ذروة الوعي الفكري ومسرحة مفازات الوجع والترقب عند شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته - الحلقة الخامسة من حوارنا معه في -بؤرة ضوء-

فاطمة الفلاحي
2019 / 9 / 15


- خلدون جاويد ودمعه المتحوصل في جنبات الروح والذاكرة.. يبحث عن مرفأ يقاسمه هذا الألم قبل انسكابة كل دمعة في غيبوبة الوعي اللحظي، والذي يقرؤه في كل أوقاته الممنوعة من الصرف ، ككتاب تعذبه لغة المهجر ذات حدين فتصعقه درجة التشابه بين قسوة الظروف معه وقسوتها.
- ويتجلى على المسرح وهو مصدوع اللغة وينقر على أكتاف الغيم عله يلملم بعض شتاته، ويذرهم بعضها ليستمطرهم غيث النجاح، فيغرسه في أوردة الأحبة واللأحبة.. فندركه مصفقين ، واللأحبة يرونه بعين من نار.
- عليك تمتماتي أيها الخلدون
- مدد يادمعك مدد
- رغم حدة ذاك التيه وشوارده، قال:

ومع ذلك السَرَحان فقد نجحت بعد ستة أشهر، رغم الأرق والمعاناة النفسية، والبكاء كل يوم . . . وللحق أقول أن الدموع أخذت تنساب بلا خجل أمام زوجتي في متجر للسوق، أو وراء عجلة قيادة السيارة... أو في الصالة حيث اجلس بين أطفالي، أصبحت الدموع انسيابًا لايقاوم . حاجة وقوة داخلية لاتقاوم ... أتذكر أنها كحالة يومية بدأت معي منذ 1986 وسبب ذلك هو الخيبة ... ومادمت أدرك ذلك فأني رفضت أن تجلب لي المشرفة الاجتماعية طبيبًا أو موظفًا صحيًا كي يصغي لأحاديثي، في حالات معينة يكون الإصغاء نوعًا من الدواء، وعقد علاقة حضارية، صداقية الطابع مابين المريض والطبيب المعالج هو انعكاس لإنسانية رفيعة المستوى، أي تمامًا مثلما يحدث في بلداننا عندما ( يدوخ ) المرء ويفقد توازنه ليجد نفسه متورطًا في حوار مع الذات بحركات الأصابع أو التحدث مع نفسه بصوت عالٍ فإذا به يتلفت ليرى وراءه جيشًا من الأطفال تلقمه بالقشور وتغني له النشيد الوطني " هي ... هي مخبل " . * * *
- قرأت اشتعال دمعه وقلبه يمتلئ بأناتها
- حاولت مسح دمعه الذارف من أعماق مآقيه، وأكف ولو قليلًا صوت الوجع المكدس ..
أكمل وقد ازدادت مسافة لعن الحظ والبكي عنده فقال:

رفضت دعوة زوجتي التي رأتني أبكي وأنا أتبضع معها في سوق عام في أن أذهب هذه المرة إلى الطبيب كما أن ابني الكبير ( 16 ) عامًا قد أكد هو أيضًا عليّ اقتراح الوالدة. لعنت حظي ومضيت لأنزوي شر انزواء . لقد حولت غضبي إلى معنى .
كان نجاحي هذه المرة عاصفًا وغير متوقع. إذ مارست طيلة الأشهر مع الدانماركيين الاختباء المنظور أي أن أكون أمامك ولا وجود لي من الناحية العملية ، ارفق ذلك بأن أقول جملة واحدة كل يوم ... ارفع سبابتي وأسأل سؤالًا أو أعلق تعليقًا واحدًا فقط أي أني أسجل حضورًا وأهرب وسط الحاضرين ولا أنبس بأية كلمة بعد ذلك حتى لحظة المغادرة وعندها وحتى لا أكون جافًا اتحدث مع هذه أو تلك وأمضي إلى البيت لأقرأ بغضب بل أُراكم الهرم الضروري من أجل الانتصار النهائي على الامبريالية والصهيونية والرجعية ! ولكن الذي حدث والذي لاتحمد عقباه أن الأستاذة – هذا النرجس الشوكي ! – قد طلبت من كل تلميذ أن يجلس في بداية القاعة ويتحدث باختصار عن كتاب واحد يختاره ويعلق عليه .

- قد أرغمته المدعوة – هذا النرجس الشوكي ! – كما نعتها على مشروع خريفي، كي تساقطه آخر ورقة تعثر أمام اللغة، لتساعده على مقاومة خريف أشياءه، وزرع المواجيد كأجنة في مدارج حياته.
- تحدث عن ذلك وفي داخله صراع أفكار في كيف سيكون وكيف سيبتدأ الجولة، قال:

كنت قد اخترت كتابًا للأديب الدانماركي الشهم ( هينس شيرفي ) وهو كاتب شيوعي مرموق اخترته كي أكايد به الأوغاد من الأدباء ولكي أقول للآخرين انظروا أية ضرورة كونية الطابع للشيوعية في وقتها ... لقد كشف هينس شيرفي في كتابه ( هذا الربيع المهمل ) عن انحطاط النظام التربوي في المدرسة والحياة الاجتماعية قبل الانتصار الحتمي (أو التكتيكي) للاشتراكية الديموقراطية ... وأعني هنا بالتكتيكي على سبيل الاستطراد أن رئيس وزراء سابق ، يدعى ( ستاوننغ ) كان قد غلف هذه البلاد بالإطار الاشتراكي الديموقراطي فأبعدها عن الميل إلى الشيوعية العاصفة بوقتها – هذا من جهة – كما أبعدها من جهة أخرى – عما حل ببعض الدول من صراع طبقي ضروس ( المانيا ، إيطاليا ، أسبانيا ) أسفر عن ظهور دكتاتوريات وفاشيات ( يمينية ) معروفة .

- قبل أن يبدأ هرولة معاكسة، تصورت حينها وأنا أقرأ مايكتبه بأنه سيحدثهم كثيرًا عن معاركه وانتصاراته على توجعاته بصوت مرتفع، ليرسلهم ذبذباته السحرية لتتراخى تقاسيم ملامح وجوههم الحادة ، فمارسهم قصفًا "هملتيًا" مباشرًا بالغ الدقة ، فسَخَر آلامه لعيش مسرحية قد رسمها ويضحك بشدة بمما قد مر به .. لكنه أضحكهم ، ثم أمسك.. محددًا تاريخ نقطة الفصل قائلًا:
في 22 /4/ 1998 صباحًا في الساعة العاشرة وأربع دقائق وسبع وعشرين ثانية تقدمت من طاولتي إلى منصة الأساتذة كي استعرض الكتاب . ماكان ذلك ليخيفني وأنا الكثير الحضور أمام جمهور الشعر والأدب وفي أماسي ودعوات عديدة ولكن ماكان يخيفني حقًا هو احتمال أن احتاج إلى هذه الكلمة أم تلك ، أو أن ألفظ مالايستطيع زملائي أن يفهموه ...
استرخيت علىا الكرسي كما لو أكون في حضن أمي أو أبي ، نظرت إلى الحضور بهملتة متناهية أي كما لو أكون هاملت المفجوع بالسخرية والخراب .... ولا أدري لماذا تذكرت أستاذي الأريب ثامر مهدي الذي درسنا في معهد التدريب الإذاعي كل من مادة المسرح والفلسفة وكذلك في نفس المعهد الأساتذة الأجلاء "صادق الأسود" و "علي الوردي "وفي الجامعة كل من "عناد غزواان" و "عبد الواحد لؤلؤه" و "حسين حمزة" و "الدكتورة نادرة" و "شاكي" و "بهيجة" و "سهيلة" و "كمال نادر" والتربوي المعروف "أستاذ الأساتيذ حمدي يونس" وكل الرائعين الذين علموني أو علموا اضرابي ... أنا ابن أؤلئك الأفذاذ ... أنا عراقي ... أنا من بلاد الرافدين ... أنا ابن كوفتك الحمراء !!! بتلك التعاويذ والأدعية والأبخرة والآياتا والرشوش و ( السبع مايات ) أعطيت دفعًا لنفسي في مقاومة لحظة غير طبيعية فاي حياتي العلمية ! وإضافة إلى قدراتي الذاتية وثقتي بنفسي لم أنس أن أُبسمل واحوقل وان اتذكر امي التي رفعت أخي الصغير من مهده وهي تهرب من افعى تنساب تحت قدميها وهي تقول بكل ثقة وحزم ( ياعلي ) .
* * *
قلت محاولًا تغطية اضطرابي بتسديد ضربة كوميدية ، قلت لهم على طريقة سامي عبد الحميد في مسرحية بغداد الأزل : " يا أيها الحضور الكريم . سأشرح لكم الآن باللغة الدانماركية ، أما إذا لم تفهموا ما سأقول فسوف أوضح ذلك باللغة العربية . "
انفجرت القاعة بالضحك ... واصلت متحدثًا وبدون أدنى اكتراث لوجودهم جميعًا ! واصلت باللغة العربية وبحركات مسرحية خفيفة مع ابتسامة ساخرة ضمنتها كل آلامي الروحية وسخرية القدر وهذا السخف الأخوي الاشتراكي الديموقراطي ضمنتها ديباجة الموت الذي أحياه ، وخزيني المتراكم باللوعة المكتومة والملعونة ، لوعة وجدت الآن لحظة انتصارها على مستمعين مأخوذين بانتفاضتي المنسقة وفوضاي المنسابة ، بحامل الناي الذي يجر بأنغامه فئران المدينة ... قلت وباللغة العربية ، اسمعوا ووعوا ... إن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو بكل فخر لكاتب المعي ( يسوه راسكم ) إنه المهذب هينس شيرفي ، إنه وأن كان دانماركيًا فأنه (عاني) ! وفي رواية أخرى (كبيسي) " يلي تريد الحسن ... لكبيسه روح وشوف " " واوكف بدرب الهوى ... وتمر عليك اخشوف " . هل فهمتم ما أقول ؟ اليوم تلقون العذاب الأكبر ! على يد قادريةْ بنت الأزور !
- وإلى هنا تنتهي المسرحية بنقطة فاصل و...

انتظروا قادمنا مع شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته