مسودة للتفكير ..

حمدى عبد العزيز
2019 / 9 / 22

إحدي المعضلات الهامة للثقافة المصرية العائدة بعد انقطاع طويل في ظل الغزوات الإستيطانية الأوربية والآسيوية ، في العصور الوسطي كانت في جزء مهم منها ذلك الإنقطاع ذاته ، ثم ماحدث في القرن التاسع عشر ، وحتي بعد منتصف القرن العشرين من إنقسام الواقع الثقافي الناتج بالضرورة عن صيرورة الأوضاع الإجتماعية ، ومسارات التشوه والتبعية ، وهو ماتلخص في ظاهرة تدفق أبناء الفلاحين والحرفيين وفقراء علي الأزهر بعد مرحلة التعلم الأساسي في الكتاتيب والمعاهد الدينية في قري ومدن الأقاليم كسبيل وحيد لتلقي العلم في مراحله التي تضمن حدوداً ما من الترقي الثقافي والإجتماعي ، بينما كان أبناء الأرستقراطية المصرية في العاصمة والمدن الكبيرة يذهبون للتعلم في جامعات الدول الأوربية ليعودوا إلي مصر ..

عودة كانت تعني أولاً تعظيم المكتسبات الإجتماعية لهذه الطبقة بالهيمنة علي مراكز الوجاهة الإجتماعية والإدارية والحكومية في مصر ..

وتعني في وجهها الآخر إنفصام حاد مع ثقافة المجتمع وكبار متعلميه الأزهريين ، ومن ثم الدخول في جيتوهات ثقافية واجتماعية تنعزل في العاصمة ..

أو وصول إلي قدر من التكيف التلفيقي بين ثقافة تكتفي باستهلاك المنتج الحضاري والعلمي الأوربي دون التعامل مع قناعاته ودوافعه الحقيقية ، وبين ثقافة انتجتها تشوهات الواقع المصري الناجم عن احتباس مسارات التطور الحضاري بفعل الظروف التاريخية والإجتماعية البنيوية التي تمت الإشارة إليها في الأسطر الأولي ..

أو ثقافة استهلاكية خالصة لايتبين منها إلا إعوجاج اللسان بمصطلحات السوق الأوربي القشرية ، تطورت فيما بعد في الألفية الثالثة إلي تللك المسالك التي تجيدها شرائح الكمبرادور التابعة وتبرزها مهرجانات العاصمة وعوالم الساحل الشمالي التي حولت مهرجانات الفنون والمناسبات الإجتماعية لعلية القوم من أبناء وبنات الكمبرادور المصري إلي ساحات لاستعراض وممارسة السفه الشكلاني ، في مظاهرات لتصدير حالات الإحباط والإغتراب الثقافي لكثر من الشباب المصري ، لايجدون إجابة علي تلك الحالة إلا باللجوء إلي التصور الذهني الذي يحاول إعادة إنتاج وهم استعادة حياة الأسلاف والفرقة الناجية من النار ، والجهاد من أجل تجسيدها في مجتمع وصموه بالكفر ..

هذا مع عدم إغفال بعض الإستثناءات الشحيحة التي تتطلب إضافة عبارة (إلا من رحم ربي)..

وهكذا أزعم أن تلك من النقاط الهامة هي من النقاط التي تجيب علي قضايا الثقافة المصرية ، ومناطق القصور التي طبعت نشأة وتطور النخب الوطنية المصرية ومسارات نضالها سواء في مرحلة الإستعمار الأوربي ، أو في مرحلة التحرر الوطني ، وما يمتد بعلاقة مع طبيعة الثورات الوطنية المصرية وطبيعة تكوينها القيادي ..

والأهم أن هذا يقدم ضمن إجابات أخري عديدة علي السؤال المتعلق بتعثر مسارات التنوير في المجتمع المصري ، الذي أصبح مفعماً بقدر كبير من المأزومية في هذا الجانب المعقد ..

_________________
حمدى عبد العزيز
5 سبتمبر 2019