سعير مجامر لقمة العيش واللغة - شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته - الحلقة الخامسة من حوارنا معه في -بؤرة ضوء-

فاطمة الفلاحي
2019 / 9 / 13


في الغربة العيش بدون المساعدة الاجتماعية جريمة يعاقب عليها العمر،وأن تقاصصك آلهة المال ماهو إلا رَدَّه في نحر أوصاله ،وفي زمنٍ الوجوه فيه ضائعة ولا تشبهه، عاد بحقل من سنابل الدمع بحجم أعماقه السحيقة، مرتلًا سور الغضب عن ظهر قلب فمحقت فيه آخر حبة أمل ... فمن يحوقل وجعه؟
في ذلك الخضم ، وردت رسالة جرى بموجبها قطع المساعدة الاجتماعية – لقمة العيش – فتألمت على ألمي ( دخت على دوخاني ) وكتبت الرسالة تلو الأخرى حتى نجوت بالإلتحاق بمدرسة لتعلم الكومبيوتر وأخرى لاستكمال مستواي في اللغة الجهنمية الدانماركية ... والمرأة ( الخاتون ) التي زادت الطين بلة هي المسؤولة في مدرسة اللغة في هيلاغوذ، كان اسمها لونا ... لوّنها الله بالأسود والكحلي والقطراني ... لقد كتبت لي على ورقة الواجبات اليومية بأني غير جدير بالجلوس في المكان الذي أنا فيه وأن مستواي ضحل بالنسبة إلى التلاميذ والتلميذات في الصف، ويومها ذهبت كالذئب الجريح إلى البيت ... كانت تلك الظهيرة التي عدت فيها ظهيرة عزاء. تذكرت كيف أني في أيام شبابي وبالذات في الدورة التوجيهية (في الأعظمية) قد رفعت معدلي ودخلت الجامعة وأخذت (والله شاهد على ما أقول) "98 من 100" بمادة الاقتصاد وكيف أني حفظت بل كدت احفظ عن ظهر قلب كتاب الأديب برناردشو سيدتي الجميلة ( بيجماليون ) في كلية الآداب، ونجحت في الجامعة رغم أني لا أحب اللغة الانجليزية ! درت في جنبات البيت حزينًا ، غنيت آلامي وعرجت على المقام العراقي وقليلًا من الأبوذية ... بدأت من قصيدة ( أبو جاسم ) الأستاذ محـمد القبانجي والتي اجترح فيها يوم وصله خبر موت أبيه مقام اللامي حيث غنى " علام الدهر شتتنه وطرنه ؟... " وعرجت على قصيدة لعبد القادر رشيد الناصري " في الأعظمية يوم جئت وجئتها ... روح على شفتيك قد ذوّبتها " وانتهيت إلى " سكران بمحبتك مايوم أنا صاحي بك " وبانعطافة غير مسؤولة وجراء الشرود رأيتني اغني القصيدة التي كتبها شكسبير ! " اليوم أجمل يوم عندي ... ويه إخوتي صرت جندي " ...
أما لونا هذه فقد فارقتها دون أدنى سلام بينما أرسلت ( كارت ) جميلًا للغاية إلى زميلتها التي تتناوب معها على تدريسنا مع دواويني الشعرية التي أصدرتها حديثًا ، والقصد من ذلك هو أن أشعرها أي ( لونا ) بأني لا أحترمها وذلك لقسوة التي مارستها ضدي .
وبما أن الزمن دوار فقد ارسلني مرغمًا إليها من قبل البلدية التي تجبرني على الدراسة أو العمل المتدني النوعية ولأني لا اسمح لنفسي ان أكون يدًا عاملة رخيصة – في عالم الشغل أو غيره فإني آثرت الذهاب إلى لونا . اللعنة يافخامة المدام ، أريد أن أدرس ... مارست هي على طاولة اللقاء كل أنواع الألاعيب و(الحنقبازيات ) وانتهت إلى ارسالي إلى مدرسة عليا تريد بذلك اسقاطي من أعلى حافة لأعلى جبل !. وبقرارها هذا حرمت من فضيلة واحدة ومهمة هي أني لو بقيت معها أو في مدرستها لجلست إلى جانب التلاميذ الأجانب الذين لاحدود لأخطائهم وأغلب مداخلاتهم اللغوية كسيحة بل ( خيطي بيطي ) وإن هذا الأخير يناسبني كثيرًا فلا يعقل أن أكون من هذه المجموعة المذكور اسم مداخلاتها أعلاه ، وأذهب بذات الوقت إلى المدرسة العليا للجلوس مع الدانماركيين الذين لايستفسرون عن معنى كلمة ولا تعوزهم لباقة ، كل تلميذ منهم كأنه ماكنة خياطة أو بلبل هزار وأنا سأضع رأسي الخمسيني مابينهم وكل همي هو أن لا أكون طائرًا شديد الغرابة أو بومًا فاقعًا . وذهبت إلى تلك المدرسة تلاحقني لعنات لونا وسخريتها وانتقامها .
آثرت الدخول إلى قاعة الدرس قبل حضور الأستاذة ( كان اسمها كارين ) ... دخلت راسمًا على هيأتي نوعًا من اللاأبالية ... ما أن جلست في مكان ما كيفما اتفق – وسط خمسة رجال واثنى عشر امرأة حتى دخلت الأستاذة . كانت شفيفة ذكرتني بالاقحوان والنرجس ... تقدمت نحوي ، صافحتني، شكوت لها ما أنا عليه، فورًا وبلا سابق إنذار ورجوتها أن تقدر وضعي الاستثنائي – طبعا بلغة شبه ( امكسره ) .. كانت لحظتها رقيقة معي وظلت هكذا طيلة الوقت ... وكنت أضع يدي على خدي وأنا اتطلع إليها كل صباح وهي تشرح لنا الدرس . وبعد أن ملأ الأمان قلبي كونها لن توجه أي سؤآل لي تحرجني به فقد أخذت اسرح بأفكاري بعيدًا ... نصف وعيي مع ماتقول والنصف الآخر مع نحولها النرجسي ... نغم دائم تلبسني طيلة الوقت يموسق داخلي وأنا اتطلع إلى ميلان شعرها والتواءة خصرها وكلما انسابت يمينًا أو انعطفت شمالًا تهدجت روحي بالنغمة الملازمة لي " النرجس مال ... يمين واشمال ... على الأغصان في تيه ودلال " . أو أن اجنح إلى أغنية هائلة الروعة استمعت إليها في ليلة صيف دمشقية ... " الورد أبوك والبنفسج عمك ... والفل خالك والياسمين أمك .. " ...

انتظرونا و شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته.