الجمهور المثقف واللامثقف - شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته - الحلقة التاسعة من حوارنا معه في -بؤرة ضوء-

فاطمة الفلاحي
2019 / 9 / 20

”إن تأخير تكوين المثقف في العالم العربي أمر يؤثر في التنمية فهذا يعني أن الكثيرين يتساقطون في أثناء العملية التربوية ، وإن من يخرج سليما منها فإن سنين العطاء عنده تكون محدودة للغاية.“
عبد الوهاب المسيري

2. أ تأخذ بيد جمهورك المثقف واللامثقف إلى حيث مستواك المعرفي، أم تؤيد فكرة النزول إلى مستوى ثقافي بسيط كي يفهمه الآخر ؟


" لماذا لايـُـفهم مايقال " تلك هي مقولة أبو العلاء المعري .إنها دعوة ضمنية للارتقاء إلى مستواه . ولكن كيف نرتقي بشعب جله من الأميين . بينما لوركا يفيدنا بنبل مشاعره عندما يؤكد للعمال بأن عيونهم أذبلها الكدح فهم لايقوون على قراءة شعره لكن سيأتي زمان به يدركون بأنه كان ولايزال صديقًا للعمال . تلك هي المفارقة . بل تلك هي الهملته في مقولة الأمير الابن " أن تكون أو لاتكون تلك هي المسألة " وإذا اشتق كلمة الهملته من الإسم هاملت فإني أعني بها الحيرة أو الدَوَخان والدوخ كلمة عربية فصحى أي الدوار وإتعاب الرأس. والواقع كلنا في هملته ما وأقصد أن نبسط مصنفاتنا الإبداعية فأنه يُعاب علينا إننا مباشرون. إن نؤدلج فأنه بالنسبة لي يشعرني بالخيبة والذنب .
كتبت في معرض نص القصيدة كلمة هي أني سأبكي عليك بكاء ( نايوبي ) وعليّ أن أشرح ذلك والواقع إننا قرأنا عنها تلك الأم التي بكت ابناءها السبعة الذين فقدتهم في الحرب وكان لزامًا عليّ أن أشرح لكن رأيت أن ليس من الضرورة ذلك فيكفي أن يعرف ذلك طلبة اللغة الإنجليزية في الجامعات والأساتذة وفي الحقيقة لم يكن فقط هو ذلك السبب بل هو سرعتي في العمل هو ما بخلت به على القارئ أن أشرح له . سيزيف رافع الصخرة كل يوم لم أشرحها ولا جوبيتر رب الأرباب أو الميدوزا ولا ليلى لكيز ولا سواها بالعشرات . وهنا أجد نفسي تطبيقيًا مع أبي العلاء بسبب حاجتي إلى السرعة في الإنجاز ، وضده نظريًا ! وذلك جراء موقفي الأخلاقي إزاء مستهلكي الثقافة من الطبقات المُفـَقـّرة اقتصاديًا فثقافيًا . وهنا أتذكر روعة برنارد شو في مسرحية بيجماليون وحيث أظهر لنا ميوله الاشتراكية في الثقافة كونه " فابيًّا "مؤمنًا بالإصلاحات البطيئة وليس القفزات ، أظهر تلك الميول من خلال ترقية المستوى اللغوى لبائعة الزهور إلايزا. وقد درست ُ تلك المسرحية في جامعة بغداد وصادف أن شاهدتها فيلمًا بعنوان سيدتي الجميلة في سينما غرناطة ببغداد .
من جهة أخرى يُعاب على السياب تحشيد مصطلحات عديدة ورموز وأساطير من المثيولوجيا اليونانية واقحامها في بعض قصائده أي إنه يزكم النص بالمعرفة أو إدعائها .
بينما نجد المعرفة الموسوعية لشاعر إنجلترا العظيم ميلتن وهو يذكر بالإسم أزهارًا ينثرها على جنازة " لاسيداس "صديقه الغريق من جامعة كامبردج . جمالية المعرفة لدى ميلتن تكمن بأن عدد الأزهار فوق الجنازة هي 100 زهرة تمثل 100 بيئة لإنبات هذه الأزهار على مدار الكرة الأرضية .
من جهة أخرى يسجل لنا التاريخ المعلومة أدناه : إتجه الشعر العربي إلى -التخييل والفلسفة- وراح يتطور مستجيبًا لضرورات حياتية ، فقد فترتْ قوته الغنائية بأنقضاء مدرسة أبي نؤاس ،فلم يجد بُدًا من أن يتجه إلى الخارج: إلى أعمال الخيال في المحسوسات الخارجية، أو إلى التعبير عن أفكار موضوعية تناولها (كتاب الشعر لأرسطو طاليس) .
والسؤال هو هل نظل نراوح في غنائية أبي نؤآس ومن سبقه من رفاق موهبته حتى بدء المعلقات أم نتلاقح مع أجواء الحكمة والفلسفة . نبقى في استرخاءة الغزل النؤآسي واستنساخ تجربته أندلسيًا أم نمضي إلى أعمال الذهن والتفكر فلسفيًا . نبقى في البساطة أم نمضي إلى التعقيد ، في عذرية الطبيعة أم نمضي إلى المدنية مع فاتورتها الباهضة . تلك هي المسألة .
ومن نافلة القول مَيْلي إلى المضمون الذي أحلّ به الإشكال والمتلخص في بيت شعري للجواهري :
" على الموائد أكوابًا وأخيلةً
من شاء يحترّ أو من شاء يبتردُ " .

انتظروا قادمنا من الحلقة العاشرة والأخيرة مع شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته -