مخاطر ضعف وتراجع المعرفة والوعي في صفوف احزاب وفصائل اليسار العربي

غازي الصوراني
2019 / 9 / 15



إذا كنا نتفق على أن المعرفة هي ثمرة أولية من ثمار الفكر باعتباره وعياً مرتبطاً بالواقع المعاش وعاكساً له ، فليس معنى ذلك تطابق هذه المعرفة بالواقع مع شمولية الفكر وفضاءه الواسع، إذ أن حجم المعرفة ودورها يتحددان حسب نسبة أو درجة تفاعلهما مع الفكر وحركة تطوره التاريخي ، وهو تفاعل مرهون بدرجة تطور وحركة الواقع وصراعاته وتناقضاته الداخلية والخارجية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية) في هذه المرحلة أو تلك من جهة، وبدرجة عمق وقوة الوعي الذاتي لدى المثقف العضوي في إطار العقل الجمعي أو الحزب الماركسي ودوره في مجابهة الواقع وتغييره من جهة ثانية ، فبدون امتلاك الوعي بالنظرية والواقع تتعرض حركة الحزب وصيرورته لمخاطر الارتجال والعفوية والتفكك التنظيمي التي تولد بدورها مظاهر الشللية والانتهازية والهبوط السياسي والفكري، إلى جانب مظاهر التطرف العدمي الانتهازي ، ما سيؤدي بالحزب إلى التفكك والتلاشي، وفي كل الاحوال فإن الممارسة هي احد المعايير الهامة للحكم على وعي قيادة هذا الحزب أو ذاك وأعضائه .. فالممارسة هي التي تدل على الوعي بالنظرية ووضوح الرؤية ، بمثل ما تدل أيضاً على الارباك والتخبط السياسي والفوضى وانتشار الشعور بالاغتراب بين الأعضاء تجاه أفكار الحزب ومبادئه ، ومن ثم يكون من الطبيعي أن تتراجع القناعات والدافعية الذاتية جنباً إلى جنب مع تراجع فكرة الانتماء والالتزام بالحزب ، وفي هذه الحالة لا يكون مستغرباً أن يعيش الحزب حالة عميقة من العزلة عن الجمهور ، يستحيل تجاوزها بدون خروجه من حالته المأزومة صوب النهوض ، وتلك مهمة صعبة ، لكنها قابلة للتحقق عبر كل المخلصين لمبادئ الحزب وأهدافه من الكوادر والأعضاء .
وهذا يقودنا الى الحديث عن الوعي والممارسة في الحزب الماركسي ومحاولة تحديد الاشكالية ، فمن المعروف او من البديهي ان فصائل واحزاب اليسار العربي تتحدث عن الوعي والممارسه في وثائقها ومنشوراتها دون متابعة أو تفعيل وتفاعل على صعيد الممارسة يجسد انتماء الاعضاء واقتناعهم ودافعيتهم ،مما أدى الى مزيد من عزلتها عن الجماهير ، بينما في المقابل، لا تمتلك الجماهير أطر منظمة فعالة، وبالتالي فإن وعيها العفوي البسيط لا يمكن ان يوصلها الى حراك ثوري جذري او تحقيق اهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى بل بعض المتغيرات في ديكور السلطة او تحقيق بعض المطالب الاقتصادية الصغيرة ، وعلى الرغم من أن فقر الجماهير ومعاناتها وبؤسها وحرمانها يدفعها للتمرد العفوي ، الا أن السلطة الحاكمة ( ليبرالية او دينية) تمتص تمردها - بصورة انتهازية او قمعية - وتدعوها للسكينة أو ترهبها ، فالنشاط العفوي ، يوجد الازمة الشاملة التي تحاصر الفئات الحاكمة ، واذا لم يتوفر الحزب الطليعي الثوري الملتصق بالجماهير والمعبر عنا فان قوى اليمين او قوى الثورة المضادة تتولى السيطرة على حركة الجماهير وافراغها من مضامينها.
ويطرح هذا الوضع قضيتين نقضيتين: الوعي والتنظيم ،فهل تستطيع الجماهير تطوير وعيها و تنظيم صفوفها ؟ وجوابنا إنها عاجزة عن ذلك ، لأن العمل التنظيمي ( الحزب )،وكذلك مواجهة القوى الحاكمة ،بحاجة إلى تقنية عالية مسبوقة بالوعي والرؤية والبرامج الواضحة ، بحاجة إلى الثقافة ،و الدراسة والاضطلاع والمتابعة اليومية لكل شأن من شئون الصراع مع العدو الوطني أو على مستوى التناقضات الداخلية والصراع الطبقي.فالممارسة هي التي تدل على طبيعة الوعي . وهنا يبرز دور الفئات الواعية ،والمناضلة والمثقفة ،لانها القادرة على تأسيس الإيديولوجيا المناهضة للإيديولوجيا السائدة ، والقادرة على هزيمتها، وفي هذا الجانب نؤكد على أن الوعي دون ممارسة ثورية ، لا يؤدي الى انتصار، وكذلك فإن الممارسة الثورية دون وعي ثوري ،لا تحقق نفس الغرض .
انهما معا" طريق الانتصار ، لان الوعي الثوري يضيف للحركة العفوية ، العقل والتنظيم، وهما مكمن قوة . ، وتجعل الهجوم لاسقاط انظمة الاستبداد والتخلف ممكنا ، بل وضروريا" ، لانه يعطي التنظيم (بعد أن يستكمل كافة الشروط) القوة الجبارة التي تدعمه وتجعل انتصاره محتما" .