المقاول والرئيس .. إذا اختلف اللصوص

رياض حسن محرم
2019 / 9 / 21

رغم رفضى لظاهرة المقاول والممثل غير المشهور "محمد على" وتحوله في ظرف أيام قليلة الى نجم شهير تنتظر الملايين فيديوهاته على الفيسبوك لإعادة نشرها، ( كما كان يحدث مع شرائط صوت الإمام الخومينى قبل عودته الى ايران)، وبسبب رفضى لهذا النوع من البربوجاندا فقد عصرت على نفسى ليمونة وقمت بالفرجة على شريطه الأول، وقد إسترعى انتباهى في ذلك الشريط أنه عبارة عن عملية ردح سوقية طويلة الهدف منها المطالبة باستحقاقات مالية لشركته من جهاز المشروعات الهندسية بالقوات المسلحة، مع تطاول على السيسى والجيش، ثم بدأت كرة الثلج في التدحرج لتصل الى الدعوة للثورة على السيسى للإطاحة به، محددا لذلك اليوم الجمعة 20 سبتمبر، فما هو السبب الذى أعطى كل ذلك الحجم لهذا الممثل المغمور، وكل هذا الرواج لأشرطته على الفيس بوك؟
يرجع السبب في تقديرى لعدة أمور أولها هو الطابع الفضائحى وطريقة السرد الإحترافية " بسبب التعود على مواجهة الكاميرا"، فشعبنا يستهويه ويجذبه تلك الأنواع من الفضائح عن الفساد وهدر ونهب الأموال العامة واستغلال النفوذ، خصوصا بعد الحصار الشديد من أجهزة السلطة لوسائل الإعلام لدرجة انصراف الجمهور عنها واتجاهه الى وسائل بديلة كالقنوات الأجنبية ووسائط التواصل الإجتماعى لجاذبيها وانفتاحيتها في صنع الفضائح، وخاصة هذا النوع الموجه الى رأس الدولة مباشرة وكيف أنه يتصرف في ميزانية الدولة وكأنها ثروته الخاصة، وهو ما أكده في كلمته أمام مؤتمر الشباب حول بناء قصور الرئاسية بقوله: أيوه حبنى كمان وكمان انتوا فاكرين أيه .. أنا ببنى دولة..دون أن يتوقف ليفكر قليلا في أولويات احتياجات الفقراء.
حاول محمد على ابتزاز السلطة وذلك بتحدي النظام بالرد على ما أورده ليظن المتلقي أن سكوتها نابع من مصداقية ما يقول وخوفها من كشف الحقائق. لكن الحقيقة أن المؤسسات الرسمية لا ترد على مثل هذه المعلومات لأنها تعلم أنه فخ "الابتزاز بالتأثُر" وأن أي رد سيزيد الطين بلة ويضعها في موقف دفاعي ضعيف وسيشجع اخرين على القيام بابتزازها، وهذا ماأكده السيسى بنفسه في مؤتمر الشباب حول ما ينشر من "أكاذيب ضد الدولة" إن "مخاطر الكتمان أكبر بكثير من السكوت، ومن أسبوعين هناك موضوع مستمر"، متسائلا: "أنتم مش (لستم) خايفين على جيشكم والضباط الصغار، أن يقال لهم أن قياداتكم ليست جيدة؟".وأضاف: "كل الأجهزة (لم يسمها) قالوا لو سمحت لا تتكلم، لكن ما بيني وبين الناس هو الثقة، وأرفض أن يلعب أحد في تلك المنطقة")، يضاف الى هذه المغريات بعض التوابل كوجوده في دولة أوروبية "أسبانيا" وليس تركيا أو قطر كبلدين مرتبطتين بجماعة معينة، وأيضا قصة هروبه السينيمائى من مصر.
المقاول يذكر الأرقام الكبيرة في تسجيله والمحاباة للضباط ذوى الصلة بالسيسى لبناء فنادق بالمليارات، في وقت يدعو فيه السيسي الشعب المصري إلى التقشف وشد الحزام، وبأن الدولة فقيرة، ويريد المقاول أن يظهر نفسه بمظهر البطل، مع أنه كان منغمسا في االفساد مع منظومة الجيش،
يضاف الى ذلك كون المقاول يتحدث في تلك الشرائط بطريقة شعبوية تقترب كثيرا من لغة الشباب السائدة، مع الكثير من الشتائم الموجهة الى السيسى "أنت مش راجل... يا راجل يا بقف (فاقد الإحساس)... يا عرة (عديم القيمة)... أنت قزعة (قزم)... أنا لا أقصد السخرية منك لكنك دفعتني لذلك"، وهذه الشتائم الى أصبحت جزء من لغة الشباب الآن، ومحمد على ابن هذا المناخ الفاسد والموبوء، لكنه لم يدلل على صدق مقولاته بأى وثائق أو أدلة رغم ميل رجل الشارع لتصديقه، وفى تلك الشتائم تنفيس لرغبة مكبوتة لدى الضعفاء وقليلى الحيلة في الهجوم على الرجل الأقوى في مصر، كذلك جاء التشهير العنيف على محمد على من أجهزة إعلام مشكوك في مصداقيتها ومن مذيعين أمثال أحمد موسى فاقدى الشعبية مثل أن يستضيف والده ليتنصل منه أو محاولة تشويه زوجته، وهى عموما أساليب رخيصة ومتدنية تنقلب على صانعيها.
محمد علي (45 عاماً) هو صاحب شركة أملاك مصر العالمية للتنمية والاستثمار التي تتولى تنفيذ مشروعات لعدد من الوزارات المصرية طوال قرابة 15 عاماً، كما عمل ممثلاً في عدد قليل من المسلسلات التلفزيونية والأفلام، وأنتج في عام 2016 فيلمه "البر الثاني" الذي يتحدث عن ظاهرة الهجرة غير الشرعية وقوارب الموت، وأشار "في أول شريط" له إلى أن سيرته الذاتية وسيرة شركته ناصعتا البياض لأن السلطات الأمنية، حتى رئاسة الدولة، سبق أن تحرّت عنهما قبل التعاقد لتنفيذ قصور للرئاسة والمشروعات التابعة للجيش، ورأى أن أي محاولة تشكيك تعد اتهاماً مباشراً في كفاءة تلك الجهات الأمنية.
في محاولة من النظام لإمتصاص المشكلة أصدر رئيس الوزراء أوامر بصرف مستحقات المقاولين المتأخرة، بينما السيسى يحاول تطهير بعض الأجهزة الأمنية والرقابية من العناصر المشكوك في ولائها، بعد أن زاد التذمر بين صغار الضباط والرتب الصغيرة، وقد تمّ تشكيل لجنة تحقيق داخلية بقرارٍ من وزير الدفاع الفريق محمد زكي، وستتم مراجعة ملفات عدد من القيادات الذين يملكون هم وأبناؤهم شركات تتعامل مع القوات المسلحة، وأن القائمة الأوّليّة تضم نحو 20 لواء تتجاوز ثرواتهم 15 مليار جنيه، بينما توجد شكوك لدى قيادة الاستخبارات العامة في أن يكون محمد علي مدعوماً من ضباط داخل الجهاز أو خرجوا منه، ومنهم قيادات عسكرية عليا، على رأسها الفريق أسامة عسكر، القائد السابق للجيش الثالث الميداني، الذي تمّ إبعاده عن منصبه بشكل مفاجئ، قبل أن تتم الإطاحة به من المجلس العسكري. وكان عسكر يتمتع بنفوذ كبير داخل المؤسسة العسكرية، فيما سرت أنباء بشأن وضعه تحت الإقامة الجبرية بسبب فساد مالي تجاوزت قيمته ملياري جنيه تحصّل عليها بأشكال غير مشروعة مستغلاً عمله وقيادته للجيش الثالث الميداني.
وبدلا من علاج ذلك الحدث المزلزل للنظام عن طريق تخفيف القبضة الأمنية عن وسائل الإعلام لفتح الشرايين التي تصلبت، وإعادة بعض الثقة المفقودة، والإفراج عن عشرات العناصر الوطنية التي تم اعتقالها بسبب مقال أو تويتر ضد الديكتاتورية، وتحريك قضايا عاجلة تتهمهم بالترويج لأخبار كاذبة والإنضمام لتنظيم ارهابى، ورفع الحصار عن العمل الاهلي والنقابات والاحزاب والافراج عن سجناء الرأي، الذين لم يلجأوا للعنف، ورفع الحصار عن العمل الاهلي والنقابات والاحزاب والافراج عن سجناء الرأي، الذين لم يلجأوا للعنف، وفى غيبة هذه التوجهات سوف تتكرر ظاهرة محمد على،، بدلا من ذلك تستمر حملة الإعتقالات بين الوطنيين الذين شاركوا في ثورة مصر العظيمة 25 يناير 2011 وليس آخرهم المهندس المناضل كمال خليل..السلام عليكم.