاً..

وهذا يلقي إضاءات هامة علي تحول استراتيجي أمريكي يتمثل في :

أولاً / إدراك الإدارة الأمريكية أن الخطر الرئيسي علي الحلم الإمبراطوري الأمريكي هو مايأتي من حيث يكمن التنين الصيني الذي خطا خطوات غير، مسبوقة في اتجاه تحققه كقطب إقتصادي ، وسياسي دولي استطاع أن يغير الكثير من قواعد اللعب في الإقتصاد والتجارة العالمية ، وهاهو يخرج من عزلته الإختيارية التي فرضها علي نفسه لعقود تجاه الأحداث والصراعات السياسية الدولية ، ويصبح رقماً سياسياً وعسكرياً يصعب تجاهله علي المستوي الدولي فضلاً عن طرح الصين لمبادرة الحزام والطريق والمضي قدماً في تأسيس قواعدها بالشكل الذي يهدد بإسقاط كل مارتبته أمريكا في بيرتون وودز ، والذي أسس لهيمنتها علي الإقتصاد والتجارة العالمية منذ زمن مابعد الحرب العالمية الثانية وحتي تاريخه ، والتأسيس لعولمة جديدة بديلة لاتكون للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة أو حتي اليد العليا فيها ..

ثانياً / الإدراك المتلازم لما سبق وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية لاتستطيع مواجهة الصين وروسيا في آن واحد ، وخصوصاً أن الخبرة الأمريكية المتمثلة في إستراتيجية تحييد الصين في القرن الماضي للتفرغ لإدارة الصراع مع الإتحاد السوفيتي لازالت تمثل إحدي نقاط النجاح في الإستراتيجية السياسية الأمريكية في القرن الماضي ، ولامانع من الإستعانة بهذه الخبرة التي أسس لها الجمهوريون بتحييد روسيا والتركيز في قضية الصراع ضد الصين ، وإن كانت محاولة هذا القرن تتوقف علي مدي ماتقبله روسيا وملاتقبله ، وكذلك مدي عمق تحالفها الإستراتيجي مع الصين ومدي تطوره ، ومدي تجاوز بعض الإشكاليات والتحفظات الروسية فيما يتعلق بسيرورة بناء الطريق والحزام ومدي إندماجها في هذا المشروع ..

ترامب يتبني رؤية ليست بعيدة عما يطرح في عمق الدولة الأمريكية من ضرورة تسوية بعض التناقضات الممكنة مع روسيا وتأجيل التعامل مع التناقضات الأخري إلي ظروف أكثر إتاحة للجانب الأمريكي ..

ثالثاً / مع يتعلق بغياب الإشارة إلي سوريا في الخطاب ربما يثير احتمالية أن هناك تسوية مزمعة مع روسيا تتعلق بسوريا مطروحة كصفقة علي مائدة التداول والإنجاز

وهذا يتوافق مع تسوية تناقضات أخري يبدو أن روسيا ستكون لها يد فاعلة في تسويتها ومنها ماقد يصل إلي دور فاعل في تسوية الصراع الخليجي ، وخروج أمريكا من ورطتها التي صنعتها بنفسها ، وبما يحفظ لها بعض ماء الوجه ..

رابعاً /بالرغم من هجوم ترامب الشديد علي إيران ، وبالرغم من شراسته إلا أنه تضمن بشكل واضح وجلي إستبعاد الخيار العسكري الأمريكي من الصراع مع إيران ، وهذا يشكل تراجع في جوهر الموقف الأمريكي خصوصاً تجاه دول الخليج التي كانت قد منت الأنفس بضربة أمريكية ساحقة ماحقة يريحهم بها الراعي الأمريكي للأنظمة الخليجية من إيران ، وهو مايتواكب معه فتح الباب أمام الوسطاء المتنوعين للإعداد لتسوية أوربية أمريكية مع إيران ، تضيف بعض الرتوش الشكلانية التي تحفظ ماء الوجه للأمريكان ، ذلك للإتفاق القديم الذي انسحبت منه أمريكا مع ضمانات إيرانية فيمايتعلق بحرية التجارة وإمدادات النفط من منطقة الخليج العربي ..

خامساً / - علي صعيد الشرق الأوسط لاجديد في خطاب ترامب سوي التشدد الواضح والصريح فيما يتعلق بالوقوف إلي جانب الدولة الصهيونية

فالموقف الأمريكي الثابت هو ضمان التفوق الأمني والسياسي والإقليمي للدولة الصهيونية ، والجديد في خطاب ترامب هو مواصلة الضغط علي دول المنطقة لتبني خط التطبيع (الكامل) مع الدولة الصهيونية علي أساس تجاهل حقوق الفلسطينيين التاريخية في الديار والأراضي والوطن والدولة و وهو مايمكن من تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي يضمن التفوق الإقليمي المستقر للدولة الصهيونية ، وهذه هي جوهر أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة منذ أن أعلنت إسرائيل ،

فقط .. فإن ترامب يريد إسراع الخطوات الأمريكية في هذا المجال ..